ملخص
في بلد أرهقته الاستقطابات، تبدو الكرة قادرة على إنتاج سردية مشتركة، تتقدم فيها الراية الرياضية على الضجيج السياسي، وتخلق مساحة وجدانية يتقاطع عندها المختلفون.
يخوض المنتخب السوداني "صقور الجديان"، أحد أعرق المنتخبات في القارة الأفريقية، غمار بطولة كأس الأمم الأفريقية، وهو يحمل على كتفيه أكثر من مجرد طموح رياضي. يدخل البطولة بينما تتواصل في بلاده حرب مدمرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، حرب أعادت تعريف الزمن اليومي للسودانيين، وخلفت، بحسب تقديرات غير رسمية، نحو 150 ألف قتيل، وشردت ما يقارب 14 مليون إنسان، وصنفتها الأمم المتحدة بوصفها الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب انتهاكات جسيمة. في هذا المشهد الثقيل، تصبح كرة القدم نافذة نادرة للضوء، ومساحة رمزية لاستعادة الإحساس بالوطن.
منذ أبريل (نيسان) 2023، يعيش السودان على إيقاع صراع مفتوح غير الجغرافيا الاجتماعية للبلاد، وأغلق الملاعب، وعلق الدوري المحلي لثلاثة مواسم متتالية. وعلى رغم ذلك، شق المنتخب طريقه إلى النهائيات بقيادة المدرب الغاني الأصل كواسي أبياه، الذي نجح في إدارة فريق يلعب بلا أرض، وبلا جمهور حاضر، وبلا استقرار. خاض "صقور الجديان" جميع مباريات التصفيات خارج الديار، وتحول كل معسكر تدريبي إلى تمرين على التماسك النفسي قبل أن يكون اختباراً تكتيكياً.
في مؤتمره الصحافي عشية مواجهة الجزائر ضمن المجموعة الخامسة، بدا أبياه مدركاً لثقل اللحظة أكثر من أي مدرب آخر. تحدث عن الفرح بوصفه هدفاً بحد ذاته، وعن البطولة باعتبارها رسالة إلى الداخل السوداني قبل أن تكون منافسة قارية. قال إنه، حتى أثناء وضع الخطط الفنية، تصل إليهم أحياناً أخبار فقدان أحد اللاعبين لعزيز بسبب الحرب، ومع ذلك يتحلى الفريق بالصبر، ويواصل العمل، لأن الغاية الأسمى هي أن يشعر كل سوداني بشيء من الفخر.
خارج المنتخب، تحاول كرة القدم السودانية أن تلتقط أنفاسها بوسائل استثنائية. أندية الهلال والمريخ والأهلي وود مدني حصلت على الإذن الرسمي من الاتحاد الرواندي لكرة القدم للمشاركة في الدوري الرواندي الممتاز لموسم (2025- 2026)، في تجربة تعكس إصرار اللعبة على البقاء على رغم انكسار البنية المحلية. أما داخل المعسكر، فيختصر قائد المنتخب بخيت خميس المشهد بكلمات صادقة "الوضع في السودان كارثي، لكن التأهل بحد ذاته انتصار معنوي، وحضور السودان في هذه البطولة فعل حياة في زمن الحرب".
سياق استثنائي
دخل المنتخب السوداني كأس أمم أفريقيا في المغرب، وهو محمل بسياق استثنائي جعل مسيرته في البطولة أقرب إلى رحلة متعددة المراحل، لا تقاس فقط بالنتائج، بل بالقدرة على الصمود وإعادة تعريف معنى المشاركة. البداية جاءت قاسية ومنطقية في آن، عندما افتتح "صقور الجديان" مشواره بالخسارة أمام الجزائر بثلاثية نظيفة، في مباراة كشفت عن الفجوة الفنية مع منتخب أنهى الدور الأول بالعلامة الكاملة، لكنها وضعت السودان مبكراً أمام اختبار ذهني حاد، إما الانكسار السريع، أو إعادة ضبط المسار. المرحلة الثانية حملت التحول الأهم، حين واجه السودان غينيا الاستوائية في الجولة الثانية، في مباراة اتسمت بالحذر والتوتر، وانتهت بفوز سوداني ثمين بهدف جاء بنيران صديقة في الدقيقة 74. لم يكن الهدف جميلاً من الناحية الفنية، لكنه كان بالغ الرمزية، أول فوز للسودان في أمم أفريقيا منذ أكثر من عقد، وثلاث نقاط أعادت الفريق لقلب الحسابات ورفعت منسوب الأمل لدى جماهير تتابع من المنافي ومخيمات النزوح. مع هذا الفوز، دخل المنتخب مرحلة ثالثة عنوانها الانتظار الحذر، إذ ضمن حسابياً التأهل إلى ثمن النهائي ضمن أفضل المنتخبات التي حلت ثالثة، مستفيداً من نتائج المجموعتين الأولى والثانية، قبل أن يخوض مباراته الأخيرة أمام بوركينا فاسو.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تلك المواجهة، التي أقيمت في مجمع "محمد الخامس" الرياضي التاريخي، جاءت بعد ضمان التأهل، لكنها كشفت عن حدود الطاقة المتاحة، خسر السودان بهدفين في الدقيقتين 16 و85، وأهدر ركلة جزاء كان يمكن أن تغير إيقاع المباراة، لينهي دور المجموعات ثالثاً بثلاث نقاط، خلف الجزائر وبوركينا فاسو، ومتقدماً على غينيا الاستوائية. بهذه الخسارة، دخل السودان المرحلة الرابعة، مرحلة التأهل المثقل بالواقع، إذ يدرك الفريق أنه سيصطدم في ثمن النهائي بمنتخب من العيار الثقيل، سواء كان السنغال بطلة 2022 أو متصدر مجموعة تضم الكاميرون وساحل العاج. ومع ذلك، فإن هذه المسيرة، لا تقرأ فقط كترتيب ونتائج، بل كسردية منتخب يلعب بلا دوري محلي، وبلا أرض، وتحت ظل حرب، ويصل على رغم ذلك إلى الأدوار النهائية، محافظاً على حضوره كرمز رياضي وإنساني في بطولة لا تعترف عادة إلا بلغة القوة.
مسار متعرج
يعرف المنتخب السوداني لكرة القدم بلقب "صقور الجديان"، وهو توصيف ذو دلالة سيادية وثقافية عميقة، إذ يستمد اسمه من طائر السكرتير (صقر الجديان)، الرمز الوطني الرسمي للدولة السودانية والمجسد في شعارها. ويعد هذا الطائر رمزاً للقوة المتزنة واليقظة والقدرة على الصمود في البيئات القاسية، وهي صفات رسخت مكانته في المخيلة الجمعية السودانية. انتقال هذه الرمزية إلى المنتخب الوطني لم يكن محض استعارة رياضية، بل تعبيراً عن هوية فريق تشكل في سياقات معقدة، وواصل حضوره القاري على رغم محدودية الموارد وتقلب الظروف، ويعد السودان أحد مؤسسي كرة القدم الأفريقية ورموز بداياتها الأولى. شارك في النسخة الافتتاحية لكأس أمم أفريقيا عام 1957 على أرضه، ثم عاد ليحل وصيفاً في نسختي 1959 و1963، قبل أن يبلغ ذروة مجده عام 1970 حين توج باللقب القاري على أرض الخرطوم، في لحظة جسدت تلاقي الرياضة مع شعور وطني جامع في حقبة كانت فيها الدولة تبحث عن موقعها في الإقليم.
منذ ذلك الوقت، دخل المنتخب في مسار متعرج، تخللته مشاركات متباعدة، وانتصارات محدودة، وخيبات متكررة، لم تكن كلها فنية بحتة. كرة القدم السودانية ظلت، لعقود، مرآة للواقع السياسي المتقلب، ما بين انقلابات وفترات حكم عسكري، وأزمات اقتصادية، وصراعات داخلية تركت آثارها المباشرة في البنية الرياضية. غابت الاستمرارية، وتآكلت منظومات التطوير، وأصبحت الاستقطابات الإدارية والرياضية انعكاساً لاستقطابات أوسع داخل المجتمع والدولة، مما أثر في استقرار المنتخبات الوطنية.
على رغم ذلك، حافظ السودان على حضوره القاري، وبلغ عدد مشاركاته في كأس أمم أفريقيا 10 مشاركات، غالباً بصفته منتخباً يراهن على الروح أكثر من الرهان على الجاهزية المثالية. في فترات معينة، شكلت أندية الهلال والمريخ العمود الفقري للمنتخب، وقدمت أجيالاً قادرة على المنافسة، لكن الصدام الدائم بين الطموح الرياضي والواقع السياسي ظل يقيد هذا الزخم. قرارات إدارية متقلبة، وتدخلات غير رياضية، وتفاوت في الدعم، كلها عوامل أضعفت قدرة المنتخب على البناء طويل الأمد.
اليوم، يصل السودان إلى البطولة القارية فيما كرة القدم المحلية متوقفة بالكامل بفعل الحرب، وهو واقع غير مسبوق حتى في تاريخه المثقل بالأزمات. اضطر الهلال والمريخ إلى خوض تجارب في الدوريين الموريتاني ثم الرواندي، في محاولة للحفاظ على نبض المنافسة، بينما يتحول المنتخب إلى مساحة جامعة أخيرة لتمثيل البلاد.
أدوات محدودة
دخل المنتخب السوداني هذه البطولة لا ليخاطب العالم بلغة الأرقام وحدها، بل برسالة أعمق تتشكل من سياق حضوره نفسه. الرسالة الأولى واضحة، أن بلداً تمزقه الحرب، وتتوقف فيه المسابقات المحلية، لا يزال قادراً على الظهور والتنظيم والمنافسة، ولو بحدوده الدنيا. الهدف الذي سجله مدافع غينيا الاستوائية بالخطأ في مرماه في الدقيقة 74 لم يكن مجرد تفصيل عابر في دور المجموعات، بل تحول إلى لحظة رمزية أعادت "صقور الجديان" لسجل الانتصارات القارية بعد غياب طويل، وفتحت نافذة معنوية في جدار الإحباط.
اللاعب السوداني السابق إبراهيم الحاج، تابع البطولة من الخارج، يرى أن "هذا الفوز لم يغير ترتيب المجموعة فقط، بل غير نظرة اللاعبين لأنفسهم. شعرت أنهم تذكروا فجأة أنهم منتخب له تاريخ، وليس مجرد فريق جاء ليكمل العدد". في المقابل، يقرأ الخسارة الافتتاحية أمام الجزائر (3- 0) بوصفها درساً واقعياً "كشفت عن الفوارق البدنية والجاهزية، لكنها لم تكشف عن ضعف في الشخصية، وهذه نقطة جوهرية".
وأضاف الحاج "من زاوية فنية أوسع، منتخب السودان يلعب بأدوات محدودة في بطولة عالية الإيقاع، ومع ذلك أظهر انضباطاً تكتيكياً واضحاً أمام غينيا الاستوائية، وقدرة على إدارة لحظة حاسمة على رغم الضغط". وبرأيه، هناك لمحات إيجابية بارزة، تتمثل في التنظيم الدفاعي، والالتزام الجماعي، والقدرة على تحويل مباراة واحدة إلى نقطة ارتكاز نفسية. أما عن أوجه القصور فذكر محدودية الحلول الهجومية، وضعف العمق البدني، وتأثر اللاعبين بغياب المنافسة المحلية المنتظمة.
لكن ما بين النقد والتثمين، تتبلور الرسالة الأهم التي يبعثها المنتخب السوداني، وهي أن المشاركة هنا ليست بحثاً عن لقب، بل فعل حضور رمزي في زمن الانكسار. ووصف كثيرون تحول كرة القدم، في هذا الحدث، إلى "خطاب معنوي غير مباشر، يقول للعالم إن السودان لا يزال موجوداً، وإن هويته الوطنية، على رغم التعب، تجد في المنتخب مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات". وذلك مع ملاحظات "داخل المعسكر، حين ارتفع سقف الطموح بعد الفوز، وتحول الحذر إلى تفاؤل مشروط، وضغط إيجابي قبل مواجهة بوركينا فاسو. وفي المدرجات وخارجها، بدا واضحاً أن صقور الجديان لا يلعبون فقط من أجل التأهل، بل من أجل استعادة شعور بسيط ومكلف في آن، وهي أن الفرح لا يزال ممكناً، ولو لدقائق، في بلد أنهكته الحرب".
تحول مشروط
عند هذه العتبة الزمنية، إذ تتجاور صافرة الحكم مع صدى المدافع البعيدة، تبدو كرة القدم السودانية وكأنها تقف على مفترق مصائر لا يشبه أي منعطف سابق في تاريخها. ما أنجزه المنتخب في هذه البطولة لا يختزل في نقاط أو ترتيب، بل يتكثف بوصفه بذرة قابلة للتحول، إذا ما وجدت التربة والوقت والرؤية. فالحضور القاري في قلب العاصفة أعاد تعريف معنى الاستمرارية، وفتح سؤال المستقبل على احتمالات أوسع من حسابات الفوز والخسارة.
في الأفق القريب، تبدو كرة القدم السودانية مرشحة للدخول بمرحلة إعادة تشكل، تقودها فكرة "النجاة الرياضية" أولاً، ثم البناء المتدرج. تجربة اللعب خارج الحدود، سواء للأندية أم المنتخب، ستترك أثرها في الوعي التكتيكي والانضباط الاحترافي، وتعيد صياغة علاقة اللاعب السوداني بالمنافسة الحديثة. هذا الاحتكاك القسري قد يتحول، مع الوقت، إلى رافعة معرفية تعيد ضبط المعايير الفنية، وتكسر العزلة التي فرضتها السنوات الثقيلة.
على المدى الأبعد، تحمل هذه المشاركة إمكانية أن تصبح كرة القدم إحدى أدوات التماسك الوطني. المنتخب، بما راكمه من تعاطف رمزي، قادر على التحول إلى منصة جامعة، تستعيد الثقة بين الجمهور واللعبة، وتمنح الأجيال الشابة نموذجاً مختلفاً للانتماء. في بلد أرهقته الاستقطابات، تبدو الكرة قادرة على إنتاج سردية مشتركة، تتقدم فيها الراية الرياضية على الضجيج السياسي، وتخلق مساحة وجدانية يتقاطع عندها المختلفون.
غير أن هذا المستقبل يظل مشروطاً بتحولات أعمق، استئناف البطولة المحلية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحويل الخبرة القارية إلى مشروع مؤسسي، تشكل مفاتيح المرحلة المقبلة. هنا، يصبح التحدي في الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الطويل النفس. ما يحدث اليوم يرسل إشارة واضحة بأن السودان يملك مادة بشرية، وذاكرة كروية، وقدرة على التكيف. ومع ذلك، لا تبدو كرة القدم السودانية مرشحة لمعجزة سريعة، لكنها تقف على عتبة مسار قابل للنمو.