Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هرابال التشيكي البوهيمي الذي كسر احتكار كافكا وكونديرا

حين يضحى المرء مطحنة للكتب لدى مبدع تدين له السينما بفيلمين ونهاية أسقطته من نافذة

لقطة من الفيلم المقتبس من "قطارات تحت حراسة مشددة" (موقع الفيلم)

ملخص

خاض الكاتب التشيكي بوهوميل هرابال طوال حياته، عدداً كبيراً من المهن وتنقل بين الأفكار ولكن دائماً مزودا بقدر كبير من السخرية البادئة من سخرية بالذات لتصل إلى السخرية بكل شيء. ولقد تجلت تلك السخرية في رواياته لا سيما في "عزلة صاخبة جداً"

روت مرة صحافية أدبية بريطانية كيف أنها في لقاء "دردشة" من النوع الذي اعتاده الكاتب ورئيس أول جمهورية ديمقراطية في إحدى الدولتين اللتين كانتا تشكلان تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، وهي تشيخيا بالطبع، فاكلاف هافيل، طرحت عليه سؤالاً أرادته استفزازياً وطريفاً، فحواه: هل تعتبر أن عدد المبدعين الأدباء في حاضر بلادك من الكثرة إلى درجة دفعتك إلى ترك الكتابة والتفرغ للسياسة؟ مردفة: "نحن في العالم الخارجي لا نعرف من الأدباء الآتين من عندكم في نهاية الأمر سوى الاثنين الأشهر، كافكا الذي كتب بالألمانية ثم ميلان كونديرا الذي انتهى به الأمر لأن يكتب بالفرنسية؟ من هنا أفلم يكن يجدر بك يا سيدي الرئيس أن تبقى كاتباً تاركاً لآخرين مهام سياسية، يمكن لكثر في بلادكم القيام بها متفرغين لها؟".

وتقول الصحافية، إن الكاتب الرئيس اكتفى بالاستماع إليها يومها مبتسماً من دون أن تفارق رنة حزن لا صوته ولا نظرته، مكتفياً بأن يقول لها بكل بساطة: "لكنك يا سيدتي العزيزة... تنسين بوهوميل هرابال...".

السينما مرت من هنا

وتعترف الصحافية وهي تسرد تلك الحكاية بأنها ارتبكت أمام ذلك الاسم يذكره هافيل، معترفة له بأن ذاكرتها تكاد تكون ممحية أمام ذلك الاسم، فأجابها: "لكنك شاهدت بالتأكيد الفيلم المأخوذ عن روايته الكلاسيكية عندنا، "قطارات تحت حراسة مشددة". وهنا فقط "أفقت من غفلتي واستعدت في ذهني كل ما أعرفه عن هرابال في جزء من الثانية، بيد أن ما كنت أعرفه لم يكن كثيراً. وها أنا أضيف إليه الآن ما بادرني به الرئيس من أنه يعتبر هرابال كاتبه المفضل، في الأحوال كافة".

ومع ذلك لم تنقذ تلك المكانة الكاتب الكبير من مصير رآه كثر متناسباً مع شخصيته وأدبه الساخر، حتى وإن لم يكن أحد قد توقعه. فهو وإذ كان يمضي أيام فحوصات في أحد مستشفيات بلاده، وجد نفسه قريباً من نافذة ليجده الحراس في اللحظات التالية ساقطاً من النافذة نفسها من دون أن يعرف أحد أول الأمر ما إذا كان قد وقع صدفة أم إنه دفع دفعاً... فخلال تلك الأعوام التالية لسقوط النظام الاشتراكي، لم يكن غريباً أن تتساقط أشياء كثيرة من النوافذ أو من غير النوافذ بما في ذلك جسد واحد من أكثر الكتاب شعبية في البلاد.

ففي نهاية الأمر حتى وإن كان هرابال ثاني أكبر كاتب تشيكي ولد في بوهيميا، قبل أعوام من كونديرا الذي يعد الأول، فإن موته على تلك الشاكلة مر مرور الكرام. بل كان على قرائه أن ينتظروا بعد ذلك نحو 18 عاماً قبل أن يكتشفوا أنه ترك وراءه لدى رحيله "رواية" صدرت عام 2014 لمناسبة الذكرى الأولى لمولده.

سخرية معممة

مهما يكن من أمر، وكما ذكر فاكلاف هافيل للصحافية البريطانية، لم يكن هرابال معروفاً في العالم الخارجي إلا من خلال السينما.

وبما أن حياته وسيرة تلك الحياة من الأمور غير المعروفة بما فيه الكفاية، بدا يومها من الأهمية بمكان صدور "روايته" المتأخرة "عزلة صاخبة جداً" لمناسبة مئويته، فأتى ذلك الصدور أمراً مرحباً به في حينه. وذلك لأن الكتاب رغم كونه رواية غير واضحة، أو بفضل ذلك، وإن بين معقوفتين بالنسبة إلينا هنا، واضحة السمات أو بفضل ذلك، أتى ليلقي أضواء كاشفة بل ساطعة على حياة كاتب خاض خلال حياته الطويلة نسبياً، التي واكبت السنوات الأساسية من القرن الـ20 ("أقصر القرون" في رأي المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم، إذ يمتد من بداية الحرب العالمية الأولى وحتى السنة التي انتهى فيها التاريخ قبل نهاية القرن بأربع سنوات).

ولقد خاض هرابال طوال تلك الحياة، عدداً كبيراً من المهن وتنقل بين الأفكار ولكن دائماً مزود بقدر كبير من السخرية البادئة من سخرية بالذات لتصل إلى السخرية بكل شيء. ولقد تجلت تلك السخرية في رواياته لا سيما في "عزلة صاخبة جداً" حيث إلى الرسائل والتعليقات على الأحداث اليومية، ثمة مشاهد وفقرات عديدة يفيدنا الكاتب أنها لا بد أن تشكل يوماً أسساً يبني عليها "مطولات كما قد يعتقدها البعض" وروايات "ولست أعرف منذ الآن ما إن كانوا مخطئين في ذلك أم على صواب".

هكذا انتهت الحكاية

ومهما يكن من الأمر، انتهت الحكاية بأن يعتبر بوهوميل هرابال (1914–1997) واحداً من أكثر الأصوات الأدبية فرادة في أوروبا الوسطى خلال القرن الـ20، وكاتباً استطاع أن يحول الهامشي واليومي والعابر إلى مادة أدبية كثيفة، نابضة بالحياة والسخرية والمرارة في آن واحد.

ينتمي هرابال إلى جيل عاش تقاطعات تاريخية قاسية: الاحتلال النازي، ثم الحقبة الشيوعية، وما رافقها من قمع ورقابة وتشويه للذاكرة الفردية، وهي سياقات تركت أثرها العميق في كتابته، من دون أن تتحول إلى أدب شعاراتي أو مباشر.

وقد ولد هرابال في مدينة برنو، لكنه قضى طفولته في بلدة نيمبورك، حيث عمل زوج أمه مديراً لمعمل جعة. وسوف تغدو هذه البيئة، بعمالها وشخصياتها الغرائبية وحكاياتها المتدفقة، نواة تخييلية مركزية في أعماله اللاحقة. وهو درس القانون في جامعة براغ، غير أن مسيرته المهنية لم تستقر يوماً، فقد عمل في مهن متعددة: موظف سكك حديدية، عامل يدوي، جامع نفايات، ومكبس ورق قديم. ومهما يكن فإن هذه التجارب لم تكن هامشية في حياته، بل شكلت المصدر الحي لنظرته إلى الإنسان بوصفه كائناً مسحوقاً داخل آليات التاريخ والعمل والسلطة، كما أنها زودته بمواضيع كتاباته وبشخصيات رائعة وتنبض بالحياة في تلك الكتابات.

سرد متدفق

يتميز أسلوب هرابال بما يعرف بـ"السرد المتدفق" أو الجمل المتلاحقة الطويلة، التي تكاد تقرأ كنفس واحد، ممتلئ بالاستطرادات والحكايات المتداخلة والانتقالات المفاجئة بين الهزل والتراجيديا.

لغته تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها محملة بطبقات من المعنى، وقادرة على التقاط الشعر في أكثر الأماكن ابتذالاً: الحانات، المصانع، محطات القطار، ومكبات النفايات.

ومن هنا ما يقال دائماً من أن أبطال هرابال ليسوا مثقفين كباراً أو أبطالاً تاريخيين، بل أناس عاديون، مهزومون، ثرثارون، يحكون لأن الحكي هو وسيلتهم الوحيدة لمقاومة الصمت والمحو. ولعل من أبرز وأشهر روايات هرابال، تلك التي ذكرناها أعلاه وشكلت إلى حد كبير مدخله إلى الثقافة العالمية ولكن ليس بصورة مباشرة من طريق ترجمتها، ولكن بصورة غير مباشرة من خلال الفيلم التشيكي الكبير الذي حققه عنها المخرج التشيكي جيري مانزل في عز مرحلة الصدام مع الستالينية في بلده، "قطارات تحت الحراسة المشددة" الفيلم الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي في عام 1968 حيث يقدم هرابال قصة شاب يعمل في محطة قطار خلال الاحتلال النازي، في نص يمزج البراءة الجنسية بالسخرية السوداء وبالعبثية القاتمة للحرب. كذلك تعد روايته الكبيرة الأخرى التي حولت بدورها، وكما أشرنا إلى فيلم حقق نجاحاً كبيراً بعد الفيلم الأول بما لا يقل عن ربع قرن "خدمت ملك إنجلترا" مثالاً مكثفاً على نظرته الساخرة إلى الطموح الفردي، حيث يرسم سيرة نادل صغير يحلم بالصعود الاجتماعي، ليجد نفسه في نهاية المطاف ضحية لتقلبات الأنظمة السياسية والأخلاقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"رواية" النظرة الأخيرة

أما "روايته" الأخيرة التي صدرت كما أشرنا، سنوات طويلة بعد رحيله في عام 1997، "عزلة صاخبة جداً"، فهي من أكثر نصوصه فلسفية وعمقاً، إذ تحكي عن رجل يسحق الكتب القديمة في معمل للورق، ويبتلع عبرها تاريخ الفكر الإنساني، في استعارة مؤلمة عن الثقافة المهددة بالإبادة في زمن الشموليات. هنا يبلغ هرابال ذروة تأمله في العلاقة بين الفرد والمعرفة، وبين الجمال والدمار.

وفي الأحوال كافة، لم يكن هرابال كاتباً معارضاً بالمعنى السياسي المباشر، لكنه كان كاتباً مزعجاً للسلطة، لأن كتابته تعيد الاعتبار للفرد الهش، وتفضح عبث الأنظمة التي تدعي امتلاك الحقيقة. ومع ذلك فإن حياته انتهت بطريقة غامضة، بسقوطه من نافذة مستشفى في براغ، في حادثة قرأها كثر بوصفها امتداداً تراجيدياً لعالمه الأدبي. ويبقى بوهوميل هرابال كاتباً للذاكرة الصغيرة، وللحكايات التي تقال على الهامش، لكنه من خلال هذا الهامش استطاع أن يكتب واحداً من أكثر فصول الأدب الأوروبي الحديث إنسانية وصدقاً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة