Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيرة آل تولستوي من العظمة إلى اللعنة

آخر أبناء السلالة يروي حكايات العائلة وأعلامها من الجدود إلى أحفاد الأحفاد مروراً بليون الكبير والكسي صاحب رواية "بطرس الأكبر"

ليو تولستوي مع عائلته: مجد السلالة (موسوعة الأدب الروسي)

ملخص

"كتاب آل تولستوي، سيرة عائلة روسية (1353 – 1983)"، الذي وضعه أحد أبناء الأسرة هو ألبكسي تولستوي، هو تاريخ لتلك الأسرة التي نعرف أنها من النبلاء الروس أنجبت للوطن الروسي على مدى تاريخها مجموعة مدهشة من كبار القوم والمغامرين وغريبي الأطوار إلى جانب أديب عبقري كبير لا يجود الدهر بمثله إلا نادراً

إذا استخدمنا التسميات الروسية المألوفة مثل ليون نيقولايفتش والكسي نيقولايفتش ونيقولاي إيفانوفتش، سيخيل إلينا أن ليس ثمة بين هؤلاء الكتاب الثلاثة أي قاسم مشترك سوى كونهم قد امتهنوا حرفة الأدب ولو بتفاوت في الموهبة والمكانة التاريخية بل الحضور الزمني. فالأول عاش أواخر القرن الـ19 والثاني في القرن التالي له، أما الثالث فولد وعاش خلال النصف الثاني من القرن الـ20.

غير أن ثمة في الحقيقة قاسماً مشتركاً آخر بين الثلاثة سيبدو في كل المنظورات أكثر أهمية بكثير ويقرب بينهم أكثر كثيراً مما تفعل تلك المهنة التي خاضوا غمارها. فرسمياً ينتمي الثلاثة إلى السلالة العائلية نفسها: آل تولستوي. الأول الذي ذكرناه هو بالطبع تولستوي الكبير صاحب "الحرب والسلم" و"آنا كارينينا" بين روائعه الأدبية، والثاني ألكسي تولستوي الذي ارتبط بستالين ارتباطاً وثيقاً وأبدع روايات يقيناً أنها لم تصل في قوتها إلى ما وصل إليه سلفه الكبير. أما الثالث فهو نيقولاي تولستوي الذي، عند نهاية القرن الـ20، إذ تيقن أخيراً أن ليس لديه من الموهبة ما يمكنه من مضاهاة السلفين المذكورين، اكتفى بالتأريخ للعائلة التي أنجبتهم معاً على مدى أكثر من نصف ألفية من السنين، جاعلاً من نفسه آخر السلالة على أية حال.

أصول جرمانية

وكان ذلك في كتاب صدر أولاً بالإنجليزية في أميركا حيث يعيش الرجل، ليترجم بعد ذلك إلى لغات عديدة منها الفرنسية بالطبع ولكن الروسية أيضاً. ولئن أتت هذه الترجمة الأخيرة من نوع تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن القراء الروس يعرفون الكثير عما جاء في الكتاب، فإن الترجمة الفرنسية جاءت مفاجئة إذ عرفت القراء الفرنسيين إلى مئات السنين من حياة النبالة الروسية لا سيما إن اقترنت هذه النبالة بتاريخ من اللعنات والعظمة والشقاء، بحيث أدرك القراء هنا أن تولستوي الكبير، الذي قد لا يحتاج إلى من يعرف به، لم ينبت وأدبه من عشب بري بل من تاريخ طويل أقل ما يقال عنه إنه يبرر المكانة التي عرف الكاتب الكبير كيف يحتلها في تاريخ الأدب الروسي والعالمي، ولكن خاصة في تاريخ بلاده وسيرة عائلته.

وقبل أن نتوقف عند أبرز ما في هذا الكتاب، قد يكون من المهم أن نعرف بمؤلفه الذي وهو يكتبه كان يعرف أنه يكتب عن خلفيات سيرته الذاتية بأكثر مما يكتب عن أي شيء آخر. فهو بدوره يعرف بالكونت تولستوي، نيقولاي هذه المرة، ولد عام 1935 خارج روسيا كما حال معظم أبناء الأجيال الأخيرة من آل تولستوي، ابناً لتلك العائلة التي سيخبرنا في كتابه أنها من أصول جرمانية كان أول من قدم بها إلى بلاد الموسكوب سيد من كبار القوم يدعى أندريس. وكان ذلك في عام 1353. أما صاحبنا مؤلف الكتاب فلقد سبق أن عرف بمؤلف تاريخي ضخم تابع فيه "بكل شجاعة" كما يقول المعلقون، قضية الأسرى السوفيات الذين استعادهم ستالين من الغزاة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية.

سيرة عائلة ما...

أما الكتاب الذي نتناوله هنا وعنوانه الكامل "آل تولستوي، سيرة عائلة روسية (1353 – 1983)"، فتاريخ لتلك الأسرة التي نعرف على أية حال، كما يعرف هو، أنها أسرة من النبلاء الروس أنجبت للوطن الروسي على مدى تاريخها مجموعة مدهشة من كبار القوم والمغامرين وغريبي الأطوار إلى جانب أديب عبقري كبير لا يجود الدهر بمثله إلا نادراً.

صحيح أن للأسرة تاريخاً يفوق التصور ويتجاوز مكانة هذا المؤرخ البسيط، إنما الفخور بعائلته، لكنه مع ذلك لا يتورع عن استخدام كلمة "نحن" و"أسرتي" و"أجدادي" حينما يبدو له الأمر مفيداً، لا سيما لدى غوصه في القرنين الـ14، أو الـ17 اللذين وصلت فيهما مكانة آل تولستوي إلى أوجها.

ولكن قد يكون من الضروري أن نلفت إلى أنه إذا كان الكونت المؤلف قد استند إلى أوراق عائلية بالغة التفاصيل والأهمية، فإن مرجعه الأساس في عمله يبقى المؤلف الأميركي مارك راف الذي كان أول من اشتغل على تاريخ تلك السلالة الروسية النبيلة.

ومن هنا ينقل تولستوي عن معلمه الأميركي تأكيده بأنه لئن كان تاريخ تلك السلالة استثنائياً وغريباً في مصائره، فإن مسيرته لم تخلُ من لعنة لا تني تعود في كل مرة لتضرب السلالة. ولقد وصلت تلك اللعنة إلى ذروتها، على سبيل المثال، في عام 1718، حين دبر عميد الأسرة حينها بيار تولستوي مؤامرة أمره بتنظيمها بطرس الأول، هدفها اغتيال الأمير الكسيس وما كان من هذا إلا أن دعا على تولستوي، حين فهم ما حدث، بأن تحل به وبسلالته لعنة تسحقهم حتى الجيل الـ25. ونعرف أن بيار هذا قد وجد في قلم الكسي تولستوي، أحد كتاب ستالين وخلانه المفضلين، من يتحدث عنه بأفضل ما يكون.

"تولستوي أميركي"

لكن حكاية بيار تولستوي صاحب اللعنة، ليست أغرب ما في الكتاب. فهذا الأخير يحفل بعشرات البورتريهات المتنوعة التي تصور أنماطاً عجيبة وعظيمة وبائسة من التولستويين. ومن بينهم، ودائماً على سبيل المثال لا الحصر، ذاك الملقب بتولستوي الأميركي الذي يروي لنا الكتاب كيف أنه قصد ذات حين ملكاً في جزر المركيز يدعى نوكو هيفا، كان من خصائصه أنه يرغم ضيوفه على أن ترسم الأوشام على أجسادهم. وهكذا عاد تولستوي إلى بلاده بجسم مليء بالرسوم. ولكنه اكتسب إلى ذلك سمعة نابعة من كونه أمهر غشاش في لعب الورق في روسيا كلها وبكونه خبيراً في الطبخ إلى درجة أن بوشكين كتب عنه، دون أن يذكر اسمه بوضوح، قصيدة فكهة ناهيك بأن الهزلي الشهير في زمنه غريبويدوف قلد شخصيته مراراً وتكراراً.

غير أن رنة المزاح والمرح التي يحفل بها كتاب "آل تولستوي" لدى الحديث عن مثل هذه الشخصية، سرعان ما تتوارى حين يصل المؤلف الكونت تولستوي إلى الشاعر الكسي كونستانتينوفيتش تولستوي وابن عمه الكبير ليون نيقولاييفيتش. فهنا حتى وإن كانت صورة هذين المبدعين الكبيرين تظهرهما على خلاف ما هو معروف عنهما، فإن أقصى درجات التبجيل والاحترام تظل حاضرة.

ومع ذلك لم يخلُ الأمر حين صدر الكتاب في أميركا أولاً، من سجالات حادة قامت بين مؤلف الكتاب من ناحية وأفراد من آل تولستوي متحدرين مباشرة من ليون الكبير من ناحية ثانية، اتهم فيها هؤلاء ذاك بأنه تعمد التقليل من مكانة جدهم وأهميته. والحقيقة أن كثراً من المعلقين وجدوا التهمة ظالمة. ومهما يكن، نعرف على أية حال أن صاحب "آنا كارنينا" كان من ناحيته غريب الأطوار رغم عبقريته وكان أرستقراطياً في أعماقه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اعتراف غريب

ومن هنا من المؤكد أن صاحب كتاب "آل تولستوي" لم يتعمد الإساءة إلى ليون تولستوي، إذ قدمه بهذه المواصفات. ففي نهاية الأمر لم يكن الكاتب الكبير يخفي تناقضاته وتحديداً مكانته كأرستقراطي وهذا كان واحداً من مآخذ زميله دوستويفسكي عليه في الصفحات الأخيرة من رواية "المراهق".

بالتالي فإن الروائي الكبير ما كان من شأنه أن يجد بأساً في أن يصفه كتاب صدر أواخر القرن الـ20 وصفاً كان هو قد وصف نفسه به، ولو مواربة على هامش حديث له عن روايته "الحرب والسلم" حيث يقول: " إنني أرى نفسي أرستقراطياً لمجرد أنني لا أؤمن بوجود أعلى درجات الذكاء، ولا أؤمن بالذوق الرفيع أو بالنزاهة المطلقة لدى رجل يزين أصابعه ولا يتوقف ليلاً نهاراً عن الزعم بأنه يتحدث إلى الذات الإلهية...".

وفي نهاية المطاف، لعل من الأهمية القصوى التي يتسم بها كتاب "آل تولستوي" هذا، كونه، وبحسب ما يذكرنا الباحث الفرنسي جورج نيفا، المعتبر واحداً من كبار المتخصصين الفرنسيين في الحياة الإبداعية والاجتماعية الروسية، كونه يذكرنا بأن روسيا كما نعرفها، لم تصنع فقط على أيدى الطغاة وبفعل الثورات والاغتيالات والمحاكمات والغولاغ، بل كذلك وبخاصة على يد طبقات النبلاء والأرستقراطيين والمبدعين الكبار من كل الفئات ولكن بخاصة من تلك الفئة التي تنتمي سلالة تولستوي لها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة