ملخص
منذ عقود تحولت صورة المرأة النحيلة إلى هاجس تسعى كثيرات إلى بلوغه بشتى الطرق، ولو على حساب صحتهن النفسية والجسدية. وبالنسبة إلى الفتاة تحديداً، يشكل النحول الزائد خطراً كبيراً على الهرمونات فيؤدي إلى توقف الدورة الشهرية وفقدان القدرة على الإنجاب.
في فيديو نشرته على صفحتها الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلنت الممثلة اللبنانية سينتيا صموئيل معاناتها من آثار فقدان الوزن بمعدلات زائدة، الذي أدى إلى انقطاع الدورة الشهرية لديها لمدة طويلة، نتيجة حمية صارمة خضعت لها. من خلال هذا الفيديو، أرادت الممثلة توعية الفتيات اللاتي يسعين إلى خفض أوزانهن، حول ما يمكن أن يكون لذلك من أخطار. ودعت من خلال الفيديو الفتيات ليحببن أنفسهن بغض النظر عن معايير الجمال التي يجري التسويق لها، وهي في تغيير مستمر. فوجئ كثيرون بهذا الموضوع الذي طرحته في الفيديو، خصوصاً أنه لا يكثر الحديث عنه علناً. لكن، على رغم ذلك، هو في الواقع لا يعتبر حالة طبية مستجدة، فتأثير خفض الوزن السريع والحاد في الدورة الشهرية معروف، وإن لم يجر التداول بهذا الموضوع علناً.
تسويق لصورة نمطية
منذ عقود تسعى النساء إلى الحصول على جسم مثالي بما يتناسب مع معايير الجمال السائدة والصورة النمطية لجسم المرأة، وعلى رغم أن هذه المعايير في تغيير دائم، إلا أن خفض الوزن يبقى هاجساً لدى كثيرات دوماً، خصوصاً في الفترات التي يجري التسويق فيها بصورة أساس للجسم النحيل.
في عام 1689، حدد الطبيب البريطاني ريتشارد مورتون، حالات المرض الذي يعرف حالياً باسم الـ"أنوريكسيا" أو فقدان الشهية المرضي، مع تشخيص حالة لدى رجل وأخرى لدى امرأة.
لاحقاً، ارتفعت معدلات الإصابة بالأنوريكسيا بمعدلات متفاوتة بحسب الحقبات، وزادت بصورة خاصة مع التسويق لمعايير الجمال التي تدعو إلى النحول الزائد للحصول على أجسام العارضات اللاتي يتميزن بنحول شديد. وأكثر بعد، في السنوات الأخيرة، أتت وسائل التواصل الاجتماعي لتشكل أداة إضافية للتسويق لهذه المعايير على نطاق أوسع. وعلى رغم أن النحول يمكن أن يكون بدرجات متفاوتة، قبل عقدين أو أكثر من اليوم، ارتفعت معدلات الأنوريكسيا بصورة ملاحظة عندما جرى التركيز على صورة المرأة النحيلة وعلى أجسام العارضات الشديدات النحول اللاتي كن يظهرن على أغلفة المجلات.
أما في السنوات الأخيرة، فزاد الاهتمام بخفض الوزن في إطار مختلف، مع التسويق لأهمية الحياة الصحية والأكل الصحي. إنما في كل الحالات، مع الترويج لمبدأ خفض الوزن والتشجيع على اعتماد كل الوسائل والأدوات التي تساعد في تحقيق ذلك، حتى إذا كان ذلك في إطار نمط عيش صحي، من الطبيعي أن يصبح ذلك هاجساً لكثيرات.
ويبدو واضحاً أن من هن الأكثر تأثراً بما يروج له، هن اللاتي في مرحلة عمرية مبكرة كالمراهقات والشابات اللاتي يتأثرن بصورة خاصة بما يجري التسويق له على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تكون المراهقة المرحلة الأكثر حساسية في هذا المجال، فخلالها تتزعزع الثقة بالنفس بسهولة وتكون النظرة إلى الذات أكثر هشاشة. كما قد يكون البعض أكثر عرضة للتأثر بهذه الأمور عندما يكونون أكثر هشاشة من الناحية النفسية، ويكون هناك انعدام ثقة في النظرة للذات. في مثل هذه الحالات، من الطبيعي أن تتأثر الفتاة بسهولة بما تتعرض له على وسائل التواصل الاجتماعي عندما يرتبط بصورتها أو بمظهرها الخارجي، علماً أن دولاً عدة كانت قد وضعت قوانين صارمة لمنع الوكالات من الاعتماد على عارضات شديدات النحول في الحملات الإعلانية وعلى منصات العروض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تداعيات مقلقة للنحول الزائد وخطر على الدورة الشهرية
لعل وفاة العارضة البرازيلية آنا كارولينا رستون يعد من أحدث الحوادث التي تؤكد خطورة النحول الزائد على الصحة، وكانت العارضة التي بلغ طولها 173 سنتمتراً ووزنها 40 كيلوغراماً، قد أدخلت إلى المستشفى بسبب المضاعفات المرتبطة بنحولها الزائد. لكن، على رغم خضوعها إلى العلاج المكثف، وعلى رغم كل ما تعرضت له، لم تكن تصدق أنها تعاني الأنوريكسيا أو فقدان الشهية المرضي. فمن يعاني هذا المرض يواجه خوفاً شديداً من اكتساب الوزن، وتكون له وجهة نظر خطأ حول جسمه، فيعتقد أنه مصاب بزيادة الوزن حتى إذا كان نحيفاً. وكانت قد توقفت كليتا رستون عن العمل، بعد أن تناولت خلال فترة التفاح والبندورة فقط في حمية صارمة كانت تتبعها لخفض وزنها. وأثناء عملها في مجال عرض الأزياء الذي دخلته من عمر 13 سنة، بدأت تصاب بالنحول الزائد تدريجاً حتى بلغ معدلات متقدمة.
وتكثر المضاعفات التي يمكن التعرض لها في حال اتباع حمية صارمة هدفها خفض الوزن بمعدلات كبيرة، وبالنسبة إلى الفتاة تحديداً، نجد من بين التداعيات التي لا يمكن الاستهانة بها للنحول الزائد، تلك التي تتعلق بالهرمونات والدورة الشهرية، تماماً كما حصل مع سينتيا صموئيل. فهي من المشكلات التي تعانيها كثيرات من الفتيات اللاتي يسعين إلى خفض أوزانهن، عبر اتباع حميات صارمة.
وبحسب الطبيب الاختصاصي في الجراحة النسائية والتوليد الدكتور بيار نخل "ليست مشكلة انقطاع الدورة الشهرية بسبب النحول الزائد من المسائل المستجدة، بل هي مشكلة معروفة منذ عقود. إذ يحتاج الجسم إلى الدهون من أجل إنتاج هرمون الأستروجين، واستمرار الدورة الشهرية بصورة طبيعية. ويؤدي خفض الوزن بمعدلات زائدة، وبالتالي انخفاض مستويات الدهون في الجسم إلى خلل هرموني نتيجة النقص الحاصل في إنتاج الأستروجين. هذا ما يؤدي إلى توقف الدورة الشهرية مع توقف الإباضة، بما أنه ما من دورة شهرية من دون إباضة، وبالتالي يكون هناك فقدان للقدرة على الإنجاب سواء بصورة موقتة أو بصورة دائمة، في حال عدم تصحيح الوضع والمعالجة. وهذا ما يفسر أنه في مرحلة انقطاع الدورة الشهرية، تتوقف الدورة الشهرية مع انخفاض مستويات الأستروجين إلى حد كبير. وعلى إثر ذلك، تكون المرأة أكثر عرضة في هذه المرحلة للإصابة بترقق العظام. وهذا ما يحصل تماماً أيضاً في حال انقطاع الدورة الشهرية بسبب النحول الزائد، فيؤدي إلى انخفاض مستويات الدهون في الجسم، وتكون الفتاة التي تواجه هذه المشكلة أكثر عرضة أيضاً للإصابة بترقق العظام المبكر".
ويوضح نخل أن "المرأة تحتاج إلى ما لا يقل عن تسع دورات شهرية في السنة في الأقل، وأي انخفاض فيها، كما في حال حصول ثلاث دورات شهرية مثلاً فحسب، تتأثر حكماً صحة العظام بالدرجة الأولى، إضافة إلى ما ينتج عن ذلك من مشكلات أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه في حال ارتفاع مستويات الدهون في الجسم وزيادة الوزن، يحصل أيضاً خلل هرموني وترتفع معدلات الأستروجين في الجسم بصورة زائدة، ويؤدي ذلك إلى توقف الدورة الشهرية أيضاً، مع توقف الإباضة والقدرة على الإنجاب".
"أما في ما يتعلق بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان المرتبط بتوقف الدورة الشهرية"، فيحصل بحسب نخل، "نتيجة فرط إنتاج الأستروجين في الجسم الذي يحصل في حال زيادة الوزن وارتفاع مستويات الدهون في الجسم. يؤثر ذلك في بطانة بيت الرحم ويرتفع خطر الإصابة بالسرطان في هذه الحالة". وزاد أنه "غالباً ما تواجه الرياضيات المتمرسات خللاً في الدورة الشهرية بسبب انخفاض معدلات الدهون في أجسامهن، حتى أن الدورة الشهرية تتوقف لدى كثيرات منهن بسبب خسارة الدهون بمعدلات كبيرة، بما أن الدهون تعتبر المصدر الذي يعتمد عليه الجسم في إنتاج الأستروجين، وبغيابها لا يكون قادراً على تحقيق ذلك، فيحصل خلل في الهرمونات وفي الدورة الشهرية. هي مشكلة معروفة لدى الرياضيات، وهذا ينطبق على العارضات، وعلى الفتيات كافة، اللاتي تستوجب المهن التي يعملن فيها خفض الوزن بمعدلات زائدة، والخضوع إلى حميات صارمة".
ولفت نخل إلى أنه عند خفض الوزن بمعدلات زائدة والخضوع إلى حمية صارمة، يحصل ما يشبه الهجوم على الجسم، ويؤدي إلى إجهاد يطال الدماغ أيضاً. فهذه المشكلة لا ترتبط بإنتاج الأستروجين فحسب، إنما أيضاً بالإجهاد الزائد الذي يحصل على مستوى الدماغ بسبب النحول. فيدخل الجسم في حالة دفاعية للقيام بالوظائف الرئيسة على مستوى تحت المهاد أو الهايبوثلاموس، الذي يعتبر مصدراً للهرمونات في الجسم. وبالتالي، عندما يتأثر بأية مشكلة، يتوقف إنتاج الهرمونات. عندها قد يكون التوتر الزائد أو الإجهاد سبباً لتوقف الدورة الشهرية، وعندما تتوقف الدورة الشهرية إثر اتباع حمية صارمة، كما يحصل مع كثيرات ممن يسعين إلى خفض أوزانهن بمعدلات زائدة، بسبب معايير الجمال النمطية والتسويق لصورة المرأة النحيلة، يمكن أن يحصل ذلك بصورة موقتة".
وفيما تؤثر هذه الحالة أيضاً في القدرة على الإنجاب، من الممكن العودة للوراء فيها في حال تصحيح الوضع، كما حصل مع الممثلة سينتيا صموئيل التي تمكنت من استعادة الدورة الشهرية بعد اتباع نظام غذائي والعلاج المناسب. ففي كل الحالات، في حال التدخل في الوقت المناسب، تعتبر هذه من المشكلات التي يمكن معالجتها.
وبحسب ما يوضحه نخل، "تتوافر الأدوية التي تسمح بالمعالجة، إلا أن هذه الأدوية تعالج النتيجة، وليس السبب. وفي مثل هذه الحالات، من الضروري عدم الاكتفاء بمعالجة النتيجة، لأن ذلك لا يفيد للمدى البعيد، بل يجب السعي إلى معالجة السبب، والحرص على بلوغ الوزن المثالي، واستعادة معدلات الدهون الطبيعية التي تساعد في استعادة إنتاج الأستروجين بمستويات طبيعية، مما يسهم في استعادة الدورة الشهرية مع الوقت. وهنا لا يكون الهدف زيادة الوزن بصورة عشوائية، بل بلوغ الوزن المثالي حفاظاً على الصحة من النواحي كافة، ولتجنب أية مشكلات صحية يمكن التعرض لها".