Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ساهم ميخائيل غورباتشوف في وصول الصين إلى ما هي عليه الآن؟

نظرت بكين باستياء إلى الليبرالية والتحرر وتعهدت بعدم تكرار الخطأ

غورباتشوف مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، بكين 1989 (غيتي / أ ف ب)

كان لغورباتشوف تأثيراً ثورياً عالمياً ولا تزال تداعيات ما قام به محسوسة إلى يومنا هذا، وقد قيل كثير عن دوره في إصلاح روسيا وإنهاء الشيوعية وتحرير أوروبا الشرقية والوسطى وإنهاء الحرب الباردة، كما أنه صنف إلى جانب نيلسون مانديلا كأحد أبطال التغيير السلمي في العالم.

بيد أن الحديث عن غورباتشوف قلما تطرق إلى كيفية تأثيره في القوة العظمى "الشيوعية" الأخرى جمهورية الصين الشعبية، فهناك (في الصين) لم يكن ينظر إلى غورباتشوف باعتباره بطلاً علمانياً أو ما شابه بل كامرئ طائش أو حتى أحمق. ففيما كان يتابع حكام بكين الارتدادات الداخلية لـ "البيريسترويكا" و"الغلاسنوست" وما تبعهما من انفراط فوضوي للاتحاد السوفياتي، قاموا حينها بالتوصل إلى استنتاجهم الخاص تجاه منهج التطور الذي اعتمده غورباتشوف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق إنه لأمر مؤثر أن تكون تظاهرات وأحداث ساحة تيانانمن عام 1989 مستلهمة إلى حد ما من سياسات غورباتشوف ومن حركات التحرر التي راحت تظهر آنذاك داخل الكتلة الشيوعية الشرقية، ومما لا شك فيه فإن أحد الأسباب التي تفسر سبب إصرار دينغ شياو بينغ ورفاقه أعضاء المكتب السياسي (للحزب الشيوعي الصيني) على إخراج الطلاب والفنانين والعمال من الساحة تتمثل في قرب قدوم غورباتشوف وبخشيتهم من استفحال الاضطرابات وفقدانهم ماء الوجه.

على نقيض غورباتشوف الذي كان محجماً إلى حد ما عن إراقة الدماء، لم يشعر دينغ بأي وازع تجاه سحق المتمردين (في تيانانمن) بأقسى الأساليب، إذ تبقى صورة ذلك الطالب الصيني غير المسلح وهو واقف أمام دبابة محاولاً منع تقدمها واحدة من أكثر صور القرن الـ20 رسوخاً وديمومة في أذهان الناس، وقد جرى بالفعل آنذاك إفراغ الساحة، أما غورباتشوف الذي كان يتابع الأحداث فصرح للمحيطين به "لا أريد من [الساحة الحمراء] أن تبدو مثل ساحة تيانانمن".

من جهتها خلصت بكين إلى أن غورباتشوف قد "وضع العربة أمام الحصان"، ولهذا قام الحزب الشيوعي الصيني ببطء وأناة بتطبيق إصلاحاته الخاصة باشتراكية الدولة قبل قرابة عقد من تمكن غورباتشوف من تحقيق أي تقدم في مسار فتح اقتصاد الاتحاد السوفياتي الموجه.

جرب الصينيون بداية "مناطق المشاريع الخاصة" (special enterprise zones) كتلك التي في شينزين إلى جوار هونغ كونغ المدينة الرأسمالية الحرة، ومن ثم قاموا وعلى نحو حريص وحذر بدعوة الشركات الغربية إلى الاستثمار في الصين، بالتالي قاموا باستيراد تكنولوجياتها (تكنولوجيات الشركات الغربية) وبتدريب العمال الصينيين، لكنهم قيدوا مشاركتهم وحريتهم في العمل عبر ما يسمى "المشاريع المشتركة" (أو المؤسسات المشتركة joint ventures) التي احتفظت الدولة الصينية من خلالها بقدرتها على السيطرة والتحكم.

وفوق كل هذا قام الصينيون بإجراء تغيير اقتصادي من دون إصلاح سياسي، وقد حرص الحزب الشيوعي الصيني على أن تبقى سلامة أراضي البلاد وطموحات الاتحاد مع ماكاو وهونغ كونغ وتايوان بمنأى عن التضحية بأي من مصالح الصين الاقتصادية والمالية والتجارية. كانت الصين تجري إصلاحات باقتصادها كي تغدو مصنع العالم وقوة اقتصادية عظمى، وذلك بغية تقوية موقف الحزب الشيوعي الصيني داخلياً وخارجياً. وقد تابعت الصين باستياء وقائع انفراط الاتحاد السوفياتي الذي كان قوة نووية عظمى يفترض أنها توازي قوة الولايات المتحدة.

 

ثم سرعان ما تهاوى الاقتصاد الروسي إذ لم تساهم سنوات "الشرق المتوحش" [بعد استقالة ميخائيل غورباتشوف عام 1991 ونقل السلطة إلى بوريس يلتسين، تم تسمية أسلوب حكم يلتسين المترنح برئاسة "الشرق المتوحش"] تحت حكم بوريس يلتسين إلا في بلورة الإصرار الصيني على تجنب أخطاء غورباتشوف، فالصين ستغدو رأسمالية لكنها ستعاند أمثال مارغريت تاتشر الذين اعتبروا أن الحرية الاقتصادية وقوى السوق لا يمكنها العمل إلا في أجواء من الحرية السياسية. الحرية الاقتصادية والحرية السياسية في الصين لم تتضافرا، كما يمكن أن يشهد في الحال "الهونغكونغيون" (أبناء هونغ كونغ) ومسلمو الأويغور و"التيبتيون" (أبناء إقليم التيبت).

من كان على حق؟ دينغ شياو بينغ أو غورباتشوف؟ من الناحية الاقتصادية لا يمكن المقارنة، فالصين التي تسمح بتقلبات أسعار الصرف (صرف العملة) هي أكبر اقتصاد على الكوكب، وقوة صناعية مرموقة، وأمة تجارية ذات عضلات مالية هائلة، أما الاقتصاد الروسي وحتى قبل شله بالعقوبات فهو يوازي بالحجم اقتصاد بلجيكا.

لقد شيدت الصين شبكة عالمية للتأثير الاقتصادي تمتد من باربادوس إلى أفغانستان وصولاً إلى نيوزيلندا، إذ تعد "مبادرة الحزام والطريق" (Belt and Road Initiative) أضخم مشروع نيوكولونيالي في التاريخ، أما فلاديمير بوتين في المقابل فينتهج سياسة إمبريالية عتيقة من القرن الـ19 تقوم على احتلال الأراضي ولن يكون لها في أحسن الأحوال نتائج معروفة.

لقد كانت هاتان القوتان (الصينية والروسية) على الدوام قوتين متنافستين، وماو تسي تونغ استاء من استخفاف "معلميه" الروس به حين اعتبروه الشريك الأصغر في الحركة الاشتراكية الأممية، والخلاف الصيني – السوفياتي سنة 1961 كان تنافساً جغرافياً بقدر ما كان سجالاً ومواقف إعادة نظر حول الستالينية (امتنع الصينيون عن شجب الوحش العجوز [ستالين]، رافضين اتباع النموذج الذي وضعه نيكيتا خروتشيف).

وقد مضى كل من هذين البلدين على نحو يكاد يكون تلقائياً في طريقين منفصلين، بيد أن روسيا وفق هذا المنظور البعيد المدى هي التي تخسر القوة والتأثير، بسياق التراجع الذي سرعت به سياسات غورباتشوف. اليوم روسيا بوتين هي التي تحتاج إلى صين شي جين بينغ وليس العكس، وذلك في أقل تقدير لتجنب الذل في أوكرانيا، وذاك على الأرجح لا يمثل الخاتمة التي رغب فيها غورباتشوف.      

© The Independent

المزيد من سياسة