ملخص
31 في المئة من النساء المصريات المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن لأي نوع من أنواع العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي على يد أزواجهن و22.3 في المئة من النساء المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن للعنف النفسي من قبل الزوج، ونحو ربع النساء (25.5) المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن للعنف الجسدي من قبل الزوج.
من جديد، عاد العنف الأسري بمصر ليطل برأسه على أثر واقعة مقتل زوجة حامل (20 سنة) على يد زوجها بإحدى القرى التابعة لمحافظة المنوفية على وقع خلافات زوجية بينهما، التي عُرفت إعلامياً بـ"عروس المنوفية". وأثارت الواقعة ضجة واسعة في الرأي العام المصري وتفاعلاً كبيراً بين رواد منصات التواصل الاجتماعي الذين استنكروا الواقعة، مصحوبة بتساؤلات عدة، حول الدوافع وراء تكرار وقائع العنف الأسري؟ ولماذا أصبحت أكثر عنفاً وقسوة لحد ارتكاب الجرائم؟ وهل تندرج تحت مُسمى حالات فردية أم تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية مُقلقة؟ وهل القانون المصري رادع في التصدي لها؟
سلسلة من الجرائم الأسرية
وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، وقع عديد من الجرائم الأسرية داخل المجتمع المصري، لأسباب متباينة وفي محافظات مختلفة. في أبريل (نيسان) الماضي، شهدت محافظة الإسماعيلية جريمة مروعة بعدما تخلّص زوج من زوجته، ودفنها بالإسمنت، وبنى سوراً فوق الجثمان لعدم كشف أمره. وفي منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، قتل عامل زوجته بإحدى قرى مركز المنيا (جنوب القاهرة)، بسبب خلافات أسرية ومادية بينهما، انتهت بطعنها بسلاح أبيض وأسقطها قتيلة، وفي الشهر ذاته، شهدت محافظة الدقهلية (شمال مصر) جريمة مأسوية بعدما أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة وطعن زوجته الثانية.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) تحوّل خلاف زوجي إلى جريمة قتل صادمة بعدما أقدمت سيدة على طعن زوجها عدة طعنات بسكين أمام أعين أطفالهما في حادث مأسوي بالإسكندرية، وفي الشهر ذاته لقي ميكانيكي في العقد الرابع من العمر مصرعه على يد زوجته، بسبب خلافات أسرية حادة بين الطرفين انتهت بطعن الزوجة لزوجها، وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شهدت منطقة الشيخ زايد جريمة مؤلمة بعدما أقدم شاب على قتل والدته إثر مشاجرة نشبت بينهما بسبب خلافات مالية، وفي الشهر ذاته، لقي طفل مصرعه، متأثراً باعتداءات على يد والده بإحدى قري مركز سمالوط بالمنيا.
ووفق إحصاءات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية) ونتائج مسح صحة الأسرة المصرية عن عام 2021 في الفئة العمرية (15 – 49 سنة)، أظهرت أن 31 في المئة من النساء المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن لأي نوع من أنواع العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي على يد أزواجهن و22.3 في المئة من النساء المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن للعنف النفسي من قبل الزوج، ونحو ربع النساء (25.5) المتزوجات حالياً والسابق لهن الزواج تعرّضن للعنف الجسدي من قبل الزوج.
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية السبب
تعزو أستاذة علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة سوسن الفايد، تزايد جرائم العنف الأسرى في الوقت الراهن إلى "انتشار حالات الإدمان، لا سيما بسبب تعاطي الحبوب المُخلقة"، التي تجعل المدمن يُصاب بحالة من عدم الاتزان والهوس وتجعله يرتكب جرائم عنيفة في محيطه الأسري من دون إدراك أو وعي، إضافة إلى تسليط بعض الأعمال الدرامية والسينمائية الضوء على تلك المشاهد مما أسهم في تعزيز ثقافة العنف داخل الأسرة المصرية، علاوة على عدم وضع حلول جادة للتصدي لتلك المشكلة ما نجم عنه ما يُسمى بـ"نظرية الفراغ"، بحسب تعبيرها، التي سهّلت لمرتكبي العنف ارتكاب جرائمهم لعدم وجود رادع لهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي رأى الفايد فإن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية أيضاً كانت من الأسباب الرئيسة في زيادة جرعة العنف الأسرى داخل المجتمع، وجعلت المناخ مهيأ أمام البعض لتفريغ عصبيته وعدوانيته وطاقته السلبية في محيطه الأسري والاجتماعي كوسيلة لتخفيف الضغوط التي تُمارس عليه، فضلاً عن غياب المشروع الثقافي والفكري الذي يترتب عليه عدم وجود مساحة تفاهم مشتركة داخل المحيط الأسري، كذلك الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي الذي أدت إلى حدوث حالة من الجفاء بين أفراد الأسرة، فضلاً عن الضغوط المهنية والنفاق الوظيفي التي تجعل الفرد تتولّد لديه رغبة في الانتقام، ويسعى لتفريغ تلك الشحنة في المنزل أو الشارع أو العمل.
ووثق تقرير صادر عن مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" لعام 2024، أن هناك 1195 جريمة عنف ضد الفتيات والنساء في مصر جرى رصدها وتسجيلها خلال هذه الفترة الزمنية، وجرى رصد 261 جريمة قتل لنساء وفتيات نتيجة لعنف أسري على يد أحد أفراد الأسرة أو الزوج أو الشريك سواء كان حالياً أو سابقاً، ووفقاً لبيانات الرصد جرى تسجيل 124 جريمة قتل من الأسرة بالمحافظات المركزية (القاهرة – الجيزة – الإسكندرية) فيما سجلت محافظات الوجه البحري 74 واقعة، ومحافظات الوجه القبلي 54 واقعة، ومحافظات القنال 4 وقائع، والحدودية 3 وقائع.
ثقافة ذكورية
ترى أستاذة علم الاجتماع والعلاقات الأسرية بجامعة عين شمس الدكتورة أمل رضوان، أن عدم فهم البعض لصحيح الدين، أدّى إلى تزايد وقائع العنف المادي والمعنوي داخل المجتمع عموماً والأسرة خصوصاً. مشيرة إلى أن بعض الرجال يستندون إلى آيات قرآنية بعينها كـ"واضربوهن"، ويتغافلون أن الدين أيضاً يدعو إلى الرحمة والتسامح في مختلف المعاملات، سواء مع المرأة أو غيرها، ما يتطلب ضرورة التوعية بمفاهيم الدين الصحيحة وعدم الانجراف وراء الأفكار المتطرفة أو الشاذة.
وفي رأي أمل فإن الثقافة الذكورية لا تزال غالبة في ممارسات بعض الرجال. موضحة "المتعارف عليه مجتمعياً وثقافياً أن الرجل العنيف انعكاس مباشر لضعفه حتى لو كان قوياً جسدياً وبدنياً"، لافتة إلى أن بعض الرجال ينظرون إلى المرأة بـ"دونية"، وأنها كيان "مُستضعف" يمكن إخضاعه، والسيطرة عليه، ما يجعل كثيراً من الجرائم الأسرية تتزايد، وهو ما يظهر جلياً في الآونة الماضية.
تلفت أستاذة علم الاجتماع النظر إلى أن بعض الرجال الذين يعانون الكبت والقهر يحاولون تفريغ طاقتهم في المجتمع المحيط بهم، سواء مع المرأة أو الأبناء، مرجعة ذلك إلى موروثات العادات والتقاليد الخاطئة التي تشبّعوا بها منذ الصغر. مشيرة إلى أن العلاقة الصحية تستوجب أن يتفهم الطرفان أن هناك حياة مشتركة قائمة على التفاهم وقوامة المسؤولية.
وطالبت رضوان بضرورة تأدية الإعلام والدراما دورهما في نشر حملات التوعية بأهمية تجنب العنف الأسري، وتأكيد أهمية مكانة المرأة والأبناء في المجتمع، وإعادة تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة التي يتمسّك بها أصحاب الأفكار المتشددة وتهيئة المناخ لمحو الثقافات والموروثات المجتمعية الخاطئة من أجل مجابهة قضايا العنف الأسري، وأن تقوم المؤسسات المعنية بالتدخل لوضع حلول عاجلة لمواجهة تلك المعضلة المجتمعية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016 أعدّ المجلس القومي للمرأة دراسة لمسح التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة جرى إجراؤها على 20 ألف أسرة على مستوى الجمهورية بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وكشفت أن 8 ملايين سيدة تعرضت لشكل من أشكال العنف في 2015، لافتة إلى أن الدولة تفقد من اقتصادها مليارين و17 مليون تكلفة اقتصادية للعنف ضد المرأة سنوياً.
استعلاء واستعراض
"نظرة بعض الرجال للمرأة بها نوع من الاستعلاء والاستعراض"، هكذا يُعقب أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق، مشيراً إلى أن المرأة هي الضحية في غالب الأوقات في الصراعات داخل المجتمع الأسري. مشيراً إلى أن الجرائم الأسرية أصبحت أكثر عنفاً عما كانت من قبل، لافتاً إلى أن كثيراً من الجرائم الأسرية تنشب بسبب خلافات بسيطة.
يضيف صادق لـ"اندبندنت عربية" أن من بين أسباب انتشار الجرائم الأسرية أن بعض الرجال يحملون كراهية للمرأة، ولا يحبذون نجاحها العملي، ورغبتها في إثبات ذاتها، وفكرة المساواة معهم، مما يولّد حالة من العنف الذكوري ضدها.
ولا يغفل أستاذ علم الاجتماع السياسي أن يؤكد أن الفقر أحد الدوافع الرئيسة في ارتكاب الجرائم الأسرية، سواء ضد المرأة أو الأبناء داخل محيط المنزل. مشيراً إلى أن معظم حالات الاعتداء تحدث في مناطق الحضر، لا سيما المناطق الشعبية والعشوائيات، بسبب نقص الوعي والثقافة، بينما تقل في الريف بسبب الاختلاط المجتمعي وقرب العائلات من بعضها بعضاً ما يجعل بروز تلك الوقائع أمراً صعباً نسبياً.
وأخيراً، أعلن رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، أن معدلات الفقر في مصر متغيرة، مردفاً "آخر الأرقام المتاحة تتراوح بين 29 و30 في المئة مع احتمالات لتأثرها بالتغيرات الاقتصادية التي شهدتها الفترة الماضية".
ويلفت صادق إلى أن بعض الرجال ينتقون، عن وعي وإدراك، بعض المفاهيم الدينية لتبرير العنف ضد المرأة، إضافة إلى أن بعض الأسر تشجّع الرجال على ضرب زوجاتهن كوسيلة لتهذيبهن، ما يتطلب ضرورة تدخل المؤسسات الدينية بتصحيح بعض المغالطات التي تنجم عنها مشكلات أسرية عديدة، وأن يكون هناك تشديد للعقوبات لمجابهة الجرائم المتعلقة بالمحيط الأسري، مشيراً إلى أن كثيراً من الرجال يستغلون ضعف القانون لارتكاب جرائمهم.
وقبل عدة سنوات، أنشأ مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية وحدة "لم الشمل" لرأب صدع الأسرة المصرية، لتكون خطوة سبّاقة في مجال حل النزاعات الأسرية، للحد من زيادة حالات الطلاق، التي أصبحت مشكلة كبرى تهدد استقرار المجتمع، وتعوق طريقه للتقدم.
كيف يواجه القانون المصري وقائع العنف الأسرى؟
على مدى السنوات الماضية، كانت قضية العنف الأسري حاضرة على مائدة أعضاء البرلمان سواء في حلقات نقاشية عامة أو طلبات إحاطة أو مطالبات إعلامية لوضع حلول جذرية لها، ومن بين تلك النماذج ما أكدته البرلمانية المصرية وعضو لجنة حقوق الإنسان النائبة أمل سلامة في تصريحات أخيراً، أن العنف داخل الأسرة لا يقتصر على كونه أزمة فردية، بل يمثل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي ويخلّف آثاراً نفسية واجتماعية جسيمة تمتد سنوات، مطالبة بتغليظ العقوبات القانونية على جرائم العنف ضد الزوجات وكل أشكال العنف الأسري، بما يحقق الردع العام ويحمي الضحايا.
وفي سبتمبر (أيلول) 2023، طالب البرلماني المصري الدكتور علي بدر بأهمية عقد برنامج زمني محدد لنشر الوعي داخل المجتمع أولاً، لافتاً إلى أن نشر الوعي داخل المجتمع يقضي على نسبة كبيرة للغاية من تلك الظاهرة، ويتبقى جزء غير مستجيب لحملات التوعية يجب مقابلته بتشديد العقوبة والقانون.
وعلى صعيد القانون، يقول المحامي المختص في شؤون الأسرة علي صبري، إن قانون العقوبات المصري حدد بنوداً في حالات الاعتداء والعنف الأسري تنص على الحبس أو الغرامة بحسب طبيعة الحالة ذاتها، مشيراً إلى أن الاعتداء على الزوجة، على سبيل المثال، يندرج تحت قضية "ضرب" وقد تستخدمه الزوجة أحياناً، إما لرفع دعوى جنحة ضد الزوج أو الطلاق منه، وفي الحالة الأخيرة تتطلب شهوداً على واقعة الضرب لحظة الاعتداء نفسه لإثبات الواقعة، موضحاً أن القضاء في غالب الأوقات يميل إلى فكرة الغرامة لا حبس الأزواج، إلا في حالات نادرة أو ينجم عنها عاهة مستديمة، منوهاً أن بعض الحالات التي رصدها على أرض الواقع قد تنشب نتيجة ضرب الزوجة لزوجها أيضاً.
ويوضح صبري، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن المادة 242 من قانون العقوبات تُطبق على جميع المواطنين من دون النظر إلى صفاتهم أو علاقتهم ببعضهم، موضحاً أن القانون دائماً ما يستند في غالب الأوقات في حالات الاعتداء الجسدي والعنف إلى التقرير الطبي وحجم الإصابات والواقعة ذاتها، منوهاً أن غالب وقائع العنف الأسرى تكون اعتداءً من الزوج ضد الزوجة، وأحياناً وقائع اعتداء على الأبناء أيضاً، وبسبب خلافات متباينة، مثل تدخلات أسرية أو خلافات مادية أو إدمان فرد في الأسرة.
وأقرّت المادة 242 من قانون العقوبات المصري "إذا لم يبلغ الضرب أو الجرح درجة الجسامة المنصوص عليها يعاقب فاعله بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن 10 جنيهات ولا تتجاوز مئتي جنيه مصري، وإن كان صادراً عن سبق وإصرار أو ترصد تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو غرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تتجاوز ثلاثمئة جنيه مصري".