ملخص
استمرار الحرب في السودان يحول أي تمويل إلى أداة إسعاف موقت، فيما تحتاج الأزمة إلى مقاربة تربط بين المال والنفوذ السياسي. ولا يقاس نجاح مؤتمر المانحين بما يعلنه من أرقام، بل بما يحدثه من تغيير في قواعد اللعبة الإنسانية والسياسية معاً، بحيث يصبح السودان ساحة اختبار لإرادة دولية تتقن الجمع بين التعاطف والحوكمة، وبين الاستجابة العاجلة وبناء المستقبل.
يقف السودان عند مفترق طرق حاسم يتطلب مبادرة دولية منظمة تعيد بناء الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية، نظراً إلى ما راكمته الحرب من تدهور شامل. ففي مدن تراجعت فيها البنية الاجتماعية، وبين سكان أثقلهم النزوح ونقص الغذاء وتعطل الخدمات، يتشكل مؤتمر المانحين المرتقب بوصفه محطة عملية في إدارة الأزمة، واختباراً لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل التعاطف السياسي إلى سياسات تنفيذية، والاستجابة الظرفية إلى التزام طويل الأجل قائم على آليات واضحة.
في هذا السياق، تقود الولايات المتحدة حراكاً دبلوماسياً يهدف إلى عقد مؤتمر دولي للمانحين خلال الأسابيع المقبلة، ضمن مقاربة تعتبر التمويل الإنساني مدخلاً لإعادة تنظيم مسار التعاطي الدولي مع الملف السوداني، وترى في التنسيق متعدد الأطراف أداة لإعادة توجيه مسار الحرب نحو ترتيبات إنسانية قابلة للتطبيق. فالأزمة تجاوزت منطق الطوارئ المحدودة، ودخلت نطاق الأزمات المركبة التي تتداخل فيها المجاعة مع ضعف المؤسسات، والنزوح مع تآكل وظائف الدولة الأساسية.
وتتحرك واشنطن على هذا الأساس عبر شبكة مشاورات تقودها مستشارية الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، بالتوازي مع شركاء الرباعية الدولية، الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر. وتركز هذه الجهود على بناء إطار دولي منظم للمؤتمر المنتظر، يضمن مشاركة فاعلة للدول المانحة والمؤسسات المالية الكبرى، ويؤسس لآليات دقيقة لتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر هشاشة، في ظل تقديرات أممية تشير إلى أن السودان يواجه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المرحلة الراهنة.
ويكتسب هذا الحراك أهميته من كونه يأتي في لحظة إدراك دولي بأن استمرار النزاع لم يعد شأناً داخلياً محضاً، بل عاملاً ضاغطاً على الاستقرار الإقليمي، وتحدياً مباشراً لمنظومة إدارة الأزمات في النظام الدولي. فمؤتمر المانحين، إذا ما أحسن تصميمه من حيث الأهداف والحوكمة وآليات المتابعة، يمكن أن يتحول من استجابة إنسانية محدودة إلى منصة تنظيمية لمسار أوسع يربط الإغاثة بإعادة بناء الثقة، ويصل بين إنقاذ الأرواح وتهيئة شروط تسوية سياسية مستدامة. في هذا الإطار، لا ينتظر السودان تدفقات مالية فقط، بل ينتظر إعادة ضبط منهج التعامل الدولي مع أزمته على أساس الشراكة، وتوزيع المسؤوليات، وربط الدعم بنتائج قابلة للقياس.
موقع مركزي
منذ سقوط النظام السابق في أبريل (نيسان) عام 2019، دخل السودان مرحلة جديدة في علاقته بالمجتمع الدولي، اتخذت فيها مؤتمرات المانحين موقعاً مركزياً كأداة لإعادة إدماجه في الاقتصاد العالمي، ودعماً لمسار الانتقال السياسي، ثم لاحقاً كرافعة إنسانية في مواجهة الانهيار الشامل الذي فرضته الحرب. ويمكن تتبع هذا المسار عبر ثلاث مراحل متعاقبة، تعكس تحول وظيفة هذه المؤتمرات من دعم الانتقال إلى إدارة الكارثة.
في المرحلة الأولى، بين عامي 2019 و2021، برزت مؤتمرات أصدقاء السودان في برلين وباريس، إذ سعى الشركاء الدوليون إلى تثبيت الحكومة الانتقالية عبر حشد الدعم المالي والسياسي، وربط المساعدات بإصلاحات اقتصادية وهيكلية عميقة. مثل مؤتمر برلين في يونيو (حزيران) عام 2020 محطة مفصلية، إذ أسس لعودة السودان لدوائر التمويل الدولي، ودعم جهود إعفاء الديون، ووضع الأساس لبرامج الحماية الاجتماعية في ظل إرث اقتصادي مثقل بالعقوبات والعزلة.
أما المرحلة الثانية، فقد بدأت مع تعثر الانتقال السياسي ثم اندلاع الحرب في أبريل عام 2023، لتتحول المؤتمرات من منصات دعم إصلاحي إلى آليات استجابة إنسانية عاجلة. وفي هذا السياق، انعقد مؤتمر باريس في الـ15 من أبريل عام 2024 بوصفه أول تجمع دولي واسع بعد عام من الحرب، قاده الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع فرنسا وألمانيا، وركز على تعبئة الموارد لخطة الاستجابة الإنسانية، مع إدراج البعد السياسي ضمنياً عبر الدعوة إلى حماية المدنيين ودعم مسار جدة. تبعه مؤتمر لندن في الـ18 من أبريل عام 2025، الذي جاء أكثر تركيزاً على قضايا الجوع والمرض، وعلى تحسين التنسيق الإقليمي لعمليات الإغاثة عبر دولتي تشاد وجنوب السودان، مع محاولة أوضح لربط التمويل بخطوات نحو هدنة إنسانية.
وتشكل المرحلة الثالثة مع الجهود الأميركية الحالية لعقد مؤتمر مانحين جديد، ينظر إليه بوصفه حلقة ثالثة في هذه السلسلة، تسعى إلى تجاوز منطق التعهدات نحو بناء إطار تنفيذي يربط بين المال والسياسة، ويحول الدعم الإنساني إلى مدخل لإعادة تنظيم المشهد الدبلوماسي حول السودان. غير أن الحصيلة العامة لهذه المؤتمرات تكشف عن فجوة مزمنة بين الطموح والتنفيذ، فقد تراكمت التعهدات، بينما ظل وصول التمويل الفعلي محدوداً، وبقيت الممرات الإنسانية رهينة موازين القوة العسكرية، وتعثر الرهان على الضغط السياسي في إحداث اختراق ملموس. فقد بات السؤال المركزي يدور حول ما إذا كان المؤتمر المقبل سيعيد إنتاج هذا النمط، أم سيؤسس أخيراً لمرحلة تتقدم فيها آليات التنفيذ على بيانات النوايا، وتصبح المساعدات جسراً فعلياً نحو إنقاذ الدولة؟
منصة ضغط
بالنسبة إلى واشنطن، يمثل مؤتمر المانحين حول السودان أداة لإعادة صياغة مقاربة الولايات المتحدة للأزمة بوصفها قضية أمن إقليمي واستقرار دولي بقدر ما هي مأساة إنسانية. فالإدارة الأميركية تنظر إلى المؤتمر باعتباره إطاراً سياسياً جامعاً، يستخدم لترتيب مواقف المانحين وتوحيد خطابهم، ويربط تدفق الموارد بشروط تتصل مباشرة بوقف القتال، وضمان الوصول الإنساني، وتهيئة أرضية دبلوماسية لمسار أكثر انتظاماً نحو التهدئة.
تنطلق هذه الرؤية من قناعة راسخة داخل دوائر صنع القرار الأميركي بأن استمرار الحرب يحول أي تمويل إلى أداة إسعاف موقت، فيما تحتاج الأزمة إلى مقاربة تربط بين المال والنفوذ السياسي. ولهذا تسعى واشنطن إلى جعل المؤتمر منصة ضغط ناعم، تستثمر فيها ثقلها داخل المؤسسات المالية الدولية، وشبكاتها الواسعة مع المانحين الغربيين والخليجيين، لتشكيل إجماع عملي يضع أطراف النزاع أمام معادلة واضحة، المساعدات بوصفها مكسباً مشروطاً بالتهدئة، والاستمرار في القتال بوصفه كلفة سياسية متصاعدة.
في قلب هذا الجهد، يتحرك مسعد بولس بوصفه مهندس التنسيق بين الولايات المتحدة وشركائها في الرباعية الدولية، إذ تتلاقى حسابات الأمن الإقليمي مع اعتبارات الاستقرار الإنساني. وتعطي واشنطن اعتباراً خاصاً لدور السعودية والإمارات ومصر، كفاعلين يمتلكون قنوات تأثير مباشرة في طرفي الصراع، مما يجعل المؤتمر بالنسبة إليها مساحة لإعادة هندسة توازن الضغط الإقليمي حول السودان.
وعلى الضفة الأوروبية، تبرز بريطانيا كلاعب محوري في هذه المعادلة، عبر دورها كـ"حامل القلم" في مجلس الأمن، وسعيها إلى دمج المسار الإنساني بالمساءلة الدولية، من خلال العقوبات المستهدفة ودعم آليات توثيق الانتهاكات. ويمنح هذا التلاقي الأميركي - البريطاني المؤتمر بعداً مضاعفاً، إذ يتحول من تجمع للمانحين إلى منصة سياسية ذات صدى مؤسسي داخل الأمم المتحدة والمنظومة الدولية الأوسع.
غير أن هذا الطموح يصطدم بتحديات بنيوية، في مقدمها هشاشة الثقة بين طرفي النزاع، وتباين أولويات الفاعلين الإقليميين، وحساسية المشهد السوداني تجاه أية مبادرات تتجاوز مؤسسات الدولة القائمة. ومع ذلك، تراهن واشنطن على أن لحظة المؤتمر يمكن أن تشكل نافذة نادرة لإعادة السودان إلى مركز الاهتمام الدولي، عبر مقاربة تجمع بين التمويل والضغط الدبلوماسي، وتعيد تعريف المساعدات بوصفها أداة لبناء مسار سياسي، لا مجرد وسيلة لإدارة الكارثة.
بيئة معقدة
تواجه مؤتمرات المانحين حول السودان، وفي مقدمها المؤتمر الوشيك، بيئة بالغة التعقيد تجعل من النجاح مهمة محفوفة بالقيود البنيوية قبل التحديات السياسية. فالعالم يدخل مرحلة انكماش في تمويل العمل الإنساني، تتراجع فيها مساهمات الدول الكبرى، بينما تتسع رقعة النزاعات والكوارث بوتيرة تفوق قدرة النظام الدولي على الاستجابة. وفي هذا السياق، يأتي السودان في صدارة الأزمات من حيث حجم النزوح وخطر المجاعة، في لحظة تشهد فيها المنظمات الدولية واحدة من أعمق أزماتها التمويلية منذ عقود.
يتصدر هذا المشهد قرار الولايات المتحدة تقليص مشاركتها في عدد واسع من المنظمات الدولية، وهو تطور يترك أثراً مضاعفاً في أية مبادرة مانحين، بحكم الثقل الأميركي التاريخي في تمويل العمل الإنساني وتوجيه أولوياته. ومع تقلص الموارد، تجد وكالات كبرى نفسها مضطرة إلى خفض برامجها الأساسية، مما يفرغ التعهدات الدولية من مضمونها العملي، ويحول المؤتمرات إلى منصات تعبئة خطابية أكثر منها أدوات استجابة فاعلة. ويكتسب هذا البعد خطورته في الحالة السودانية، إذ يعتمد ملايين المدنيين على شبكات الإغاثة اعتماداً شبه كامل في الغذاء والرعاية الصحية والدعم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلى جانب معضلة التمويل، تبرز إشكالية العلاقة المتوترة بين العمل الإنساني والسيادة الوطنية، فموقف الحكومة السودانية من مؤتمرات المانحين يتأرجح بين الترحيب بالحاجة الملحة إلى الدعم، والتحفظ على ما ينظر إليه كتسييس للمساعدات أو تجاوز للقنوات الرسمية. هذا التوتر يضع المؤتمرات أمام معادلة دقيقة بين متطلبات الوصول الإنساني ومقتضيات الشرعية المؤسسية، ويجعل أية آلية تنفيذ عرضة للتعطيل بفعل الخلافات السياسية. غير أن التحدي الأعمق يظل كامناً في فجوة التنفيذ المزمنة التي طبعت سجل المؤتمرات السابقة، فقد أظهرت تجارب باريس ولندن أن القدرة على جمع التعهدات لا تعني القدرة على تحويلها إلى أثر ملموس على الأرض، في ظل عوائق بيروقراطية وأخطار أمنية وتضارب أولويات المانحين. ومع استمرار القتال، تبقى الممرات الإنسانية رهينة موازين القوة العسكرية، فيما تتآكل الثقة في جدوى المبادرات الدولية لدى الفاعلين المحليين.
وفوق ذلك، يضيف تداخل الأجندات السياسية مع المسار الإنساني طبقة أخرى من التعقيد، فربط التمويل بأهداف دبلوماسية أو أمنية قد يمنح المؤتمرات زخماً تفاوضياً، لكنه يحملها أيضاً أعباء تفوق قدرتها التشغيلية، ويجعل نجاحها مرهوناً بتوازنات إقليمية لا تخضع لمنطق الإغاثة. وفي هذه البيئة المركبة، يبدو التحدي الحقيقي أمام مؤتمر المانحين في قدرته على الانتقال من منطق التعهد إلى منطق التنفيذ، ومن إدارة الأزمة إلى بناء إطار عملي يضع وصول المساعدات فوق الحسابات المتغيرة، ويمنح السودان فرصة نادرة لتخفيف الكارثة بدل الاكتفاء بتدويرها.
مقاربة مستقبلية
في الأفق القريب، يرجح أن يتجه مؤتمر المانحين إلى إعادة تعريف دوره من التعبئة المالية إلى البناء المؤسسي، فالمستقبل يتطلب مقاربة تجعل من الشفافية محوراً ومن المساءلة معياراً، بحيث ترتبط التعهدات بآليات متابعة دقيقة، وتربط المساعدات بمؤشرات أداء قابلة للقياس. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن فاعلية الدعم لا تقاس بحجم الأموال المعلنة، بل بقدرتها على الوصول إلى المستفيدين في الزمن المناسب، وبقدرتها على الصمود أمام تعقيدات المشهد الميداني.
ويبرز في هذا السياق اتجاه متنام نحو تمكين الفاعلين المحليين، بوصفهم الحلقة الأكثر اتصالاً بالواقع الاجتماعي والإنساني، فالمستقبل المرجح لمؤتمرات المانحين في السودان يقوم على شراكات أعمق مع المنظمات الوطنية والمبادرات المجتمعية، ليس فقط كقنوات تنفيذ، بل كشركاء في التخطيط وتحديد الأولويات. هذا التحول يعيد التوازن بين المركز الدولي والأطراف المحلية، ويمنح العمل الإنساني بعداً أكثر استدامة، يتجاوز منطق الإغاثة الظرفية إلى بناء القدرة على الصمود.
على المستوى السياسي، يتوقع أن يتخذ هذا المؤتمر طابعاً أكثر تكاملاً مع المسارات الدبلوماسية، إذ تتحول المساعدات إلى رافعة هادئة لإعادة ترتيب البيئة التفاوضية حول السودان. فربط التمويل بالاستقرار النسبي، وبضمانات الوصول الإنساني، وبحماية المدنيين، يمنح المؤتمر دوراً يتجاوز الإغاثة إلى المساهمة في تشكيل شروط التهدئة. وفي عالم يشهد تنافساً محتدماً على الموارد والانتباه، سيعتمد مستقبل مؤتمر المانحين على قدرته في تقديم نموذج جديد يدمج بين الكفاءة التشغيلية والبعد السياسي المسؤول، ويحول الدعم الدولي من إدارة للأزمة إلى استثمار في إمكانات التعافي.
وفي هذا الأفق، لا يقاس نجاح المؤتمر المقبل بما يعلنه من أرقام، بل بما يحدثه من تغيير في قواعد اللعبة الإنسانية والسياسية معاً، بحيث يصبح السودان ساحة اختبار لإرادة دولية تتقن الجمع بين التعاطف والحوكمة، وبين الاستجابة العاجلة وبناء المستقبل.
