Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يستعين ترمب بأوروبا وروسيا

خطة أوكرانيا احتاجت إلى دعم القارة العجوز وتسويات الشرق الأوسط تطلبت دعم موسكو لموازنة الجنوح الإسرائيلي والمشروع الإيراني

لم يتوقف ترمب طوال الأشهر الماضية عن الحديث عن إنهائه 7 أو 8 حروب (أ ف ب)

ملخص

في المكانين، الشرق الأوسط وأوكرانيا، يمكن لترمب العملي أن يقول في لحظة ما، ربما قريباً، إنه حقق شيئاً لأنه بدّل على نحو عملي في أدوات استراتيجيته "للسلام"، في أوكرانيا يستعين بأوروبا لموازنة التصلب الروسي، وفي الشرق الأوسط يستعين بموسكو لضمان وقف تأثير سلبية السياستين الإسرائيلية والإيرانية في استراتيجية إدارته.

هل بدّل الرئيس الأميركي في أدواته ورؤاه لصنع السلام في العالم الذي لا ينفك عن الحديث حوله، أم أنه يواصل خطابه المألوف عن وقف الحروب بالكلمات والصيغ الرنانة، كما يقول منتقدوه في مناسبة اقتراب نهاية العام الأول من ولايته الرئاسية؟

قبل أيام، اختصرت صحيفة "واشنطن بوست" نتائج السياسات الخارجية الأميركية في الخارج، فرأت أن "ديسمبر (كانون الأول) الجاري لم يكُن رحيماً بجهود ترمب العالمية لإحلال السلام"، واستعرضت مساعي الرئيس الأميركي المشكوك بنتائجها وأعطت نموذجاً العلاقة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تدخل ترمب واتصل برئيسي البلدين مهنئاً بإطلاقهما "عاماً جديداً من الوئام والتعاون"... وعلى رغم ذلك "استمر القتال على أرض الواقع".

ثم تحدثت عن اشتعال العنف على طول الحدود بين تايلاند وكمبوديا، على رغم زعم ترمب أنه حل النزاع بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتناولت الصحيفة أيضاً ما عدته تعثر خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة، إذ إنه حتى الآن لم تُبدِ أية دولة استعداداً لإرسال قوات إلى القوة الدولية المكلفة نزع سلاح حركة "حماس"، فيما أرجأ ترمب الإعلان عن "مجلس السلام" المكلف الإشراف على إعادة إعمار غزة إلى العام المقبل.

وتستنتج "واشنطن بوست" في ختام استعراضها أن ما سمته "النكسات" التي أصابت السياسة الخارجية الأميركية "تظهر أنه في عملية صنع السلام المعقدة، لا يعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار أمام الكاميرات سوى البداية في غالب الأحيان. فتغيير الواقع على الأرض وحث المتحاربين على إلقاء أسلحتهم يتطلبان مستوىً أعلى من المتابعة والالتزام. وهذا درس جدير بالتأمل بينما يسعى ترمب إلى ما سيكون أضخم اتفاق سلام على الإطلاق، اتفاق بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب التي توشك على دخول عامها الرابع".

يبدو تحليل الصحيفة الأميركية مقنعاً في جوانب عدة، وهو لا يبتعد من استنتاجات بدأت الإدارة في واشنطن تحسبها في ختام عام من الهجوم الدبلوماسي الشامل لم تسجل في ختامه خروقاً يعتد بها.

ولم يتوقف ترمب طوال الأشهر الماضية عن الحديث عن إنهائه سبعاً أو ثماني حروب، بعضها لم يقع فعلاً، وأبرزها لم ينتهِ إلى اتفاق سياسي، فالحرب الإسرائيلية التي انضمت إليها الولايات المتحدة ضد إيران توقفت بإعلان ترمب وقفاً للنار لم تعقبه مفاوضات لوضع صيغة لحل سياسي. ونجح الرئيس الأميركي بتهدئة طبول الحرب بين الهند وباكستان، إلا أن الجذور العميقة لاختلال علاقات البلدين بسبب كشمير والارهاب لم تعالج.  ونجحت اتصالات ترمب في تهدئة التوتر بين صربيا وكوسوفو إلا أن أسباب الخلاف لم يتم وأدها نهائياً. أما بين مصر وإثيوبيا، فلا تزال الحاجة ماسة إلى حوار جاد ينهي التأزم الحاصل بين البلدين بسبب سد النهضة الإثيوبي، ولا يكفي قول ترمب إنه أوقف نزاعاً.

ربما تكون الأسابيع الأخيرة أسهمت في تهدئة السياسة الاستعراضية وتداعياتها، فالدخول التفصيلي في المحادثات حول إنهاء الأزمة الأوكرانية- الروسية بمشاركة الروس والأوكرانيين والأوروبيين، قد يجعل التسوية الفعلية أقرب إلى التحقق. وسيأخذ هذا الانضواء في الاعتبار الظروف الواقعية لتطور الأزمة وصولاً إلى انفجار النزاع، وما تخلل ذلك من تطورات بما فيها اتفاق تخلي أوكرانيا عن أسلحتها النووية (1994) ثم اتفاقات مينسك ومطالب موسكو بالمناطق ذات الغالبية السكانية الروسية، فضلاً عن الحفاظ على أوكرانيا كدولة ذات سيادة تتخذ القرارات التي تحفظ وجودها واستقلالها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذه العودة التفصيلية لجذور الصراع هي ما كان ينقص مبادرات ترمب، من دون أن تقلل من رغبته أو تسيء إلى نواياه في صنع السلام. وتبين أنه قادر فعلياً، بما يمثل على رأس الدولة العظمى الأولى، على إحداث تغييرات ملموسة، كما تبين له في الممارسة أن التقدم نحو تسوية مستحيل من دون أوروبا، وهكذا تبلورت خلال الشهر الجاري أفكار واتفاقات بين الأوروبيين والولايات المتحدة حول طبيعة التسوية مع روسيا ومضمون التعهدات الغربية في شأن ضمان أمن أوكرانيا انطلاقاً من المادة الخامسة في نظام حلف الأطلسي التي تنص على أن أي تهديد لأية دولة عضو سيُعد تهديداً للحلف بأكمله.

لقد استعان ترمب بأوروبا لإيجاد توازن في مفاوضاته مع روسيا، وها هو من جهة أخرى يستعين بروسيا والحلفاء العرب لتثبيت رؤيته في الشرق الأوسط، ففي هذه المنطقة واجهت تحركات الرئيس الأميركي واقتراحاته المعضلة نفسها، إذ إن المشكلة الفلسطينية (في بعدها التاريخي الوطني والعربي) ليست نتاج غزوة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 فقط، ولا هي مشكلة "حماس" في غزة مع إسرائيل. إنها أبعد من ذلك بكثير، وجذورها تعود لأكثر من قرن، منذ أن بدأ العمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ثم إن المشكلة تفاقمت مع ذلك الميل التوسعي الثابت للقيادات الصهيونية، ولم تكُن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة عن إسرائيل الكبرى سوى تعبير عن رغبة لا محدودة بالهيمنة على مزيد من الأرض في فلسطين وخارجها حيث تصبح غزة واحتلالها مجرد قطرة في بحر التوسع الإسرائيلي.

كان لا بد لترمب من أن يعيد النظر في خططه حول غزة، وهو لم ينتقل من مشروع الترحيل و"الريفييرا" إلى خطة النقاط الـ20 التي تفتح أفقاً نحو قيام دولة فلسطينية، إلا عندما اصطدم بالوقائع الصلبة على الأرض. ففلسطين ليست "حماس" والموقف العربي المتماسك في رفض النظر إلى القطاع على أنه أرض يجب العمل لإعادة إعمارها فقط، وإنما كجزء ومدخل إلى حل القضية الأكبر، كان عاملاً أساساً في تعديل منهج ترمب وصولاً إلى طرحه خطته الراهنة. ولن يمكن لترمب إن أراد لمهمته النجاح، إلا أن يأخذ الرؤية العربية في الاعتبار، كما لن يمكنه أن ينجح في مشاريعه السلمية الأخرى لمجرد أنه أجرى اتصالات أو أشاد بقادة "رائعين وممتعين". فالنزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلاند يعود لزمن الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على الهند الصينية. وكما في بلدان عدة رحل المستعمر وترك "مسمار جحا" حدودياً. ويختلف البلدان الآن على منطقة ضمت إلى كمبوديا لدى ترسيم الفرنسيين للحدود عام 1907 حين ضموا ثلاثة معابد بوذية إلى كمبوديا تعدها تايلاند ضمن أراضيها، مما تحول لاحقاً في ظل تفاقم مشكلات البلدين الداخلية، إلى عنوان للإثارة القومية تستحثه سلطات البلدين عند الحاجة، ليشكل مشروع حرب مدمرة للشعبين بين وقت وآخر.

يحتاج ترمب إلى توسيع مروحة مشاوراته والاتكاء أكثر إلى حلفاء وربما خصوم تجعلهم المصالح شركاء، ففي أفريقيا سيحتاج إلى الفرنسيين والصينيين، وفي الشرق الأقصى ليست عيون الصين غائبة عن المسرح الكمبودي- التايلاندي، فمنذ مغادرة الولايات المتحدة فيتنام عام 1975، اتجهت كمبوديا نحو الصين، ولم يكُن مفاجئاً أن حليفها بول بوت لجأ لدى الإطاحة به على يد الفيتناميين إلى المنطقة الحدودية بين كمبوديا وتايلاند.

وربما يكون بعض ما يجري اليوم من تفاوض بين سوريا وإسرائيل برعاية روسيا ودعمها، أحد أشكال توسيع الرؤية "الترمبية" للدفع بمبادرات التوافق والسلام. فروسيا تحولت، وهي تفاوض الولايات المتحدة في شأن أوكرانيا، إلى داعم واقعي لرؤية ترمب لمستقبل الشرق الأوسط، وهي منذ اللحظة الأولى أبدت دعمها لمبادرته في غزة.

لقد تمسكت إدارة الرئيس الأميركي بدعمها للرئيس السوري أحمد الشرع وعارضت التغول الإسرائيلي في سوريا ومشاريعه لتفتيت البلاد، ولم تمانع في الوقت عينه تطوير العلاقات بين دمشق وموسكو، وبقيت روسيا في قواعدها السورية وعززتها، وعززت كذلك علاقاتها مع دمشق الجديدة، بموازاة علاقاتها المتينة مع إسرائيل، وها هي تقوم بدور في رعاية مفاوضات سورية -إسرائيلية (آخر حلقاتها في أذربيجان) للتوصل إلى اتفاق أمني عملت الولايات المتحدة طويلاً من أجله.

وتتقدم الرؤية الأميركية للشرق الأوسط بالتناغم مع روسيا وبدعمها على حساب طرفين إقليميين، إيران وبنسبة أقل تركيا من جهة، وعلى تعارض مع حسابات إسرائيل التوراتية من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه تتبلور صيغة تسوية في أوكرانيا، ترضي بوتين إلى حد كبير، ولا تقطع الطريق أمام بقاء أوكرانيا دولة مستقلة بضمانات أميركية ورعاية أوروبية. وفي المكانين، الشرق الأوسط وأوكرانيا، يمكن لترمب العملي أن يقول في لحظة ما، ربما قريباً، إنه حقق شيئاً لأنه بدّل على نحو عملي في أدوات استراتيجيته "للسلام"، ففي أوكرانيا يستعين بأوروبا لموازنة التصلب الروسي، وفي الشرق الأوسط يستعين بموسكو لضمان وقف تأثير سلبية السياستين الإسرائيلية والإيرانية في استراتيجية إدارته.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء