Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الباكس أميركانا"... استراتيجية سلام أم حرب؟

تجاهل أوروبا يشير إلى أن زمن السيادة الأميركية في تراجع وأصوات تحمل ترمب المسؤولية

مستقبل "الباكس أميركانا" لم ينطلق من عند ترمب بل ظهرت بوادره قبل عقد ونصف (أ ف ب)

ملخص

نظرة سريعة على ما جاء في استراتيجية الرئيس ترمب للأمن القومي الحديثة، تقطع بأن أوروبا لم تعد أولوية للسياسات الأميركية، عسكرية أو اقتصادية، بل أكثر من ذلك، إذ إنها تحمل القادة الأوروبيين الحاليين أوزاراً جساماً، بعضها موصول بما أطلقت عليه الاستراتيجية "التماهي مع فكرة الإبادة للحضارة الأوروبية" و"السماح بحدوث الاستبدال الكبير".

هل بدأ زمن ما يعرف بـ"الباكس أميركانا" PAX AMERICANA بإرخاء سدوله بعد عقود من السيادة والريادة؟

في تعليقه على استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأحدث التي صدرت في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس يحذر من أن القارة الأوروبية لم تعُد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة بالطريقة التي اعتمدت عليها في السابق، وأعلن أن "عقود السلام الأميركي انتهت إلى حد كبير بالنسبة إلينا في أوروبا وكذلك بالنسبة إلينا في ألمانيا".

تصريحات ميرتس جاءت أمام مؤتمر حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في ميونيخ، إذ جادل ميرتس بأن "الحنين إلى الماضي لا يفيد هنا"، مضيفاً أن واشنطن الآن "تسعى وراء مصالحها الخاصة بقوة شديدة".

هل هي متناقضات القدر أن ألمانيا التي كانت منطلقاً لإعلان زمن السلام الأميركي عشية سقوط حائط برلين في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1989، هي نفسها التي تنطلق من قلبها رؤية نهاية زمن هذا السلام.

تبدو هناك مفارقة كبرى بين دعوات الرئيس الأميركي رونالد ريغان لنظيره السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، إلى إنهاء زمن الهيمنة الشيوعية على أوروبا الشرقية، بالتالي بسط النفوذ الأميركي كبديل، وبين ما جاء في خطوط وخيوط دونالد ترمب للأمن القومي، ارتكازاً على رؤية جيمس مونرو الخاصة بالنفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، والانسحاب من موقع "أميركا شرطي العالم ودركه" في الحال والاستقبال.

 من أين لنا بداية هذه القراءة المعمقة عن زمن السلام الأميركي؟

من الباكس رومانا إلى الأميركانا

يشير مصطلح "الباكس رومانا" إلى فترة طويلة من السلام والاستقرار النسبيين حدثت في الإمبراطورية الرومانية بين انضمام قيصر أوغسطس، مؤسس الزعامة الرومانية، وموت ماركوس أوريليوس آخر "الأباطرة الصالحين".

خلال هذه الحقبة الزمنية، ساد الهدوء والسكينة في جميع البقاع والأصقاع التي مدت نفوذها إليها، بلغت تلك الحقبة الزمنية نحو 206 أعوام (27 ق م إلى 180 م).

 في ذلك الوقت، حققت الإمبراطورية الرومانية أكبر نطاق إقليمي، ووصل عدد سكانها إلى حد أقصى يصل إلى نحو 70 مليون شخص، أي ثلث سكان العالم في تلك الأيام.

عدت القوة العسكرية للإمبراطورية الرومانية حينها نقطة الارتكاز الرئيسة التي اعتمدت عليها القيادة السياسية الرومانية، لتثبيت دعائم حكمها في مناطق تمتد من جهة سوريا شرقاً، إلى الأناضول شمالاً، وصولاً إلى مصر وليبيا وشمال أفريقيا جنوباً، إلى بلاد الغال غرباً.

لاحقاً، ستعقب هذه الحقبة مرحلة من الانحدار فتتحول "مملكة الذهب إلى واحدة من الحديد والصدأ".

متى اقتُبس المصطلح لينسحب على الولايات المتحدة الأميركية؟

ظهر مصطلح "الباكس أميركانا" أو PAX AMERICANA للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية التي قضت فيها الولايات المتحدة على أكبر انقساماتها وأظهرت قدراتها على حشد ملايين الجنود المجهزين تجهيزاً جيداً باستخدام التكتيكات الحديثة.

 

يعود أصل المفهوم لألكسيس دو توكفيل، المفكر الفرنسي الشهير، وأول من كتب باهتمام عن الولايات المتحدة في كتابه الشهير "الديمقراطية في أميركا" الذي أكد أن الولايات المتحدة الأميركية التي كانت آنذاك في الـ50 من عمرها، تحتل مكانة خاصة بين الأمم لأنها بلد للمهاجرين وأول ديمقراطية حديثة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أدركت الولايات المتحدة أنها خرجت من الحرب ببنية تحتية محلية سليمة تقريباً وقواتها العسكرية في قوة غير مسبوقة، وساعتها أقر المسؤولون العسكريون بأن الهيمنة الأميركية "باكس أميركانا" كانت تعتمد على القوة الجوية الأميركية الفاعلة، تماماً كما كانت القوة البحرية أداة الهيمنة البريطانية أو "الباكس بريتانيكا" قبل قرن من الزمان.

وعارض الرئيس الأميركي جون كينيدي مصطلح "الباكس أميركانا" بصورة صريحة خلال الستينيات، بحجة أن الكتلة السوفياتية تتكون بدورها من بشر لديهم الأهداف الفردية نفسها للأميركيين، وأن مثل هذا السلام القائم على الأسلحة الأميركية للحرب غير مرغوب فيه.

ومع سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات وظهور مصطلح النظام العالمي الجديد، الأحادي القطب، باتت فكرة "السلام الأميركي" المكافئ الموضوعي للسلام الروماني وباقتدار، بل ربما بتمايز وتفوق واضحين.

وعلى النقيض من الإمبراطوريات السابقة، يتميز نطاق النفوذ العالمي الأميركي وانتشاره، ربما حتى نهاية إدارة جو بادين، بفرادته، فالولايات المتحدة لا تسيطر فقط على جميع محيطات العالم، بل إن جيوشها العسكرية متمركزة بقوة على أطراف أوراسيا الغربية والشرقية. وتنتشر الدول التابعة لها التي يتوق بعضها إلى مزيد من الروابط الرسمية مع واشنطن في جميع أنحاء القارة الأوراسية. وتستند الهيمنة الأميركية العالمية إلى نظام معقد من التحالفات والائتلافات التي تمتد عبر العالم حرفياً.

هل حانت لحظة غروب شمس "الباكس أميركانا"؟ ولماذا تبدو أوروبا النقطة المحورية في تراجع زمن هذا السلام كما يتبدى من استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة؟

أوروبا والسلام الأميركي التاريخي

من دون الإغراق في التاريخ، يمكن القطع بأن زمن السلام الأميركي الحقيقي، استعلن، حرباً وسلماً في منتصف أربعينيات القرن الماضي في القلب من أوروبا، تارة بعد الانتصار العسكري الكبير للحلفاء هناك، وتارة أخرى بعد مشروع "مارشال" الاقتصادي الهائل الذي استنقذ أوروبا بعد الدمار الكبير الذي حل بها جراء الحرب العالمية الثانية.

لكن نظرة سريعة على ما جاء في استراتيجية الرئيس ترمب للأمن القومي الحديثة، تقطع بأن أوروبا لم تعُد أولوية للسياسات الأميركية، عسكرية أو اقتصادية، بل أكثر من ذلك، إذ إنها تحمل القادة الأوروبيين الحاليين أوزاراً جساماً، بعضها موصول بما أطلقت عليه الاستراتيجية "التماهي مع فكرة الإبادة للحضارة الأوروبية" و"السماح بحدوث الاستبدال الكبير"، فيما بعضها الآخر يلقي بتبعات استمرار الحرب الروسية- الأوكرانية، على سياسيي أوروبا الحاليين، وما يقومون به من تشجيع خفي لنظام زيلينسكي، حتى يظل على مقاومته لبوتين.

هل كانت هذه المنطلقات السبب الرئيس وراء الثورة المكتومة للمستشار الألماني ميرتس؟

في رده على الصحافيين الذين تساءلوا عن رؤية ميرتس لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، وتأثيراتها الجيوسياسية في العلاقات عبر الأطلسية، قال إن "بعضها مفهوم، وبعضها الآخر غير مقبول بالنسبة إلينا من منظور أوروبي".

 وأضاف "لا أرى أي داعٍ لأن يرغب الأميركيون الآن في إنقاذ الديمقراطية في أوروبا. إذا كان الأمر يتطلب إنقاذها، فسنتدبر أمرنا بأنفسنا".

وفي تحليله لتصريحات المستشار الألماني على قناة "تي في وورلد" TV WORLD قال البروفيسور أوين مايكل ماكنمارا من المعهد الفنلندي للشؤون الدولية إن تصريحات ميرتس تعكس مشكلة أوروبية أعمق، وأضاف "عندما نتحدث عن غياب القيادة الألمانية، فإننا نتحدث عن غياب الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية".

 

هل ستكون نهاية زمن السلام الأميركي من الداخل الألماني، وبداية من عند الشق العسكري؟

الشاهد أن تعليقات ميرتس على استراتيجية ترمب الجيوسياسية الجديدة، جاءت خلال زيارة إلى ولاية راينلاند بالاتينات الألمانية، حيث تتمركز معظم القوات الأميركية البالغ عددها نحو 35 ألف جندي في ألمانيا.

هناك قال ميرتس إنه لم يتفاجأ من النبرة العامة للوثيقة، بل شعر بتعزيز تقييمه بأن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى أن يصبح أكثر استقلالية عن واشنطن في ما يتعلق بالأمن والدفاع.

تالياً جاءت إضافة مهمة ولها معانيها من ميرتس التي تعمق بالفعل من فكرة نهاية السلام الأميركي، ولا سيما في ظل الشعار الذي رفعه ترمب لولايته أي "أميركا أولاً" و"جعل أميركا عظيمة ثانية"، حتى لو كان ذلك يعني الاختصام من التحالفات السابقة.

قال ميرتس "أقول في نقاشاتي مع الأميركيين ’شعار أميركا أولاً‘ جيد، لكن شعار أميركا وحدها ليس في مصلحتكم. أنتم بحاجة أيضاً إلى شركاء في العالم. قد تكون أوروبا أحد هؤلاء الشركاء. وإذا لم تتمكنوا من التعاون مع أوروبا، ففي الأقل اجعلوا ألمانيا شريككم".

من هنا تبدو علامة الاستفهام التالية مطروحة على موائد النقاشات العالمية والأميركية على حد سواء "هل الولايات تبتعد بالفعل من دورها كقوة عالمية وحيدة داعمة للنظام الدولي، ولا سيما في ظل فكرة تركيز جهودها على نصف الكرة الغربي، مما يلقي بأعباء أكبر على أوروبا للحفاظ على استقرارها وأمنها من جهة، ويفتح الباب للقوى الآسيوية التقليدية كروسيا والصين للقيام بدور أكبر وربما أخطر في إعادة تشكيل العالم، عطفاً على خلق حال من الفوضى في منطقة الإندوباسيفيك، وترك القارة الأفريقية لتضحى ملعباً جدياً للصراعات الأممية؟

السلام الأميركي جدل قبل ترمب

قد لا يبدو من الصواب بمكان اعتبار أن حديث "مستقبل الباكس أميركانا" انطلق من عند ترمب، أو استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، ذلك أن الحقيقة الأقرب إلى التصديق تقطع بأنه جدل ظهرت بوادره قبل نحو عقد ونصف من الزمن.

وبشيء من الحفر التاريخي، نجد أن نقطة البداية في واقع الشأن الإمبراطوري الأميركي المعاصر، أو السلام الأميركي الذي نحن في صدده، تعود للتوجه الرئاسي الأميركي رقم 68 لعام 1950، وهو توجيه صاغه الخبير الاستراتيجي الأشهر بول نيتزي وقدمه وزير الخارجية الأميركي دين أتشيسون إلى رئيسه هاري ترومان، طالباً توقيعه واعتماده.

أما نص هذا التوجيه، فيقول إن الهدف الاستراتيجي لسياسة الولايات المتحدة يتحدد في تدمير الاتحاد السوفياتي وتحقيق تفوق عسكري أميركي كامل عليه.

تالياً ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، كانت جماعة أخرى تعمل بدءاً من عام 1997 على صياغة توجيه إمبراطوري جديد عبر لجنة خاصة ترأسها في ذلك الوقت ريتشارد بيرل الذي عرف بأمير الظلام، وشغل منصب مدير الخطط الاستراتيجية لمجلس الدفاع القومي خلال إدارة جورج بوش الابن الأولى.

وهذه اللجنة طبقاً لتحقيق قام به أحد أشهر الصحافيين الأميركيين وأكثرهم كفاءة روبرت نوفاك، أجملت رؤاها في النص الآتي "إن الولايات المتحدة الأميركية بعدما توصلت إلى تحقيق هدفها المطلوب بالتوجيه الرئاسي رقم 68 لعام 1950، على امتداد 40 عاماً من الحرب الباردة ووصلت إلى تفوق اقتصادي وعسكري غالب عليها، عند هذا المفصل التاريخي، عليها أن تضع وتنفذ السياسات الكفيلة بضمان استمرار القوة الأميركية غالبة، فتظل إرادتها غير قابلة للتحدي ودورها غير قابل للمنافسة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن أحداثاً بعينها، ومن عند روايات أساطين من اليمينيين الأميركيين، قد استشرفوا أن بدايات نهايات زمن "السلام الأميركي"، جرت بها المقادير في أواخر العقد الأول من القرن الـ21... ماذا عن ذلك؟

كان أول الأصوات وقتها موصولاً بأحد أهم منظري السياسات الخارجية الأميركية ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك وقتها، المركز الذي يمثل العقل المفكر للبيت الأبيض.

وعبر مجلة "فورين أفيرز" كتب هاس عام 2008 مقالة مطولة تحت عنوان "عصر اللاأقطاب"، وأكد أن السمة الرئيسة لعلاقات القرن الـ21 الدولية تتحول لتصبح لا قطبية، أي عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان، ولا دول، وإنما عشرات الفاعلين الذين يملكون ويمارسون أنواعاً مختلفة من القوة، مما يمثل تحولاً بنيوياً عن الماضي.

في الفترة نفسها، كتب القطب اليميني الأميركي الأشهر روبرت كاغان بتاريخ الـ11 من أغسطس (آب) عام 2008 عبر صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية ذائعة الصيت، أن "المؤرخين سيخلصون لاعتبار الـثامن من أغسطس 2008 نقطة تحول لا تقل أهمية عن الـتاسع من نوفمبر 1989 أي ليلة سقوط حائط برلين"، والحجة عنده أن الهجوم الروسي على سيادة الأراضي الجورجية شكل بداية العودة الرسمية للتاريخ على خلاف ما قاله فرنسيس فوكوياما من الوصول إلى نهاية التاريخ بعد 1989.

ما الذي جرى داخل كواليس السياسات الأميركية خلال العقدين اللاحقين؟

استراتيجية ترمب بين مونرو وكوينسي

ليس سراً، ولا انتقاصاً من الرئيس الأميركي القول إن الرجل لم تكُن له يوماً علاقة بالعمل السياسي، ولا بالتنظير الفكري المعمق.

لا بأس، فالقاصي والداني يعرف أن هناك دولة أميركية عميقة تدير دفة السياسات الخارجية، عطفاً على مراكز بحثية معمقة، غالباً لها اليد العليا في رسم خطوط الطول والعرض لرؤى أميركا الخارجية بنوع خاص.

وفي أعقاب صدور استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة، ارتفعت الأصوات عالية مذكرة بـ"مبدأ مونرو".

وهو سياسة خارجية أميركية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، تنص على أن الأميركتين (نصف الكرة الغربي) مغلقتان أمام الاستعمار الأوروبي المستقبلي، وأن أي تدخل أوروبي فيهما سيعد عدواناً ضد الولايات المتحدة، في المقابل تعهدت أميركا بعدم التدخل في شؤون أوروبا الداخلية، مؤسساً بذلك مبدأ فصل "العالم القديم" (أوروبا) عن "العالم الجديد" (الأميركتين) وتقييد النفوذ الأوروبي وتأكيد هيمنة واشنطن في نصف الكرة الغربي.

ولم تكُن هذه بنات أفكار مونرو نفسه في واقع الأمر، بل خلاصة أفكار وزير خارجية سابق هو كوينسي آدمز.

ويقول كوينسي آدامز "أينما كانت راية الحرية والاستقلال مرفوعة أو سوف تكون، كذلك سيكون هناك قلب أميركا وبركاتها وصلواتها. لكنها لن تذهب إلى الخارج بحثاً عن الوحوش كي تدمرهم. إنها تتمنى الخير والحرية والاستقلال للجميع. إنها نصيرة نفسها المدافعة عن نفسها، فقط سوف تدعم القضية العامة برزانة صوتها وتعاطفها وهي تعرف جيداً أنها حين تنضوي تحت شعارات غير شعاراتها حتى لو كانت شعارات الاستقلال عن الأجنبي، فسوف تورط نفسها بما يتجاوز قوة الخروج من المأزق في كل حروب المصالح والمكائد والجشع الفردي والحسد والطموح التي تفترض ألوان معايير الحرية وتغتصبها. قد تصبح ديكتاتور العالم ولن تكون بعد ذلك حاكم روحها".

فهل كان كوينسي يستقرئ مستقبل ترمب وتوجهاته؟

الجواب نجده عند إيفو دالدر، السفير الأميركي السابق لدى "الناتو"، وهو الرئيس التنفيذي لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية ومقدم البودكاست الأسبوعي "مراجعة العالم مع إيفو دالدر"، ويكتب عمود "عبر المحيط" في موقع مجلة "بوليتيكو" الشهيرة.

 

فبعد ساعات من فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، قال "عندما تنصب الولايات المتحدة دونالد جي ترمب رئيساً لها، ستصبح أميركا والعالم مختلفين".

وكانت قراءة دالدر استشرافاً باكراً لتوجهات ترمب الماضية في إثر مونرو وكوينسي والتي تخالف من سبقوه من رؤساء أميركا.

وكتب "منذ عام 1945، بني العالم كما نعرفه اليوم إلى حد كبير على فكرة القيادة الأميركية، سلام أميركي، سعي إلى ردع الأعداء وطمأنة الأصدقاء، وبناء الازدهار من خلال فتح الأسواق وتشجيع حرية حركة السلع ورؤوس الأموال والأفراد والأفكار، ودعم الحرية والديمقراطية وسيادة القانون. وأدت هذه القيادة العالمية إلى ظهور حلف شمال الأطلسي وتحالفات أخرى، وساعدت في إعادة بناء أوروبا وآسيا بعد الحرب، وفتحت التجارة من خلال الاتفاقات العامة للتعريفات والتجارة ومنظمة التجارة العالمية".

لكن، والكلام لدالدر، "لا يهتم ترمب بالحفاظ على الهيمنة الأميركية بالطريقة نفسها التي اتبعها أسلافه الـ14. كثيراً ما نظر إلى التحالفات على أنها عمليات ابتزاز، فتُقاس قيمة الشراكة بالنسبة إلى الولايات المتحدة بما تحصل عليه من أرباح، لا بما توفره من سلام وأمن. وهو لا يؤمن بالتجارة أو الأسواق المفتوحة، بل يفضل فرض رسوم جمركية باهظة على الواردات الأميركية، تصل إلى مستويات لم نشهدها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حتى إن كان جميع الاقتصاديين يعتقدون بأن ذلك سيؤدي إلى كارثة اقتصادية".

وخلاصة قول دالدر إن عهد السلام الأميركي سينتهي رسمياً في الـ20  من يناير (كانون الأول) عام 2025، عندما يجد ترمب طريقه كرئيس للبلاد من جديد.

هل تظهر الاستراتيجية الأخيرة بالفعل ملامح نهايات "الباكس أميركانا"؟

في ملامح تفكك ركائز السلام الأميركي

تحتاج قراءة استراتيجية الأمن القومي الأخيرة وتقاطعاتها مع فكرة اضمحلال زمن السلام الأميركي، إلى رؤية نقدية معمقة قائمة بذاتها، لكن باختصار غير مخلّ يمكن القطع بأنها توجه ضربات عميقة لركائز السلام الأميركي التقليدي والمتعارف عليه خلال العقود الثمانية الماضية، وفي مقدمته الصدقية العسكرية والانفتاح الاقتصادي والقيم الديمقراطية والدعم المطلق للحلفاء ومفارقة روح الانعزالية.

هذه جميعها، والعهدة على البروفيسور ماركو أوفرهاوس، زميل سالزبورغ العالمي، تتوافر وبكثرة في ما قدمه ترمب إلى العالم، مما يعزز القول إن تزايد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة وتحولات القوى العالمية، كلها أمور تقوض دور أميركا كضامن أمني موثوق به لأوروبا خصوصاً، ولأي حليف آخر حول العالم عامة.

وضمن مؤلفه "الأخ الأكبر رحل: أوروبا ونهاية السلام الأميركي"، المنشور عبر دار "فرانكفورتر الجماينه بوخ" باللغة الألمانية في أبريل (نيسان) الماضي، يقول أوفرهاوس إن "السلام الأميركي لا يقوم على القوة العسكرية والاقتصادية وحسب، بل على ممارسة محددة للقوة الأميركية تسهم في الأمن الدولي. قوة عسكرية متأصلة في هياكل التحالفات، مدعومة بانفتاح اقتصادي وقيم ليبرالية ديمقراطية. وقد شكل هذا الفهم للقوة الأميركية أساس ’الناتو‘".

وبحسب أوفرهاوس، تتآكل أركان "السلام الأميركي" الثلاثة، العسكرية والاقتصادية والمعيارية، منذ أعوام، ربما منذ عقود، أما في ظل إدارة ترمب الثانية، فقد تنهار هذه الأركان نهائياً.

 

وبشيء من التحليل المعمق، فإنه على صعيد القيادة العسكرية، تراجعت صدقية الضمانات الأميركية ضمن منظومة تحالفاتها الواسعة. وأحد أسباب ذلك يكمن في السياسة الداخلية الأميركية، إذ جعل الاستقطاب السياسي الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين من واشنطن شريكاً أكثر صعوبة وغموضاً. كما أن نهج ترمب النفعي في التحالفات زاد من تآكل صدقية أميركا الدولية. وسبب آخر يكمن في تحولات موازين القوى الدولية، ولا سيما تعزيز الصين لقدراتها العسكرية. ومع ذلك، وجدت دول أخرى مثل روسيا وكوريا الشمالية سبلاً لتقويض صدقية القوة العسكرية الأميركية.

ماذا عن البعد المالي والاقتصادي؟

من الناحية الاقتصادية، استند مفهوم "السلام الأميركي" إلى فكرة أن انفتاح أميركا الاقتصادي كان ضرورياً، ليس فقط لاستقرار النظام الاقتصادي الدولي، بل لتعزيز السلام أيضاً. وبعد عام 1945، تراجعت النزعات والسياسات الحمائية في الولايات المتحدة ونسب الفضل إلى واشنطن في تعزيز التجارة الحرة، وعلى رغم أن الحمائية لم تغِب تماماً وأن القيادة الاقتصادية الأميركية تراجعت خلال سبعينيات القرن الماضي مع انهيار نظام "بريتون وودز"، فإن النموذج السائد في واشنطن ظل قائماً على أن الانفتاح على السلع ورأس المال والتكنولوجيا والعمالة مفيد للجميع. ومع ذلك، مثلت إدارة ترمب الأولى (2017- 2021) نقطة تحول، إذ بات ينظر إلى الانفتاح الاقتصادي بصورة متزايدة على أنه عبء وخطر على الأمن القومي. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا النموذج الجيو-اقتصادي، مهيمناً خلال إدارتي بايدن وترمب الثانية.

هنا يطفو التساؤل إذا كانت العلاقات الأميركية- الأوروبية التي مثلت العمود الفقري لاستراتيجية السلام الأميركي تأفل رويداً رويداً إلى أن تضمحل، فما الذي يبقى من زمن السلام الأميركي؟

سيناريوهات ما بعد السلام الأميركي

يجمع كثر من المراقبين على أن إنشاء قيادة نصف الكرة الغربي للجيش الأميركي، أي عملية دمج قيادتي الجيش الشمالية والجنوبية، وهي عملية إعادة تنظيم أوسع نطاقاً يجريها "البنتاغون" خلال عهد ترمب، هي إشارة مؤكدة تفيد بحال من الانسحاب القتالي من ميادين عدة حول العالم، أي تأكيد فكرة نهاية السلام الأميركي الذي تميز باستقرار نسبي في العلاقات الدولية وتوسع التجارة العالمية وازدهار غير مسبوق وغياب صراع القوى العظمى.

من هنا يطفو على سطح الأحداث التساؤل الجوهري التالي ما هي السيناريوهات المتوقعة، حال غياب شرطي العالم ودركه؟

يقول الراوي إنه مع وجود الولايات المتحدة وهيمنتها كان بعضهم يئن من غطرسة قوتها، وإمبريالية توجهاتها، ولا سيما العسكرية.

لكن على الجانب الآخر، يبدو العالم من غير الحضور الأميركي، معرضاً لكثير من فقدان التوازن، وربما نشوء وارتقاء صراعات كان وجود واشنطن القوي يقطع الطريق عليها.

وعلى سبيل المثال، تشير المطالب الأخيرة لترمب، كمحاولة شراء غرينلاند من الدنمارك رغماً عنها والتهديد بفرض تعريفات جمركية عقابية على الحلفاء والجيران وإجبار أوكرانيا على التخلي عن ثرواتها المعدنية مقابل استمرار الدعم الأميركي، إلى تحول جذري، فيه تتخلى أميركا عن دورها كقائدة للنظام لمصلحة أن تصبح مجرد قوة عظمى أخرى تسعى إلى تحقيق مصالحها الذاتية.

هل ستكون العواقب وخيمة وواسعة النطاق؟

حكماً ستضعف الضمانات الأمنية التي حالت دون نشوب نزاعات مسلحة، فعلى مدى عقود، كان المعتدون المحتملون يترددون في مهاجمة حلفاء أميركا خشية أن يؤدي ذلك إلى تدخل واشنطن. ومع تآكل هذه الصدقية، ستسعى القوى الانتهازية إلى اختبار الحدود، وقد تواجه تايوان خطراً أكبر بالغزو الصيني، كما أن دول البلطيق وغيرها من الدول المتاخمة لروسيا ستصبح عرضة لأخطار أكبر.

أما الطامة الكبرى، فتتمحور حول الدول الصغيرة التي يمكن أن تضحى بصورة متزايدة بيادق في صراعات القوى العظمى.

خلال فترة الهيمنة الأميركية، كان بإمكان الدول الصغيرة إدارة علاقاتها الدولية باستقلالية معقولة، محمية بمعايير دولية مدعومة من الولايات المتحدة. أما في ظل نظام متعدد الأقطاب الناشئ، فستواجه هذه الدول ضغوطاً من قوى إقليمية تسعى إلى ترسيخ نفوذها.

هل هناك جزئية أخرى تجعل عالمنا المعاصر في خطر داهم؟

بالقطع سيتفاقم اختلال موازين القوى بين الدول النووية وغير النووية وسيصبح أكثر خطورة، فخلال فترة "السلام الأميركي" وفرت المظلة النووية الأميركية الحماية للحلفاء، مما قلل من دوافع انتشار الأسلحة النووية، ومع تراجع موثوقية هذه الحماية ستواجه الدول خياراً صعباً، إما تطوير أسلحة نووية أو قبول الضعف.

ومن المرجح أن تكون النتيجة سلسلة من الانتشار النووي، مما يزيد من أخطار سوء التقدير والحوادث وسباق التسلح الإقليمي.

هل يعني عالم من غير السلام الأميركي عالماً أكثر وعورة وخطورة؟

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات