Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السيمفونية الأخيرة" رواية سقوط الإنسان عن السلم الموسيقي

المصري أشرف العشماوي يرصد دوائر السلطة عبر الصراع الدرامي والتحليل النفساني

لوحة للرسامة روث توملنسون (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

في روايته الجديدة "السيمفونية الأخيرة"، يتخذ الكاتب أشرف العشماوي الشخوص المتخيلة والأحداث المصنوعة جسراً فنياً مشروعاً لمساءلة مرحلة تاريخية بالغة الحساسية في مصر، بأبطالها الحقيقيين ووقائعها الثابتة، قبل ثورة يناير 2011، وبعدها.

عندما يولد الإنسان مقيداً، فهل يمكنه ذات يوم إدراك الحرية وفهم معنى المسؤولية؟ وحين تكون حياته شريطاً مطولاً مرتبكاً لا يخلو من ممارسة القسوة والجريمة وإيلام الذات وإيذاء الأبرياء والمسالمين، فهل يحق له أن يتطهر من آثامه بإبداء الندم أو بالتحول من صيغة الضابط الفاسد المنحرف إلى هيئة عازف كمان، من وراء قناع أو ببطاقة هوية مزورة؟!

ذلك هو الشخص المزدوج، المحطم، بكسر الطاء وبفتحها معاً، الذي لا ينفك يتساءل "في أي دور عبادة يمكن أن يغفر لمثله؟". هو البطل المحوري، وإن كانت بطولاته كارثية وكابوسية، الذي تنبني عليه رواية "السيمفونية الأخيرة" للكاتب المصري أشرف العشماوي، الصادرة حديثاً عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة (2025). وهو ليس فقط مزدوجاً ومتناقضاً في مواقف بعينها، ولكنه المتقلب على طول الخط، ذو الألف وجه، والألف اسم، الذي يحاول أن ينفث في العزف الموسيقي المتقن صراعاته النفسية وعذابات الآخرين. ولكن، هل تغادر السموم ضميره مع تصاعد الأنغام من آلته التي عرف كيف يروضها بمهارة منذ صغره؟

سؤال الهوية

"من أنا؟"، سؤال يؤرق بطل الرواية ويجتذب قارئها منذ سطورها الأولى حتى ختام دفقاتها التشويقية، المعتمدة على الغموض وتأجيل كشف الأسرار الملتبسة لتتجلى تباعاً، مفاجأة بعد مفاجأة، بصورة تدريجية. هو سامي عرفان، وفق شهادة ميلاده، الملازم أول والعازف الموسيقي في أوركسترا الشرطة، وموظف إدارة المراسم المرموق لاحقاً بصحبة رئيس الجمهورية بعد ترقيات وتوصيات متتالية بسبب إتقانه وتفانيه في الخدمة.

وهو أيضاً العقيد سلطان، الاسم الحركي المستعار الذي اختير له بعد إطاحته من إدارة المراسم، ونقله إلى الجهاز الأمني السيادي بوزارة الداخلية، ليجد الفرصة سانحة أمامه لتغذية المجرم الصغير بداخله، إذ كان يلهو كأرستقراطي في طفولته بخنق الطيور في حديقة منزله الفاره، ويفرح بمسدس الصوت الذي يحدث فرقعة تخيف غيره وتنسجم مع جبنه. ومن ثم، ينتقم المجرم الكبير، ببذلته السلطوية الملوثة من الشاب اليساري باهر سعيد، غريمه في حب دينا يعقوب التي خطفها منه بالزواج، وينجح بسهولة في تلفيق التهم الكاذبة له وسجنه وتعذيبه 16 عاماً من دون ذنب ومن دون اكتراث أحد بوجود تحقيقات رسمية، حتى أصيب باهر بالعمى وتوفي حال إطلاقه من سجنه قبل شرارة ثورة يناير 2011 بيوم واحد.

هذا الشخص نفسه، هو عاشق الأوتار منذ صغره، الذي يتخفى على رغم حساسية مركزه الأمني خلف نظارة سوداء، مستخدماً بطاقة هوية مزورة باسم عازف الكمان الهاوي أنور سليم، ليقابل جمهور المسرح كل ثلاثاء أملاً في أن تصير معزوفاته صلوات روحية مقدسة تغسل أعماقه من الشعور بالذنب "لم تكن نغمات الكمان حزناً، بل كانت اعترافاً. هو نفسه لا يعرف أيهما دخلت قلبه أولاً، القسوة أم الموسيقى؟ هل تعلم ضبط النفس في عمله من انضباط النوتة، أم تعلم الإحساس بالنغمة من دقة تفكيك النفس البشرية وانهيارها تباعاً مع الضغط العصبي والنفسي الذي يمارسه على المتهمين؟".

وبهوية أخرى، وأخيرة، يستكمل الهارب من نفسه والآخرين ووطنه محطات رحلته، حيث المنعطف الباريسي جراء فراره إلى عاصمة النور بعد ثورة يناير 2011، خوفاً من افتضاح جرائمه وتعرضه للمحاكمة. وهناك يلاحقه الماضي للانتقام منه، على رغم استقراره وذيوع شهرته كساحر عالمي في العزف على الكمان، وفد من الشرق ليأسر الغربيين بأنغامه. تطارده دينا يعقوب، وابن باهر سعيد، بعدما توصلا إلى حقيقة دوره القذر في سجن باهر. ويساعدهما العميد طارق زيدان في تسجيل اعترافات صوتية لسامي عرفان، بعد مباغتة دينا له في منزله بباريس بزيارة صادمة دفعته إلى الإقرار بكل جرائمه. وفي القاهرة، على مسرح الجمهورية، في يونيو 2015، وفي حين يستعد العازف لإحياء حفل موسيقي بدعوة رسمية مرتبة لاستدراجه إلى مصر، يتحقق الانتقام بإذاعة "السيمفونية الأخيرة" لسامي على الملأ، وهي سيمفونية السقوط من فوق السلم الموسيقي، سيمفونية الفضيحة، حيث يستمع الحضور جميعاً لأشرطة تسجيلات سامي الاعترافية، التي سجلت له في باريس بمعرفة أجهزة مراقبة العميد طارق زيدان، والتي تكشف دناءة سامي، وبراءة باهر سعيد من التهم الملفقة له.

الحقيقي والمتخيل

تتقاطع رواية العشماوي (358 صفحة) مع دوائر متعددة وفضاءات متسعة، في حين يبقى الإنسان دائماً هو مركزها المحدد الواضح. هذا الإنسان، العادي المتخيل كشخصية فنية في أحداث مصنوعة وتفاصيل متوهمة، هو الفعل الروائي الحي في العمل، الذي يستمد صدقيته وتأثيره من مدى إقناعه الدرامي وليس من تطابقه مع الواقع الحقيقي بأبطاله المعروفين وأحداثه الموثقة.

من منظور الإنسان وحده يتمدد النسيج الروائي في سائر المساحات المتاحة كخلفيات وكمرجعيات من دون أن يفقد العمل ماهيته الفنية. هناك حضور كبير للتاريخ مثلاً بشخصياته الحقيقية في النص، وفي مقدمتهم الرئيسان المصريان أنور السادات وحسني مبارك، وبوقائعه الثابتة والحاضرة، وعلى رأسها: انتفاضة الخبز (التظاهرات الشعبية وأعمال الشغب ضد غلاء المعيشة) في يناير 1977، وحادثة المنصة (اغتيال السادات أثناء حضوره العرض العسكري الاحتفالي من دون سترة واقية من الرصاص) في أكتوبر 1981، ومحاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995، واختفاء الصحافي رضا هلال في ظروف غامضة في أغسطس 2003، وتنحي مبارك عن السلطة بعد 18 يوماً من اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وغيرها. تحضر هذه الوقائع، ويحضر رموز الحكم والسلطة والنفوذ، ولكن من خلال بطل الرواية وعلاقته بهذه الأحداث، والحوارات المتخيلة بينه وبين هؤلاء الأشخاص الحقيقيين.

تنطلق عدسة الرؤية الإبداعية من الخاص لتتقصى العام، وليس العكس. فمثلاً، من خلال مهام العمل اليومية التي يكلف بها سامي عرفان، والمشاهد والتفاصيل العابرة التي يمر بها، كموظف في إدارة المراسم، وكمحقق في الجهاز الأمني السيادي، وحواراته المؤلفة مع رئيس الجمهورية، ومع رؤسائه وزملائه ومرؤوسيه والمحيطين به، تتكشف أبعاد منظومة السلطة والأوضاع السياسية والاجتماعية والسياسية في مصر في فترات متعاقبة، منذ طفولة سامي في ستينيات القرن الماضي، في الحكم الناصري، وذكريات جدته عن العهد الملكي المقدس بالنسبة إليها وإلى عائلتها الميسورة المنعمة، سليلة الباشوات، قبل ثورة يوليو 1952، مروراً بحياته العملية وتدرجاته وتنقلاته الوظيفية في عصري السادات ومبارك، وصولاً إلى انهياره المدوي على المسرح كنتيجة لإصلاحات ثورة يناير 2011 وتعقبها من وصفوا وقتها بفلول النظام البائد.

أسرار وكواليس

تكشف الرواية وفق هذه الآلية كيف كانت تصاغ المؤامرات في الخفاء، وكيف كانت ترتب، أو "تفبرك" بتعبير أدق، لقاءات السادات ومبارك مع مأجورين مدربين لتصور للإعلام بوصفها لقاءات تلقائية مع مواطنين بسطاء من العمال ومن الفلاحين، وكيف كانت الاعتقالات تطاول الآلاف بجرة قلم سيادية، وكيف كانت تتخذ قرارات العفو والإفراج بمكالمات تليفونية للتوصية، كما حدث في تبرئة سامي السريعة في قضية اغتيال السادات على المنصة بعد تحقيق أجوف حدث معه ومع أعضاء فريقي التأمين والمراسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبرز الرواية ما وراء الأحداث الظاهرية والمعلنة، كحقيقة هتافات انتفاضة يناير 1977 مثلاً التي لم تكن عن الرغيف والجوع ورفع الدعم وزيادة الأسعار فحسب، بل كانت في الأساس "ضد المهانة، ضد من باعوا الوعد بينما الشارع يشتعل، ضد الحاكم الذي قال إن النصر في أكتوبر سيطعمهم، ثم سلمهم إلى البنك الدولي"، وككواليس ثورة 25 يناير 2011 "يكتب في تقاريره أن الأمور تحت السيطرة، بينما البلاد تسير على الحافة برعونة غير عابئة بالسقوط. يبذل الجهاز الذي يعمل فيه سامي جهوداً مضنية لإعطاء النظام قبلة حياة كل حين، لكن فساداً فاحت له رائحة في عموم البلاد".

تسائل الرواية الحالة المصرية بأكملها من خلال شخصيتها المركزية المتخيلة، التي تنفذ إلى الدوائر والفضاءات كلها، محاولة المزج بينها، لتغدو الرواية مرآة فاتحة صدرها للواقعي والتاريخي والتوثيقي والسياسي والبوليسي، إلى جانب التحليل النفسي المصاحب دائماً للشخصية المعقدة المأزومة، المنقسمة إلى مجرم وضحية في شيزوفرينيا بالغة الاضطرابات، المهزومة على رغم انتصاراتها الوهمية، المكبلة من داخلها على رغم الصلاحيات الممنوحة لها. وتضاف إلى ذلك الظلال الفانتازية والأسطورية أيضاً، كتحليق عازف الكمان مع آلته المتكلمة وأنغامه السارحة، ومغادرته جسد الضابط المحدود المغلق، وكأحلامه وهواجسه وهلوساته المجنونة التي تختلط بأنفاسه ونبضات قلبه، وكالأشباح السوداء التي تطارده في داخله وخارجه، ويراها جالسة أمامه في مقاعد المسرح الأمامية تتهيأ للقصاص منه مرتدية ملامح باهر سعيد.

سطوة الموسيقى

أما الموسيقى، السيمفونية على الأخص، فلعلها الأكثر حضوراً وسيطرة على مقاليد العمل المراوغ، ليس فقط بما في العنوان من إحالة إلى "السيمفونية الأخيرة" أو سيمفونية هلاك سامي عرفان وفضيحته المجلجلة التي هزت الرأي العام كله في النهاية، ولكن باعتبار هذه الموسيقى السيمفونية القاسم المشترك والميكانيزم الفعال في هندسة العملية الروائية كلها، ورمانة الميزان في حبك الصراعات الدرامية وتصعيدها وتفجيرها.

وإلى جانب ما يسهل تعيينه من أن عازف الموسيقى السيمفونية يشكل النقيض الحاد للضابط وموظف إدارة المراسم داخل ذات البطل المفتتة على امتداد صفحات الرواية، فإن ثمة ارتكازات أخرى للعمل الذكي على الموسيقى السيمفونية وخصائصها وفلسفتها على مستويات أخرى متنوعة. من ذلك، على سبيل المثال، الأسلوب المتبع في الرواية في التعاطي مع الزمن، بخلخلته، وكسر سياقه المألوف، فلا تتبع الرواية تسلسلاً زمنياً منطقياً، ولكن يبدأ كل مقطع بتاريخ يدل عليه، ما بين مطلع الستينيات وعام 2015، بصورة غير منتظمة، ولكنه غير عشوائي بطبيعة الحال. ويخدم هذا النهج التشويق المراد، والبوليسية المخطط لها في سرد الأحداث، بتوجيه ضربات من هنا وهناك، تتماس مع ضربات الموسيقى السيمفونية ونغماتها التي تعلو وتخفت، وتطول وتقصر، بحسب النوتة المحكمة.

ويتغير الراوي أيضاً في المقاطع غير المرتبة زمنياً، متأرجحاً مع البندول الموسيقي المتذبذب، فيصير تارة راوياً عليماً، ويسلم الدفة بعدها للأنا المتكلمة، المتفككة في سردها إلى أنوات متصارعة لا حصر لها، ثم يتسلم الراوي العليم شارة القيادة من جديد، ليتعاظم ذلك الإيحاء بسطوة الطبيعة الموسيقية على مفردات العمل وعناصره المتعددة. ومن هذه العناصر لغة النص الغنية بالشاعرية، لا سيما في لحظات العشق المتبادل بين دينا يعقوب وزوجها المناضل المثقف باهر سعيد، وبينها وبين سامي عرفان حبيبها الأول، قبل أن يتخلى عنها مرة تلو أخرى، منصاعاً لأوامر جدته التي أجبرته على زواج روتيني بارد من سيدة مجتمع من الطبقة الراقية، فتراكمت الخسارات وتكدست التعليمات تحت جلده، وتحولت بعد ذلك إلى نوبات انتقام جنونية غير خاضعة للسيطرة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة