ملخص
الثقة في أميركا كانت قد اهتزت بالشكل الذي يصعب معه استعادتها تماماً، فلم يعد سعر صرف الدولار إلى ما كان عليه، وما زال منخفضاً حتى الآن، وأصبح المستثمرون الأجانب أكثر حرصاً على "التحوّط" تجاه أخطار العملة الأميركية، كذلك المستثمرون سيتذكرون، في أي أزمة مقبلة، أن سندات الخزانة لم تعد ملاذاً آمناً لاستثماراتهم بعد ما حدث لها في الربيع.
يلخّص أغلب المحللين والمعلقين الاقتصاديين العام الذي يوشك على الانتهاء بكلمة واحدة: "فقاعة الذكاء الاصطناعي"، ومع ذلك، تنهي الأسواق في أغلب مناطق العالم عام 2025 على ارتفاع كبير للعام الثالث على التوالي.
يرجع ذلك إلى استمرار ثقة المستثمرين في تحقيق الأرباح، خصوصاً مع فورة الذكاء الاصطناعي، أيضاً أن بدء خفض أسعار الفائدة أدى إلى أن يصبح اقتراض الشركات من الأسواق الأقل كلفة، ربما منذ تسعينيات القرن الماضي.
كل تلك التطورات الإيجابية لا تعني أن العام كان "سلساً اقتصادياً"، إذ شهد تقلبات كان بعضها خطِراً أيضاً. على سبيل المثال، كادت الأسواق تنهار تماماً في أبريل (نيسان) 2025 مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض التعريفة الجمركية على جميع الشركاء التجاريين، قبل أن يتراجع ويؤجلها ثلاثة أشهر.
وشهد العام أيضاً تذبذبات كبيرة أحياناً في أسعار العملات المشفّرة والأصول الرقمية عموماً، إضافة إلى اضطرابات أسعار الطاقة.
ضمن ملفات نهاية العام، نشرت مجلة "إيكونوميست" موضوعاً موسعاً، مدعوماً بالرسوم البيانية والجداول، عن أكبر خمسة تطورات خلال العام المنصرم، وإن كان البعض قد يختلف على تطور أو أكثر منها بوصفه من بين الأهم، فإنها في مجملها شكّلت بالفعل ملامح العام اقتصادياً ومالياً.
وفي ما يلي ملخص لتلك التطورات:
اهتزاز الثقة في أميركا
مطلع أبريل 2025 شهدت الأسواق الأميركية حالة أقرب إلى "أزمة دولة نامية"، بعدما أعلن الرئيس ترمب فرض تعريفة جمركية على العالم كله، فانهارت أسعار الأسهم، ومع قلق المستثمرين بشأن سندات الدين الحكومي، بدأوا في بيع ما لديهم من سندات بكثافة، هوت أسعار السندات، وبالتالي ارتفع معدل العائد عليها.
ومع أن ذلك، نظرياً، كان يُفترض أن يعني دعم قوة الدولار، فإن سعر صرف الدولار هبط أيضاً مع تخلّص المستثمرين من العملة الأميركية، وما إن أعلن ترمب إلغاء بعض التعريفات الجمركية وتأجيل أخرى حتى شعر المستثمرون أن البيت الأبيض ليس حاسماً تماماً، وأنه يمكن للسوق أن يفرض قواعده، واستقرت أسعار سندات الخزانة وسعر صرف الدولار، وعادت أسواق الأسهم إلى مسار الارتفاع.
إلا أن الثقة في أميركا كانت قد اهتزت بالشكل الذي يصعب معه استعادتها تماماً، فلم يعد سعر صرف الدولار إلى ما كان عليه، وما زال منخفضاً حتى الآن، وأصبح المستثمرون الأجانب أكثر حرصاً على "التحوّط" تجاه أخطار العملة الأميركية، كذلك المستثمرون سيتذكرون، في أي أزمة مقبلة، أن سندات الخزانة لم تعد ملاذاً آمناً لاستثماراتهم بعد ما حدث لها في الربيع.
تبادل مواقع الأسواق القائدة والمتراجعة
إلى ذلك، بدأت أسواق الأسهم الأميركية عام 2025 في وضع يُحسدها عليه بقية العالم، إذ كانت قد ارتفعت بنسبة 26 في المئة عام 2023، وبنسبة 23 في المئة عام 2024، مقابل ارتفاع الأسهم في بقية الأسواق المتقدمة بنسبة 14 في المئة عام 2023 وبنسبة 2 في المئة فحسب عام 2024.
وعلى رغم استمرار الأسواق الأميركية في الارتفاع، في المتوسط بالنسبة إلى العام، فإنها لم تكن القائدة في هذا المنحى، وربما يفسر ضعف قيمة الدولار جزئياً هذا الوضع، لكن ذلك ليس كل شيء، فالأسواق الأوروبية شهدت تحسناً كبيراً مع خطط ألمانيا لتحفيز اقتصادها وزيادة الإنفاق الدفاعي في القارة الأوروبية.
حتى داخل أوروبا، تبادلت الأسواق المواقع، فأسواق الدول التي كانت "على الهامش" شهدت أداء أفضل من الدول الكبرى المركزية، فمن أفضل أسواق أوروبا أداء في 2025 بورصات اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، وكان أداء القطاع المصرفي في تلك البلدان قد تحسن كثيراً عن وضعه المتردي سابقاً.
للمرة الأولى منذ سنوات، كان أداء الأسهم المسجلة في الاقتصادات الصاعدة أفضل من تلك المسجلة في الاقتصادات المتقدمة، فعلى سبيل المثال، شهدت الأسهم على مؤشر "أم أس سي آي" المجمع للاقتصادات الصاعدة نمواً بنسبة 29 في المئة، في حين ارتفعت أسهم المؤشر في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 19 في المئة.
ومثال آخر هو ارتفاع المؤشر الأساس في بورصة كوريا الجنوبية "كوسبي" بنسبة تقارب 70 في المئة هذا العام، فربما تحظى الأسواق الأميركية بعناوين الأخبار والاهتمام الأكبر، لكن الأداء الأفضل هذا العام كان في مناطق أخرى من العالم.
انخفاض الفائدة وليس عائد السندات
كان عام 2025 في معظمه عام تيسير نقدي في الأغلب الأعم، فقد خفّض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة ثلاث مرات، كل مرة بنسبة 0.25 في المئة، وكذلك فعل بنك إنجلترا، أما البنك المركزي الأوروبي وبنك كندا فخفضا سعر الفائدة أربع مرات خلال العام، وكان الاستثناء بنك اليابان، الذي رفع سعر الفائدة مرتين، لكنه رفعها من مستوى متدن جداً كان عند 0.25 في المئة أصلاً.
غير أن ما يحدد كلفة الاقتراض لأغلب أشكال الائتمان، مثل القروض العقارية واقتراض الحكومات والشركات، هو نسبة العائد على السندات، ولم ينخفض معدل العائد بالقدر نفسه، إن لم يكن قد ارتفع في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، لم تنخفض نسبة العائد على سندات الخزانة الأميركية متوسطة الأجل لأجل عشر سنوات سوى بنسبة 0.4 في المئة، بينما انخفض العائد على سندات الخزانة البريطانية بنسبة 0.1 في المئة فحسب، أما العائد على سندات الخزانة الألمانية متوسطة الأجل لأجل عشر سنوات فارتفع بمقدار 0.5 في المئة عن بداية العام ليصل إلى 2.9 في المئة، وارتفع العائد على سندات الخزانة اليابانية بنسبة 2 في المئة، في أعلى ارتفاع سنوي منذ عام 1999.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعتقد البعض أن البنوك المركزية أخذت في خفض أسعار الفائدة بأسرع مما يجب، في وقت تقترض فيه الحكومات بشكل هائل غير قابل للاستمرار، ويزيد ذلك من أخطار عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع، مما يعني تآكل قيمة العملات والدين السيادي، لذا يطلب المستثمرون عائداً أعلى على سندات الدين لتعويض ذلك التآكل المحتمل، وإذا زادت الأسعار العام المقبل 2026، كما يتوقع البعض لمعدلات التضخم، فإن سوق السندات ستكون بؤرة الاضطراب.
"بيتكوين" لم تصبح الذهب الرقمي
حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى العملة المشفرة "بيتكوين" على أنها ربما تشكل تحوطاً لاحتمال ارتفاع التضخم والدين الحكومي في العالم، ففي النهاية، هناك سقف محدد لعدد عملات "بيتكوين"، وأنها لا تخضع للبنوك المركزية، وبالتالي لا يمكن خفض قيمتها كما يحدث مع العملات النقدية، وهكذا كان الاعتقاد أن "بيتكوين" ربما تكون "الذهب الرقمي"، أي ملاذاً آمناً للقيمة.
إلا أن المستثمرين في الواقع يميلون إلى ما هو حقيقي، لذا منذ بداية العام حتى الآن ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 60 في المئة، في المقابل، انخفضت قيمة "بيتكوين" في المتوسط بنسبة 7 في المئة، بعدما شهدت انهياراً بنسبة أكثر من 30 في المئة في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين.
وهكذا، وبدلاً من البحث عن بديل رقمي للمعدن الأصفر الثمين، تحوّل المستثمرون إلى أصول أخرى من أجل التحوط للأزمات المحتملة، لذا ارتفع سعر الفضة بأكثر من معدل ارتفاع سعر الذهب، بزيادة تجاوزت 100 في المئة خلال العام، فإذا لم تكن البيتكوين "الذهب الرقمي"، فماذا تكون إذاً؟.
غالباً، هي إحدى أدوات "شهية الأخطار" لدى المستثمرين، فهبوطها الكبير قرب نهاية العام تزامن مع هبوط أسهم شركة "إنفيديا" للرقائق الإلكترونية وغيرها من شركات التكنولوجيا، مع أن أسهم شركات التكنولوجيا كانت أفضل أداء طوال العام من أداء العملات المشفّرة.
تراجع جاذبية أسواق رأس المال الخاص
بعد الفورة الكبيرة والزيادة الهائلة في الأصول المُدارة لاستثمارات رأس المال الخاص في العقد الأول من هذا القرن، أصبحت شركات الاستثمار الخاص تنمو ببطء شديد الآن.
ووفق بيانات شركة "بيتش بوك"، جمعت شركات استثمار رأس المال الخاص نحو 900 مليار دولار فحسب في ثلاثة أرباع العام الأولى، وإذا انتهى العام على هذا المعدل، فستكون السنة الرابعة على التوالي التي تشهد فيها أسواق رأس المال الخاص تراجعاً منذ وصولها إلى الذروة في عام 2021.
من أسباب تراجع أصول الاستثمارات الخاصة زيادة صعوبة بيع وشراء الشركات ذات الملكية الخاصة، إذ إن أغلب تلك الصفقات تعتمد على الدين الذي أصبحت كلفة خدمته أعلى بكثير مما كانت عليه في عام 2021. وفي النصف الأول من هذا العام، لم تتم صفقات كثيرة نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية، أساساً بسبب التعريفات الجمركية ومشكلات التجارة العالمية، ونتيجة توقف الصفقات، لم تتمكن شركات الاستثمار الخاص من تحقيق عائدات لمساهميها، الذين أصبحوا أكثر تردداً في ضخ مزيد من أموالهم في سوق رأس المال الخاص.