ملخص
صدر حديثاً ديوان "معجم الحواس الناقصة" للشاعر عماد فؤاد، وفيه يقترح توصيفاته الفنية والإنسانية للسمع والإبصار والشم واللمس والتذوق والألم، متمرداً على صيغ الإدراك الحسية المتعارف عليها.
لا ينطلق الشاعر المصري عماد فؤاد (51 سنة) في عمله الجديد "معجم الحواس الناقصة"، الصادر عن دار "ديوان" للنشر في القاهرة، من الإحساس بالامتلاء ولا من ادعاء الفوقية والكمال في خلقه تعريفات ذاتية تخص الحواس في معجمه الشعري الذي يؤسس أبجديته الأولى، ولكنه على العكس من ذلك، يجني بخفة وبدائية ما يزرعه في تربة التشكك الخصبة من حروف وكلمات مراوغة وظلال شاحبة وسوداء، مشحوناً بالخواء والنقصان، ومحتمياً بعريه وطفولته وأنثاه الغائبة الحاضرة، من شراسة حضارة زائفة، ومن ضجيج صارخ جارف "في الزحام، حين تمسكين أصابعي، أعود هذا الطفل، الذي كان يمد يده، ذات يوم، كي يقبض على الريح".
تطوير المحو
يطور الشاعر، عبر 175 صفحة، ما يعرف بكتابة المحو، إلى منظومة أكثر اتساعاً في التجريب على المستوى النسقي والتكثيف الدلالي، يمكن تسميتها "شعرية استثمار الفراغ". في هذه المنظومة، تعمل القصيدة على ملء الفراغات العبثية والعدمية والمنتهية جميعاً، كخيوط عنكبوت تصطاد فرائسها في الخلاء، صانعة وجوداً حياً يقاوم الفناء بجملة من الأرواح. هو يقف فوق الصفر ليبتكر الأرقام، موجبها وسالبها على السواء. يلفظ الحواس كآليات ميكانيكية للإدراك، فاضحاً نقصانها وثقوبها وعجزها عن التقاط ما يبلغه بحدسه ووجدانه ولاوعيه وضميره. يحتوي الأخرى الزئبقية ويربط مصيره بمصيرها، على رغم كل غياباتها وامحاءاتها، مكتفياً بها كما هي معجماً لحواسه، و"برهاناً أبدياً على نقصانها".
وهو يعطي اللغة حقها كقناة توصيلية وكغاية ذات وقع وجرس في آن، ولكنه يفسح المجال أكثر للصمت وللمسكوت عنه للتعبير من غير مفردات مكتوبة. وهو يستمع للتلاشي وللمساحات الجوفاء، ويتتبع السراب لكي يكشف عن خدعه وحيله البغيضة في حجب الماء، ويغوص في "الما قبل" و"الما بعد" المجهولين ليجعلهما قوسين كبيرين تتشكل بينهما وبمساعدتهما تفاعلات الحياة الحقيقية. وهو يجتلب الفقدان والهجران والنسيان واللاجدوى واللاشيء من طبقات أعماقه، معيداً تدوير فوضاه وعشوائيته وشتات ذكرياته في بناء شعري وفلسفي وكوني منتظم، لا تنتقص هندسته ورصانته من انسيابيته وتلقائيته، ولا يحد التخطيط المسبق سريان نهره الحر المتدفق.
سرديات حكائية
سبعة فصول ينقسم إليها الديوان، أو تتوزع عليها أجزاء معجم الحواس الناقصة، هي: ما قبل، الصوت، الصورة، الرائحة، اللمس، الطعم، الألم، ما بعد. تأتي تعريفات هذه الحالات والحواس على نحو حكائي عادة، من دون الانخراط في سرديات مجانية حول مواقف عابرة وتفاصيل يومية اعتيادية كما هو شائع في قصيدة النثر. فالحكاية لدى الشاعر تنسجم مع الطقس الكلي للديوان من حيث التقشف والاقتصاد، ومن حيث الحرص على مزج الخاص والعام والقريب والبعيد والجسداني والصوفي والحياتي المعيش والمتخيل المجازي والفلسفي التأملي والديني الموروث أيضاً، المتماس مع خلق الكون وقصة آدم وحواء.
كما تنطوي السرديات الحكائية على ازدواجية الإثبات والنفي، فما يقر به العلم ويثق به البشر من حتمية إثبات صيغ الإدراك الحسي (الإبصار مثلاً، أو التصوير بآلة الكاميرا)، قد تنفيه اللقطة الشعرية الصادقة الصادمة، التي تعتمد الرؤية بطريقة أخرى بديلة، أقرب إلى الاستكناه بالبصيرة. ومن ثم، فهناك من المشاهد التي يفطن إليها الحدس وتنتبه إليها المناطق الحساسة في الحواس الناقصة صور كثيرة "لا تؤرخها الكاميرا الديجيتال"، ولكنها تبقى مسجلة "في قبضة هلامية اسمها الذاكرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهكذا، على طول الخط، يرى الشاعر الأخرى الملازمة له، منذ الما قبل إلى الما بعد. يراها "حتى لو أغمض عينيه، حتى لو أطفأ مصباح حجرته، حتى وهو يرى الآخرين". وهكذا، تدار أيضاً لعبة الألم وفق نكهة درامية ومتناقضات ومتضادات، فتنتفي عن المناظير وأجهزة الأشعة وتشخيصات الأطباء القدرة على تعيين الأوجاع الظاهرة والخفية، في حين يدركها المتألم ومن هم على شاكلته ببساطة كندوب وتآكلات في الروح، تستشعر ولا ترصد. أما الألم الأعظم، الذي يمكن للشاعر أن يكابده، فيبتكره في حصة صفاء بقوله "الألم.. هو ما كنت أشعر به، حين أعيد قراءة ما كتبته عنك، فلا أجدك فيه".
في هذا المعجم الجديد للحواس، يمكن للفطرة السليمة تفكيك ما يصل إليها قبل أن تتعاطى معه، لتعيد كل المركبات والتكوينات الملتبسة إلى عناصرها الأولية النقية. الرائحة، مثلاً، قد تتألف من روائح متداخلة مضللة، وعندئذ "كي تصل إلى النهر، في آخر الغابة، يعني أن تتبع الرائحة/ تفككها، رائحة.. رائحة/ هنا.. عبق لحاء الأشجار في الحر، وهنا.. رائحته تحت المطر/ هنا.. وبر فهد رضيعٍ، وهنا.. عرق الفريسة الهامدة/ كي تصل إلى النهر في آخر الغابة، يعني أن تنجو من فخاخ الصيادين/ أن تتفادى الحشرات الضارة، ولسعات الزواحف، وأن تتجنب الأفاعي/ واحذر من الدببة المفترسة، لأنها لا تظهر إلا في العتمة، حين لا يكون هناك قمر".
هزيمة الموت
وفي معجم الحواس المتداخلة الذي يدشنه الشاعر، لا نهاية لشيء ولا طمس لعلاقة بالموت، فلكل ذكرى ملوحة مميزة تبقى في الفم، وهناك دائماً أثر لمن يوصفون بالموتى أو الراحلين يأتي من الغياب ومن الخفاء ومن الغموض ومن الفراغ الذي يمكن استثماره في كل حين، وهذا الأثر أقوى وأكثر تكثيفاً من تجليات الحياة الطبيعية نفسها.
الورود الذابلة في محل الزهور، لا يمكن اعتبارها مجرد نعوش للروائح بالتأكيد. الـ"هو" والـ"هي"، المترافقان على امتداد النص منذ بدء الخليقة في سفر التكوين، يتجاوزان في مرحلة "الما بعد" مقولة مدون المقابر بأنهما "مجهولا الهوية"، ليكونا أسطورتين أو شبحين منفلتين أو روحين متحررتين من الحيز الأرضي الضيق، وفق مقولة مسؤولي الدفن في ختام الديوان "التابوتان فارغان يا ناس!".