ملخص
تمتلك تركيا حالياً موارد ونفوذاً أكبر على الساحة الدولية مما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت سياستها في آسيا الوسطى أكثر دقة واتساقاً. مع ذلك فإن تطلعات أنقرة لأن تصبح "قوة ثالثة" في المنطقة قد تواجه عدداً من القيود والتحديات.
منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، والأحلام لا تفارق تركيا أملاً في استعادة بعض تاريخ عالمها الذي تنشده من البحر الأدرياتيكي غرباً وحتى سور الصين العظيم في الشرق، وقد سارعت القيادة السياسية التركية في أعقاب الإعلان عن "انهيار" الاتحاد السوفياتي السابق إلى محاولة ملء الفراغ الذي نشأ في المنطقة من خلال بناء علاقات "خاصة" مع بلدان آسيا الوسطى، التي تحاول تركيا اصطيادها في شباك ما تسميه بـ"تركستان".
وكانت أنقرة بدأت التوسع في ذلك المشروع إبان حقبة التسعينيات التي شهدت انهيار المؤسسات الروسية، ولم تكن قد استكملت تشكيلها بعد تحت وطأة هجمات الليبراليين من أنصار اليمين الروسي ممن تزعموا أفكار الخصخصة التي وصفت بأنها "مسمار في نعش الشيوعية"، على حد تعبير مهندس الخصخصة في روسيا أناتولي تشوبايس، الذي ظل قبل هربه إلى إسرائيل يصول ويجول في أروقة السلطة من مواقعه في مختلف المناصب العليا ومنها رئيس ديوان الكرملين، ونائب رئيس الحكومة، والممثل الشخصي للرئيس، حتى بداية العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.
أبجدية السيطرة
وقد شهدت تلك الفترة كثيراً من الجهود التركية التي نشطت في أوائل التسعينيات بمحاولات إقناع بلدان آسيا الوسطى باستبدال بالأبجدية الكيريلية (السلافية) الأبجدية التركية كخطوة لإحلال اللغة التركية بديلاً للروسية التي لا تزال معترفاً بها في هذه البلدان كلغة رسمية ثانية، إلا أن نتائج هذه الجهود كانت مخيبة للآمال بالنسبة إلى أنقرة، إذ لم يقتصر الأمر على تراجع نشاطها في المنطقة فحسب، بل أدى أيضاً إلى تخليها عن مزاعمها القيادية. وعلى رغم أن تركيا حققت تقدماً ملحوظاً في تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والإنسانية مع دول آسيا الوسطى خلال العقود اللاحقة، فإن المنطقة لم تكن عموماً على رأس أولويات سياستها الخارجية، مع ذلك، فإن ازدياد نشاط تركيا في آسيا الوسطى خلال الأعوام الأخيرة يشير إلى عودة أنقرة إلى المنطقة، وترجع أسباب ذلك إلى التحولات العالمية والإقليمية الجارية، فضلاً عن التغيرات التي طرأت على سياستها الخارجية.
وتمتلك تركيا حالياً موارد ونفوذاً أكبر على الساحة الدولية مما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت سياستها في آسيا الوسطى أكثر دقة واتساقاً، مع ذلك فإن تطلعات أنقرة لأن تصبح "قوة ثالثة" في المنطقة قد تواجه عدداً من القيود والتحديات. ويذكر مراقبون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يتوقف منذ صعد إلى قمة السلطة في تركيا عن هذه المحاولات بما يعقده من اجتماعات دورية يدعو إليها رؤساء بلدان آسيا الوسطى، من دون أن يغفل بطبيعة الحال والأصول التاريخية دعوة رئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان إلى مثل هذه التجمعات على اعتبار ما تقوله الوثائق حول أن معظم القبائل المجرية انتقلت من منطقتي نهر الفولجا وجنوب جبال الأورال إلى ما وراء جبال الكاربات حيث دولة المجر الحالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن ثمة من يقول إن فكرة أردوغان بالتحول إلى أبجدية تركية موحدة "حظيت بدعم أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان"، وقدم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بيانه "رؤية لعالم تركي"، الذي كتب أيضاً باستخدام الأبجدية التركية الموحدة، ويتحدث عن التعاون بين الدول ذات الغالبية التركية. وتزعم السلطات التركية أن كل هذا ينفذ لتعزيز ما يسمى "الوحدة الطورانية"، لكن الواقع يقول إن خطط أردوغان تكشف عن مشروع سياسي واضح، ويمكن اعتبار إدخال أبجدية تركية موحدة تحل تدريجاً محل الأبجدية السيريلية، المرحلة الأولى من غزو تركيا لآسيا الوسطى عبر نشر نفوذها الثقافي، كذلك فإن مثل هذا الغزو يشكل خطراً شديداً على موسكو، إذ كثيراً ما كانت آسيا الوسطى، مثل القوقاز التي لا تكف تركيا عن محاولات استمالتها، ضمن نطاق نفوذ روسيا، وكانت بمثابة "نقطة ضعفها".
وها هي باكو تخطو بخطوات واسعة نحو التقارب مع تركيا، وهو ما يتحقق بوتيرة سريعة منذ الحرب الأذرية الأرمينية التي استعادت معها أذربيجان ما فقدته من أراضيها التي ظلت لما يزيد على 30 عاماً تحت نير احتلال أرمينيا. وقد صار من الواضح أن الانتقال إلى أبجدية تركية موحدة لا يهدف وحسب إلى تبسيط التواصل بين الشعوب التركية بقدر ما يهدف إلى تكثيف سياسة فصل قازخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان عن روسيا، وهو ما أدركته هذه الدول لتعلن رفضها مثل هذا التحول. وثمة من يرى "أن أستانا وطشقند رفضتا ذلك بوضوح أكثر مخافة تكرار ما حدث في سوريا إبان دعم أردوغان خلايا (داعش) على رغم كل ما قامت به من عمليات تطهير عرقي وديني هناك"، على حد ما قاله الباحث السياسي القازخستاني دانيار أشيمباييف، الذي عزا ذلك إلى الحساسية المفرطة لهذه البلدان تجاه سلامة أراضيها، فضلاً عن قوله إنها لن تخاطر بالقانون الدولي من أجل طموحات أردوغان.
حلم الإمبراطورية
وننقل عن الباحث السياسي الروسي ومدير وكالة الاستراتيجية الإثنية القومية ألكسندر كوبرينسكي، قوله في حديث لصحيفة "أزفيستيا" إن "من الآثار الجانبية لتوسع تركيا في آسيا الوسطى ما قد يكون تراجعاً بمستوى التعليم والمعرفة بين السكان المحليين"، وأشار إلى أن جميع الأعمال الأدبية الكلاسيكية لدول آسيا الوسطى تم نشرها باللغة الروسية التي استطاعت روسيا ثم الاتحاد السوفياتي نشرها إبان أعوام العيش المشترك في إطار الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفياتي السابق.
ومن اللافت في هذا الصدد أن تركيا تحاول التستر على حقيقة أن ما تطرحه من أفكار ومخططات يبدو ذا طابع سياسي أكثر منه ثقافياً، فضلاً عما بدا أخيراً من تحولها في الإشارة إلى بلدان آسيا الوسطى بوصفها منطقة "تركستان"، وكأنها تؤكد أن هذه المساحات الجغرافية الشاسعة تقع بالفعل ضمن نطاق نفوذها، وهو ما يعتقد المتخصصون أنه بمثابة "رسالة سياسية" بالغة الأهمية.
وأشار كوبرينسكي إلى أن "آسيا الوسطى" تشير إلى منطقة محايدة ومستقلة، بينما "تركستان" اسم ذو دلالة وإشارة إلى الطورانية الناطقة بالتركية. وتسعى أنقرة حالياً إلى نشر هذا المصطلح دولياً لكي تبدأ الدول الأخرى، من دون إدراك خطورة ذلك، في اعتبار آسيا الوسطى أرضاً تركية غير رسمية، وهو ما يعني عملياً أن هدف تركيا في أن تصبح "قوة إقليمية عظمى" يمكن أن يكون قابلاً للتحقيق من خلال تعزيز التركيز على اللغة التركية في سياستها الخارجية، وفق ما قالته الأستاذة المشاركة في قسم دعم المعلومات للسياسة الخارجية بكلية العلوم السياسية العالمية في جامعة موسكو الحكومية آنا ماكينا.
في هذا الصدد يحظى كثير من مبادرات تركيا في آسيا الوسطى بنظرة إيجابية من جانب دول المنطقة، بفضل نجاحها في دعم فكرة "صلة القرابة"، في حين تفتقر دول أخرى إلى مثل هذه المبادرات، وثمة مؤشرات تقول إن تركيا حققت نجاحاً كبيراً في ترسيخ الوحدة بين الناطقين بالتركية، وهو ما تستثمره في تحقيق كثير من المكاسب الاقتصادية والسياسية.
ومن يذكر أن الرئيس رجب طيب أردوغان كشف عما يضمره من مشروع جيوسياسي ضخم هو "طوران الكبرى"، الذي يهدف إلى توحيد جميع الدول ذات الغالبية التركية في فضاء ثقافي وسياسي واحد تحت رعاية تركيا، وهو ما قد يكون سبيله إلى ما يستهدفه من محاولات إحياء الإمبراطورية العثمانية. وهناك من يقول إن تركيا قامت بالخطوة الأولى نحو "طوران الكبرى"، حيث وسعت نفوذها ليشمل أذربيجان، التي يبدو أنها نجحت في جعلها حليفها الرئيس، وسبيلها في محاولاتها التسلل إلى منطقة القوقاز، ومنها إلى بلدان آسيا الوسطى. ولعل ما نشهده من خطوات تتمثل في ما تبذله تركيا من تمويل لبناء المدارس والمساجد الإسلامية في قيرغيزستان وكازاخستان لأعوام كثيرة يمكن أن يكون شاهداً على مثل هذه المحاولات.
تهديد روسيا
وإذ أقر ألكسندر كوبرينسكي أن تركيا تهدد مصالح روسيا في آسيا الوسطى، قال إن القيادة الروسية تعتمد تقليدياً على التعاون الاقتصادي وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبيرة، بينما تسعى أنقرة إلى نشر أفكار "العالم التركي"، الذي يبدأ بتوحيد اللغة، ثم التحول تدريجاً إلى طرح مسألة إعادة التوجه الجيوسياسي. كذلك فإن تركيا لن تقتصر في عملها على مواطني دول آسيا الوسطى وحسب، بل ستمد أذرعها إلى المناطق الروسية التي يعيش فيها ناطقون بالتركية، ومنها جمهورية تتارستان ذات الحكم الذاتي وأكبر التجمعات السكانية الناطقة بالتتارية ذات الأصول المشتركة مع اللغة التركية.
في مقال نشره الباحثان السياسيان تيموفي بورداشيف وداريا ريكيدا، أكدا أن تركيا وضعت لنفسها هدفاً طموحاً يتمثل في إنشاء منظمة تركية مماثلة للاتحاد الأوروبي، وتسعى جاهدة إلى تحقيق مفهوم "طوران الكبرى"، الذي يوحد الشعوب التركية تحت شعار "دول عدة - أمة تركية واحدة". وكان من أهم الإنجازات اعتماد "مفهوم العالم التركي حتى عام 2024" الذي يضمن الوحدة في جميع المجالات، بدءاً من الأبجدية والإطار المفاهيمي، وصولاً إلى التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصاد والنقل والجمارك وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة والسياحة والصحة وحماية البيئة والتنمية الزراعية.
ويركز هذا المفهوم بصورة خاصة على القواسم الثقافية المشتركة بين الشعوب، وتشمل أهداف المنظمة الترويج لفكرة التراث التركي المشترك لأعظم العلماء والشعراء والمفكرين والفنانين، ويجري التخطيط لفعاليات ثقافية سنوية تهدف إلى التقريب بين الشعوب. وفي إطار التعاون التعليمي بين الدول التركية، تم تأسيس اتحاد جامعات TURKUNIB وعملية "أورخون"، وهي نظير لعملية "بولونيا" في العالم التركي، وتتعاون أكثر من 40 جامعة ضمن هذه العملية، إذ تتبادل أفضل الممارسات وتنفذ برامج التبادل الأكاديمي، ومع ذلك فإنه على رغم التقدم الملموس في حركة القوى التركية الناعمة في آسيا الوسطى، فإنها تواجه حالياً عقبات كثيرة أمام ترسيخ مواقع تركيا في المنطقة، فضلاً عما تحققه كل من روسيا والصين من تقدم كبير في مجالات التعاون الاقتصادي والعسكري مع هذه البلدان، وكذلك التعاون المشترك لغالبية هذه البلدان في المنظمات والتنظيمات الدولية المشتركة التي تضم كلاً من روسيا والصين.