ملخص
يختتم الشيخ محمد حديثه بحسرة "أكثر ما يُحزنني تلقي اتصالات الخميس أو صباح الجمعة من قرى مجاورة يطلبون إماماً لسد العجز. أحياناً تكون أربعة مساجد في حاجة إلى أئمة خلال الوقت نفسه، فأظل أبحث عن أساتذة ذوي خبرة يقبلون التطوع لهذه المهمة".
"لا يساعدني أحد في متابعة شؤون المسجد. تعرضت أكثر من مرة لوعكات صحية، خضعت لجراحات أبقتني طريح الفراش لأشهر. خلال تلك الفترات تحملت مسؤولية اختيار من ينوب عني، واعتمدت على أشخاص أثق فيهم، وأطمئن إلى اعتدال أفكارهم وسلوكهم".
بهذه الكلمات يلخص الشيخ محمد، إمام مسجد تحدث باسم مستعار، تبعات أزمة العجز في أعداد الأئمة داخل المساجد في مصر، قبل أن يضيف "كنت أسند المهمة إلى ابن أخي. الإدارة، بسبب العجز، لا تستطيع مساعدتي ولا يمكن لمسجد أن يقوم على شخص واحد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم تكن هذه الشهادة، التي وثقتها "اندبندنت عربية"، سوى جزء من صورة أوسع تحمل تفاصيل متعددة عن الأزمات التي تواجه الأئمة، في ظل النقص العددي مقارنة بالعدد الكبير للمساجد، الذي يصل إلى نحو 160 ألف مسجد، وهو رقم يرى مسؤولون وأئمة وإداريون في وزارة الأوقاف "صعوبة تغطيته بالكامل".
تكشف "اندبندنت عربية" عن وجود فجوة هيكلية في إدارة المساجد، خصوصاً أن أعدادها تتجاوز قدرة الأئمة المؤهلين على تغطيتها. وبينما يستمر نقص العمالة الأساس، مثل المؤذنين ومقيمي الشعائر، يعتمد جزء من الحل على خطباء المكافأة والمتطوعين لتغطية الحاجات بصورة موقتة، في ظل تحديات إدارية وصعوبة توزيع الموارد.
خلل الوعي الديني
حين تواصلنا مع متحدث وزارة الأوقاف الدكتور أسامة رسلان أوضح أن عدد المساجد شهد زيادة كبيرة عقب عام 2011، تجاوزت أي احتياج معقول للمجتمع، خلال فترة تزامنت مع ما وصفه بـ"انهيار مؤسسات الدولة"، مشدداً على أن بناء المساجد "جرى بصورة عشوائية وبأعداد تفوق الحاجة الفعلية".
وارتبطت هذه الزيادة، وفق حديث رسلان، بأسباب متعددة من بينها محاولات فرض أمر واقع عبر تبوير بعض الأراضي الزراعية، وسعي جماعات وتيارات لتوسيع نفوذها من خلال الإكثار من المساجد والزوايا التابعة لها. ولم يغفل وجود "خلل في الوعي الديني المرتبط بمفهوم الوقف"، قائلاً "بناء المسجد عمل جليل، لكن ثقافة الوقف يجب أن تمتد إلى مجالات أخرى مثل بناء المستشفيات أو دعم البحث العلمي أو الاستثمار في إعداد العقول، وليس بالضرورة تحويل جزء من الأرض بعد الوفاة إلى مسجد".
وذهب متحدث الأوقاف إلى أن الأزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل ثقافية وإدارية واجتماعية وفكرية، على رغم أن تأثير التنظيمات المتشددة تراجع إلى حد كبير، مضيفاً "الواقع مرتبط ببناء أعداد ضخمة من المساجد خلال فترة زمنية قصيرة من دون احتياج فعلي".
"نحن أمام خيارين، إما ترك هذه المساحات لمروجي الفكر المتطرف أو التدخل، والتدخل يتطلب موارد مالية ضخمة"، موضحاً أن إشراف الوزارة على نحو 160 ألف مسجد يعني الحاجة نظرياً إلى العدد نفسه من الأئمة، ومع نظام التناوب يرتفع العدد المطلوب إلى نحو 200 ألف إمام. وأوضح أن من بين الحلول التي تنفذ على أرض الواقع لسد هذا العجز إقامة صلاة الجمعة في نحو 100 ألف مسجد فحسب. وبسؤاله عن نسبة العجز الحالية اكتفى بقوله "نغطي قرابة ثلثي هذه المساجد المحددة لصلاة الجمعة، من خلال الأئمة المعينين وأئمة المكافأة والمتطوعين".
بحسب المعطيات التي ذكرها رسلان حول أعداد الأئمة والمساجد، لا يتجاوز عدد الأئمة المؤهلين للخطابة 75 ألف إمام، في حين تصل الحاجة الفعلية إلى نحو 200 ألف إمام لتغطية جميع المساجد. هذا العجز، الذي يقترب من 125 ألف إمام، يدفع وزارة الأوقاف إلى تبني ما تصفه بـ"حلول مبتكرة" لتولي المهام الأساس وضمان انتظام الخطاب الديني.
أزمة عمالة أيضاً
في حين التقط الشيخ محمد طرف الحديث، متحدثاً عن تراجع أعداد العاملين في المسجد الذي يتولى شؤونه "عدد عمال النظافة تقلص من خمسة إلى اثنين فقط منذ جائحة كورونا، ولم يعد هناك سوى مؤذن واحد. المؤذنون ومقيمو الشعائر أصبحوا نادرين خلال الأعوام الأخيرة، بعدما كان بالمسجد مؤذن ومقيم شعائر، ولم يبق سوى مؤذن واحد منذ أكثر من 10 أعوام بسبب عدم كفاية الأعداد لتغطية المساجد".
وعن الحاجات الفعلية للمسجد، يرد مستشهداً بأنه "في السابق، كانت الوزارة تصرف لنا أدوات نظافة مرتين كل عام، مثل المكانس والزحافات والجرادل والمصابيح الكهربائية، لكن منذ ما لا يقل عن سبعة أعوام توقف ذلك تماماً. خلال الوقت الحالي، عندما نطلب عمالة إضافية يُقال لنا إن الأعداد غير متوافرة بسبب الوفيات، وخروج بعضهم إلى المعاش وعدم وجود تعيينات جديدة، على رغم كبر مساحة المسجد".
ولم يتجاوز الإمام المسؤولية التي تقع على كاهله، ويقول "في خطبة الجمعة، إذا كنت أمر بظرف صحي يُطلب مني أن أتصرف بنفسي لعدم وجود من يغطي المساجد، على أن تكون المسؤولية كاملة عليَّ. وإذا ارتكب مَن أختاره أية مخالفة سأتحمل تبعاتها. لكن خبرتي الممتدة منذ عام 1994 تجعلني شديد التدقيق في الاختيار"، مضيفاً "لم تحدث لي أية مشكلة طوال هذه الأعوام".
لرسم صورة أكثر تفصيلاً تواصلت "اندبندنت عربية" مع مسؤول بإحدى إدارات الأوقاف، الذي أوضح أنه بعد اجتياز الشخص الاختبارات الخاصة باختيار الأئمة، يجري عرضه على الأمن لتحديد موقفه من الموافقة من عدمه، كنوع من التأكد من سلامة أفكاره. وأضاف أن التعيينات الجديدة ضمت كفاءات جيدة، إلا أن غالبية المعينين الجدد يجري توجيههم إلى المحافظات الأكثر احتياجاً، ويشترط موافقتهم مسبقاً على الانتقال إلى أي مكان. وتوجد حالات عديدة انتقلت إلى محافظات أخرى، ويمكن فيما بعد تسهيل عودتهم إلى أماكنهم الأصلية بعد قضاء فترة داخل المناطق الأكثر حاجة.
وأشار المسؤول إلى وجود عجز لا يمكن إنكاره في المركز الذي يشرف على إدارته، موضحاً أنه على سبيل المثال في حال وجود 1300 مسجد، قد يقتصر عدد الأئمة والخطباء المتاحين داخل المركز على نحو 300 فحسب، ولتغطية هذا العجز يُستعان بخطباء مكافأة من فئات مختلفة، منهم خريجو الأزهر وآخرون من الوعظ، وبعضهم ممن أحيلوا إلى المعاش من الأزهر أو الأوقاف.
الحلول المتاحة
وأكد وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري في اجتماع لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب أثناء انعقاده خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن الوزارة تواجه تحدياً في سد العجز بين الأئمة وعمال المساجد بسبب محدودية الإمكانات المالية والعددية المتاحة، معتبراً أن الدعم لهم من أولويات الوزارة. وأوضح أن حركة التنقلات السنوية للأئمة بين المحافظات لتلبية حاجاتهم تخلق فراغاً داخل بعض المناطق، مؤكداً حرصه على إيجاد حلول عملية لضمان تغطية كل المساجد دون الإخلال بحقوق الأئمة والعمال.
وأضاف وزير الأوقاف أنه "مغلول اليد، وإذا كان بالإمكان القيام بأكثر من ذلك لفعل دون تأخير"، مؤكداً أن الموارد الذاتية لا تكفي لتغطية كل مساجد الجمهورية البالغ عددها 160 ألف مسجد. وأشار إلى وجود أئمة وعمال وخطباء مكافأة ومتطوعين، وأنه لا يرضى أن يحصل خطباء المكافأة على مبالغ غير مناسبة، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بتقصير من المالية أو التخطيط أو الأوقاف، وأن الوزارة تسعى جاهدة لإيجاد حلول لكل ملف على حدة، ومستعد للاستماع إلى أية اقتراحات من النواب ومناقشتها لتنفيذ أي حل عملي يُعالج المشكلة.
يقول مسؤول بإحدى إدارات الأوقاف إنهم يلجأون أحياناً إلى الخطباء المتطوعين الذين لا يتقاضون أجراً ويكونون من خريجي الأزهر، ويؤدون هذه المهام حتى يتمكنوا من الحصول على تصريح بالصعود إلى المنبر، ويجرى فتح ملفات لهم وعرضها على الأمن للتأكد من عدم انتمائهم لأية جماعات. وأضاف أن استراتيجيتهم لسد العجز في القرى التي تحوي مثلاً خمسة مساجد إغلاق أربعة، مع تفعيل أكبر مسجد يعرف بالمسجد الجامع، وهو الحل الأمثل حين لا يتوافر عدد كاف من الأئمة لكل مسجد، خصوصاً أن كل عائلة تبني مسجداً لها.
وخلال سبتمبر (أيلول) 2025 أعلنت وزارة الأوقاف أنها تعمل مع الجهات المعنية على دراسة توسيع الاستعانة بأساتذة الجامعات، ومعلمي المعاهد الأزهرية والمتقاعدين من موظفيها، إضافة إلى طلاب الأعوام النهائية المتميزين في كليات جامعة الأزهر. ويهدف المشروع إلى دعم الأئمة داخل المناطق التي تشهد نقصاً، بعد إخضاع المشاركين لاختبارات وتدريبات تضمن كفاءتهم العلمية والفكرية.
لا ينفي متحدث الأوقاف العجز في العمالة، إذ شرح الأزمة بصورة مفصلة "كل مسجد يحتاج إلى اثنين من مقيمي الشعائر، إضافة إلى عمال يتناسبون مع مساحته، وإذا توافرت مكتبة تظهر الحاجة إلى أمين مكتبة وعامل، ومتطلبات إدارات مختلفة". هذا الواقع الذي تدخلت فيه عوامل متعددة بحسب متحدث الأوقاف دفع الوزارة للجوء إلى حلول غير تقليدية، من بينها التوسع في الاستعانة بخطباء بنظام المكافأة. وأوضح أن صلاة الجمعة تقام داخل نحو 100 ألف مسجد فحسب، لا في جميع المساجد، وهو ما يخفف نسبياً حجم الأزمة.
وأوضح رسلان أن الرئيس عبدالفتاح السيسي وافق قبل نحو أربعة أعوام على توفير 3 آلاف درجة وظيفية للأئمة، مؤكداً أن الوزارة تجري اختبارات دقيقة للمتقدمين تشمل الجوانب الفكرية والصحية، إلى جانب فترات تأهيل مطولة "قد نفحص 5 آلاف متقدم، ولا يستمر سوى 500 أو 600 منهم، مع العمل بنظام دورات متتالية للاستفادة من الدرجات المتاحة".
وتسير الوزارة، بحسب متحدثها، في مسارات بديلة لسد العجز مثل الاستعانة بأساتذة جامعة الأزهر لإلقاء الخطب أو الدروس الدينية. وجميع المساجد تخضع لإشراف الوزارة من الناحية الدعوية، بينما لا تخضع جميعها للإشراف المالي والإداري، إذ تتبع بعض المساجد جمعيات أهلية. وأضاف "أي بلاغ عن خطاب متطرف يقابله تحرك فوري من لجان الحوكمة والتفتيش للتحقق".
من يساعد الإمام؟
يعود الشيخ محمد ويقول إن أطول مدة غاب فيها من مسجده كانت لنحو ستة أشهر بسبب خضوعه لعمليتي قسطرة وتركيب دعامات بالقلب، مؤكداً أن أستاذاً بجامعة الأزهر تولى الخطابة تطوعاً نيابة عنه دون مقابل. وعن أسباب عدم الاستعانة بخطباء المكافأة، يوضح أن المركز التابع له يضم ما لا يقل عن ألفي مسجد، بينما لا يتجاوز عدد الأئمة 160 إماماً، أما البقية فيحملون تصاريح خطابة من أساتذة جامعات أو خريجي الأزهر، ويقتصر دورهم على خطبة الجمعة فحسب. ويضيف أن بعض القرى باتت تقيم صلاة الجمعة داخل مسجد واحد بدلاً من مسجدين أو ثلاثة بسبب نقص الخطباء.
يستعيد إمام المسجد محاولات التيارات المتشددة السيطرة على المساجد عقب أحداث ثورة يناير، قائلاً "في إحدى المرات امتلأ المسجد عن آخره، ووجدت أعداداً كبيرة من المصلين. وبعد الصلاة التفوا حولي وبدؤوا بطرح أسئلة كثيرة في محاولة لإظهار أنني لا أملك علماً دينياً كافياً، لتعجيز الإمام أمام الناس"، مضيفاً "لكنني في هذا المسجد منذ عام 1994، ولم تنجح تلك المحاولات".
ويختتم الشيخ محمد حديثه بحسرة "أكثر ما يُحزنني تلقي اتصالات الخميس أو صباح الجمعة من قرى مجاورة يطلبون إماماً لسد العجز. أحياناً تكون أربعة مساجد في حاجة إلى أئمة خلال الوقت نفسه، فأظل أبحث عن أساتذة ذوي خبرة يقبلون التطوع لهذه المهمة".