ملخص
استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً إعلامياً ضم عدداً من الإعلاميين العرب، في حين لم يكن هناك حضور مصري أو قطري ضمن الوفد، في وقت غير إعلاميون التقاهم الشرع موقفهم منه، بل إن بعضهم كان له دور في تصوير الشرع بصورة نمطية راديكالية، وخرج من قصر الشعب مثنياً على الرئيس.
على قمة جبل قاسيون في قصر الشعب المطل على العاصمة السورية دمشق، استقبل الزعيم الجديد للبلاد أحمد الشرع، وفداً إعلامياً من عدد من الدول العربية، بينهم وزراء إعلام سابقون، ورؤساء تحرير صحف ومجلات. وليس غريباً أن يفتح الشرع أبوابه لجزء من نخبة الصحافة العربية، بيد أن الغريب أن هناك من خرج من القصر وهو يوزع رسائل ثناء على الرئيس السوري الذي قابله للتو، وبالأمس القريب، ربما الصحيفة نفسها، أو الصحافي نفسه، كان يرى في الشرع "إرهابياً"، فهل لدى الرئيس السوري سحر يمنحه من يلتقي به؟ أم قدرة على التعبير تقنع الطرف المقابل، حتى وإن كان صحافياً فذاً؟ أم أن معرفة الرئيس ورؤيته عن قرب تجعل الصورة تتضح أكثر وتتسبب في تغيير وجهات النظر والقناعات التي قد تكون في بعض الأحيان مبنية على ما يسمع لا ما يرى؟!
مواقف تغيرت... لماذا؟
الباحث في الشأن السوري محمد السكري قال إن "تغيير بعض المواقف من الرئيس أحمد الشرع له سببان، السبب الأول تقني، والثاني سياسي، يتمثلان في وجود حدود واصطفافات سياسية سابقة تجاه الملف السوري، لا تساعد على تبديل الصورة النمطية التقليدية ولا سيما في ظل عدم وجود اتصال مباشر بين الشرع وهذه الشخصيات أو المؤسسات، إذ كانت الفكرة السائدة السابقة عن الرئيس الشرع أنه شخصية مرتبطة بتنظيمات راديكالية، لكن هناك تغييراً حقيقياً بدأ يظهر في فكر وقناعة الشرع نفسه، وهذا التغيير ليس بالجديد، بل بدأ منذ عام 2017، وتبلور أكثر بعد عام 2019، أما بعد 2022 فقد أصبح واضحاً لكل من يهتم بالشأن السوري أن فكر الشرع تغير بالفعل"، وأضاف السكري "كانت المعلومات تصل لجزء من النخب الإعلامية العربية من طريق المصادر العامة التي تتسم بطابع سياسي وخلفيات أيديولوجية، فلم تكن هناك رغبة في تغيير القناعة حوله لأسباب سياسية، لكن هذا تغير كلياً بعد نهاية عام 2024" في ظل تحولات كبيرة قامت بها "هيئة تحرير الشام" اكتملت بعد سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد.
سردية جديدة
وأوضح الباحث السوري أنه "بعد انتصار الثورة السورية انفتح المجتمع الدولي على الشرع، وانفتح عليه أيضاً المجتمع العربي، وتلقى دعماً سياسياً إقليمياً وعربياً وأوروبياً وحتى أميركياً، ومن قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً، لذلك كل هذه الأمور، إضافة إلى اللقاء المباشر بين الشرع وعدد من إعلاميي الصفوف الأولى، وانفتاح سوريا على الإعلام العالمي والعربي، إلى جانب دور وزارة الإعلام المحوري في صناعة السردية الوطنية الجديدة حول سوريا ونجاعة هذه السياسات، أسهمت، بصورة أو بأخرى، بتغيير الصورة النمطية عن الرئيس السوري، وإعادة تصويره من وجهة نظر جديدة تتواءم مع سردية الإقليم ومصفوفة المصالح التي تتغير باستمرار في كل مرحلة".
الوفد الصحافي الذي استقبله الرئيس السوري في دمشق لا يضم صحافيين من مصر أو من قطر، ولدى الاستفسار عن السبب أجاب مصدر من الرئاسة السورية في تصريحات لـ"اندبندنت عربية" بالقول إن "أعضاء الوفد الذي زار دمشق هم من قدموا طلباً للقاء الرئيس وتمت الموافقة على طلبهم، ولم تكن فكرة اللقاء من خلال رئاسة الجمهورية، ولم تحدد الرئاسة أسماء الحضور، بل وافقت على الأسماء التي تقدمت بالطلب"، وهذا يعني أن غياب شخصيات إعلامية من دول عربية معينة ليس له أي أسباب سياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الكاريزما أم المنطق؟
الصحافي السوري محمد عمار شخاشيرو قال إن "لقاء الرئيس الشرع بعدد من أبرز الإعلاميين العرب، له دلالات سياسية وإعلامية مهمة، من ناحية فإن الفريق الذي اجتمع بالشرع يضم عدداً من مديري المؤسسات البارزة، وكذلك يضم وزراء إعلام سابقين، ومن ناحية أخرى تسبب هذا اللقاء في تصدير الصورة الحقيقية للشرع بشكل خاص ولسوريا بصورة عامة بعد التغيير التاريخي الذي شهدته البلاد، وكما رأينا لاقى هذا اللقاء اهتماماً ملحوظاً على الصعيدين المحلي والعربي"، ورأى شخاشيرو أن "بعض الشخصيات، بالفعل، غيرت موقفها من الرئيس الشرع بعد اللقاء، السبب الأساس وراء هذا التغيير هو الاستماع المباشر للشرع من دون اللجوء إلى مصادر أخرى للحصول على معلومات، ولا أرى أن هناك براغماتية في القضية، بطبيعة الحال يمكن لأي إنسان أن يغير موقفه من أي قضية إذا كان هناك ما يقنع، وأعتقد أن الشرع يتمتع بكاريزما قوية تمكنه من توضيح وجهة نظره بصورة دقيقة".
هدفان للقاء
أضاف الصحافي السوري أن "أهداف اللقاء تتمثل في جانبين، الجانب الأول، هو تصدير الصورة الحقيقية لسوريا لعدد من أهم وسائل الإعلام العربية البارزة والمؤثرة، والهدف الثاني تعزيز التعاون الإعلامي العربي، وتبادل الخبرات بين المؤسسات الصحافية العربية ونظيراتها السورية، خصوصاً أن دمشق تتهيأ قريباً لإنشاء مدينة إعلامية ضخمة، من المخطط لها أن تكون واحدة من أهم المدن الإعلامية عربياً"، وتابع شخاشيرو "الرئيس الشرع يرى أن الإعلام ليس مجرد أداة لنقل الخبر، بل هو شريك استراتيجي في صياغة الرأي العام، وفي دعم المواقف العربية الموحدة تجاه القضايا التي تهم العالم العربي، ولا يخفى على أحد أن سوريا عادت بالفعل إلى عمقها العربي بعدما كانت الميليشيات الأجنبية، وعلى رأسها الإيرانية، تعيث فساداً في البلاد، يعني باختصار أرى أن هذا الاجتماع مهم لبناء خطاب إعلامي متوازن".
إذاً، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع عدداً من الشخصيات الإعلامية العربية، بينها من تغير رأيه في الشرع قبل وبعد سقوط نظام الأسد، وبعضها من تغير رأيه بالشرع قبل وبعد اللقاء، ويرى مراقبون أن السبب الأساس للتغيير هو الاستماع إلى وجهة نظر الرئيس منه شخصياً فيما كان عدم التواصل المباشر سبباً في حمل صورة نمطية، وفي اللقاء ذاته غاب الحضور المصري والقطري، على رغم أن العلاقات الحالية بين دمشق والدوحة في أفضل أحوالها، والعلاقات بين دمشق والقاهرة ليست بالسيئة، كما سبق أن زار الرئيس السوري الدولتين خلال الأشهر الماضية، في حين تقول الرئاسة السورية إن غياب صحافيين من قطر ومصر سببه أن الوفد الذي زار دمشق هو من شكل نفسه، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل سنرى مؤسسات عربية تغير خطابها تجاه سوريا بعد الاجتماع الأخير؟ أم أن خطوط السياسة التحريرية الحمراء لكل مؤسسة لن يتم تجاوزها بسهولة؟ وعلى رغم ذلك يرى فريق آخر أن الخطاب الإعلامي المهني المتزن يغني عن تقلبات المواقف.