ملخص
في عالم يتراجع فيه اليقين بالدور الأميركي، تُقدم التجربة الهندية مثالاً على سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات لتقليل المخاطر وتعزيز الاستقلال، من خلال موازنة العلاقات بين قوى كبرى ومنافسة. لكن هذا النهج، على رغم ما يوفره من مرونة ومكاسب، يظل مكلفاً ويتطلب إدارة دقيقة، إذ يحد من الردع مقارنة بالتحالفات الصلبة ويعرض الدول لتشابكات ومخاطر متعددة في نظام دولي متحول.
بينما تعيد الولايات المتحدة تقييم التزاماتها العالمية وتُعيد النظر في مسلّمات النظام الدولي القائم، يسعى حلفاؤها وشركاؤها التقليديون إلى إيجاد بدائل لإستراتيجيات السياسة الخارجية التي تعتمد بصورة كبيرة على واشنطن، وقد ناقشت كل من كندا وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي بناء علاقات مع طيف أوسع من الدول، في حين تعمل قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة على التحوط من تقلب سياسات الولايات المتحدة من خلال تعزيز شراكات أخرى، فمثلاً أبرمت السعودية أخيراً اتفاقاً أمنياً مع باكستان، وتهدف هذه الجهود إلى جعل الدول أقل عرضة للتأثر بالتغيرات المفاجئة في أية علاقة ثنائية، ومنحها خيارات أوسع واستقلالية أكبر في صنع قرارات السياسة الخارجية.
في المقابل، وعلى رغم أن بعض هذه الدول لم تبدأ بانتهاج سياسة تنويع علاقاتها الخارجية إلا في الآونة الأخيرة، فقد التزمت الهند بهذه الإستراتيجية منذ زمن طويل، فتحقيق التوازن بين شركاء متنوعين من دون الارتباط الكامل بأية دولة أو تكتل، شكّل جوهر السياسة الخارجية الهندية منذ استقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947، وعلى مر السنين أُطلقت على هذه السياسة تسميات مختلفة، مثل عدم الانحياز والانحياز الثنائي والانحياز المتعدد [تعدد الاصطفافات] وحتى التعاون المتعدد الاتجاهات، إلا أن الجوهر ظل واحداً، وعندما تنجح هذه الإستراتيجية المتنوعة فإنها تُمكن نيودلهي من تجنب الخضوع لقرارات أي شريك منفرد، واستخدام تعدد الشركاء واستثمار التنافس بينهم لتعزيز مكانتها.
طوال فترة الحرب الباردة سعت الهند إلى تحقيق توازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إضافة إلى عدد من القوى الأصغر حجماً والدول غير المنحازة، خشية أن تكون إحدى القوتين العظميين أو كلتاهما غير جديرتين بالثقة أو تمارسان الإكراه عندما تجد نيودلهي نفسها بحاجة إليهما، وفي فترة ما بعد الحرب الباردة حافظت الهند على نهجها العام المتمثل في تجنب الاعتماد الكامل على شريك واحد، وكما يفعل مستثمر يدير محفظة استثمارية معقدة، واصلت الهند إعادة موازنة علاقاتها باستمرار كلما ظهرت فرص وأخطار جديدة، وقد تطلب ذلك أحياناً زيادة واضحة في اعتمادها على بعض الشركاء مثلما فعلت خلال الأعوام الأخيرة من خلال اصطفافها مع الولايات المتحدة في عدد من القضايا الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية.
لكن ضغوط إدارة ترمب الثانية تدفع الهند الآن إلى إعادة النظر في الوزن النسبي للولايات المتحدة ضمن مزيج شركائها وعلاقاتها الدولية، فتعرفات الرئيس دونالد ترمب الجمركية التي تصل إلى 50 في المئة ودعواته إلى إجراء مفاوضات مع باكستان ومطالبه بخفض واردات الهند من النفط الروسي، زادت الشكوك حول صدقية الولايات المتحدة، وأيضاً أثارت هذه الإجراءات تساؤلات حول ما إذا كانت نيودلهي قد انحازت إلى واشنطن أكثر من اللازم. وبالنسبة إلى كثير من صناع القرار الهنود فإن حال عدم اليقين الناجمة عن تحركات واشنطن زادت أهمية تنويع العلاقات وتعزيز الشراكات الأخرى، ليس مع حلفاء الولايات المتحدة مثل فرنسا واليابان وحسب بل أيضاً مع خصومها، بما في ذلك روسيا.
ومع تحول السياسات الخارجية المتنوعة إلى القاعدة العالمية الجديدة تُقدم تجربة الهند دروساً قيمة لعالم لم يعد يتشكل وفق الأحادية القطبية الأميركية، وفي الواقع فإن سعي نيودلهي إلى إقامة شراكات عدة ساعدها في تعزيز استقلاليتها إلى أقصى الدرجات في خضم سياسات القوى العظمى خلال الحرب الباردة، واستمر في تحقيق ذلك في ظل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة المهيمن منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، غير أن صنّاع السياسات حول العالم الساعين إلى تنويع علاقاتهم الخارجية، عليهم أيضاً أن يضعوا في الحسبان تحديات هذه الاستراتيجية، فقد تعلمت الهند أن هذا النهج يتطلب باستمرار تنمية العلاقات المختلفة وتقييمها وإعادة موازنتها، وأن الحفاظ على مجموعة متنوعة من الشركاء يُوفر حماية أقل من العدوان مقارنة بالتحالفات الرسمية، لذا اضطرت الهند إلى إنفاق مزيد على دفاعها وتطوير رادع نووي وأحياناً ضبط نفسها والتخفيف من حدة هجماتها على خصومها، ومن دون الاستفادة من تجارب الهند فقد ينتهي الأمر بالدول التي تسعى الآن إلى تبني إستراتيجية مماثلة إلى استبدال الاعتماد المفرط على دولة واحدة باعتماد مفرط على دول عدة.
الاعتماد في زمن الاستقلال
تبلور التوجه العام للسياسة الخارجية الهندية في زمن كانت فيه، كما اليوم، التقنيات الثورية والتنافس بين القوى العظمى يعيدان تشكيل النظام العالمي القائم، وكانت البلاد قد انبثقت من رحم تقسيم الهند البريطانية عام 1947 مع بزوغ فجر العصر النووي وبداية منافسة شرسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكان قادة الهند المستقلة، الحذرون من استحضار أشكال جديدة من الهيمنة الاستعمارية، يرغبون في تحقيق الاعتماد على الذات لكنهم سرعان ما أدركوا أن الحصول على الإمدادات العسكرية والمساعدات الاقتصادية والدعم التقني يقتضي الشراكة مع دول أخرى أو الاعتماد عليها جزئياً، إلا أنهم كانوا يخشون أن يكون التحالف مع الكتلة السوفياتية أو الأميركية بمثابة قيد خانق لا مظلة أمنية، وعوضاً عن ذلك أمِلت نيودلهي أن تضمن الشراكات المتعددة استقلال الهند من خلال منع أية دولة أو كتلة واحدة من فرض خياراتها على البلاد.
رحب أول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، بالمساعدة القادمة من الولايات المتحدة التي كانت تأمل أن الهند الديمقراطية ستشكل ثقلاً موازناً للشيوعية في آسيا، وفي أوائل خمسينيات القرن الـ 20 استغلت نيودلهي قلق الولايات المتحدة من خسارة الصين لمصلحة الكتلة الشيوعية لطلب مساعدات اقتصادية وغذائية، وكذلك سعى نهرو إلى التواصل مع موسكو لكنه وجد في البداية أن الاتحاد السوفياتي لا يبدي اهتماماً يذكر بالهند، إذ كان الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين يعتقد أن الهند قريبة أكثر مما يجب من الغرب، وسرعان ما اتضحت كلفة غياب شريك يوازن نفوذ الولايات المتحدة، وحرصاً على إرساء محيط إقليمي سلمي حاولت نيودلهي الدخول مع الصين بدلاً من احتوائها وهو ما أغضب صُناع القرار الأميركيين، فانتقدوا اعتراف الهند بالنظام الشيوعي الصيني وعدم رغبة نيودلهي في تقديم دعم كامل للولايات المتحدة وحلفائها في الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، ورأى مشرعون أميركيون أن عدم الانحياز الذي انتهجته الهند هو موقف غير أخلاقي يُشبه الانحياز إلى الكتلة الصينية – السوفياتية، وحاولوا جعل أية مساعدة مشروطة بكبح تفاعل الهند مع الكتلة الشيوعية أو منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المواد الخام الهندية والمعادن الحيوية مثل المنغنيز، وفي نهاية المطاف أقرّ الكونغرس مشروع قانون لتقديم مساعدات غذائية للهند عام 1951 من دون إلزام نيودلهي بتغيير سياستها الخارجية أو تقديم موارد للولايات المتحدة، لكنه كان مقروناً بتوقع ألا تُقدم الهند مواد إستراتيجية للكتلة الشيوعية.
وجاءت التغيرات الجيوسياسية في منتصف الخمسينيات من القرن الـ 20 لتمنح نيودلهي هامشاً أوسع للمناورة، فسعياً إلى بسط نفوذها بين الدول غير المنحازة إلى الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي، عرضت موسكو على الهند دعماً دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً بشروط رأت الهند أنها جذابة، بما في ذلك دعم القطاع الصناعي المملوك للدولة، وتغاضت عن إصرار نيودلهي على عدم الانحياز لأية كتلة، وشعر نهرو أن تحسن علاقات الهند مع الاتحاد السوفياتي سيدفع الولايات المتحدة إلى أخذ الهند على محمل أكثر جدية، وبالفعل اختارت إدارتا الرئيسين أيزنهاور وكينيدي تعزيز العلاقات مع الهند وأصبحت الولايات المتحدة حريصة على ضمان عدم فشل الهند الديمقراطية في وقت تنجح الصين الشيوعية، ومع اهتمام كل من موسكو وواشنطن بالعمل مع نيودلهي اعتقد صناع السياسات الهنود أن مناورتهم قد آتت أُكلها، فقد استطاعوا استغلال التنافس بين القوتين وحصلوا على مساعدات اقتصادية وإمدادات عسكرية ومعرفة تقنية، وهي مكاسب لم تساعد نيودلهي في جهود بناء الدولة وحسب، بل عززت استقلالها أيضاً من خلال تمكين الهند من تنويع مصادر اعتمادها.
مشروطة بثمن
لكن التنويع لم يحقق الردع، ففي عام 1962 تعرضت الهند لهزيمة مهينة بعد هجوم شنته الصين في إطار نزاع حول الحدود المشتركة بين البلدين، وخلال الحرب انحازت موسكو إلى الصين، حليفتها ضد الهند، التي لم تكن سوى صديقة لها، وقدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها مساعدات عسكرية للهند، غير أن نيودلهي اكتشفت أن هذه المساعدة جاءت مشروطة، إذ حاولت واشنطن لاحقاً الضغط على الهند للتوصل إلى تسوية مع باكستان في شأن إقليم كشمير المتنازع عليه، وتقليص موازنتها الدفاعية وزيادة الإنفاق على التنمية ووقف مشترياتها العسكرية من موسكو، ولو بقيت الولايات المتحدة الخيار الوحيد المتاح للهند لوجدت نيودلهي نفسها مضطرة بعد الحرب إلى الرضوخ لهذه المطالب، لكن اتساع الشرخ الصيني السوفياتي ضَمنَ أن ترغب موسكو مجدداً في التعاون مع الهند، وبدلاً من أن تدفع هذه التجربة القادة الهنود إلى إعادة النظر في نفورهم من التحالفات، فقد جعلتهم يدركون بوضوح أكبر أن الشريك الواحد قد يكون غير موثوق، كما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، أو إكراهياً كما كانت الولايات المتحدة.
وعززت حرب الهند مع باكستان عام 1965 حكمة إستراتيجيتها القائمة على التنويع، فقد لجأت نيودلهي مرة أخرى إلى الولايات المتحدة عندما هددتها الصين بالتدخل لمصلحة باكستان، وحذرت واشنطن بكين من التدخل لكنها في الوقت نفسه علقت المساعدات العسكرية والاقتصادية للطرفين المتحاربين في جنوب آسيا للضغط عليهما من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ومع ذلك ظلت الهند قادرة على الوصول إلى الإمدادات العسكرية السوفياتية، وهو ما اعتبره صنّاع القرار في نيودلهي دليلاً على جدوى النهج القائم على تأمين شراكات عدة.
وقد سعت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي، التي تولت السلطة عام 1966، إلى توسيع محفظة شركاء الهند على نحو أكبر، فتواصلت مع دول تشارك الهند مخاوفها في شأن الصين، بما في ذلك أستراليا واليابان وسنغافورة، وبسبب قلق غاندي من تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالهند ومن مبادرات الاتحاد السوفياتي للتقارب مع باكستان، حاولت أيضاً تقليص اعتماد الهند على أي من القوتين العظميين، فذهبت حد السعي إلى تطبيع العلاقات مع بكين في أواخر الستينيات وإن لم يُكلل مسعاها بالنجاح، وعرضت موسكو على الهند معاهدة رسمية لإقامة علاقات أوثق وتقديم مزيد من المساعدة، لكن غاندي رفضت خشية الاعتماد المفرط على شريك واحد، ولم تُوقع نيودلهي هذه المعاهدة إلا عندما احتاجت الهند إلى ردع الصين عن التدخل في حرب أخرى مع باكستان عام 1971، وهو ما رجّح التوجه العام للهند نحو الاتحاد السوفياتي، بعد أن انتقلت واشنطن من سياسة احتواء بكين إلى التعاون معها.
نهج السياسة الخارجية الذي تعتمده الهند لا يعفيها تماماً من مسألة الانحياز إلى أحد الأطراف
في الواقع قدم الاتحاد السوفياتي إمدادات عسكرية ودعماً دبلوماسياً للهند خلال حربها مع باكستان، لكن المساعدة السوفياتية جاءت هي الأخرى مصحوبة بقيود، فقد ضغطت موسكو على غاندي للقاء الزعيم الباكستاني تفادياً للحرب، ورفضت لاحقاً طلباً هندياً بتوجيه تحذير علني للولايات المتحدة من التدخل، وسعياً إلى الحد من الاعتماد المفرط المحتمل على الاتحاد السوفياتي فقد بادر صناع السياسات الهنود إلى إصلاح العلاقات مع واشنطن خلال سبعينيات القرن الـ 20، لكن الولايات المتحدة في تلك المرحلة لم تعد بحاجة إلى ثقل موازن للصين التي كانت تعمل، بعد تقارب عامي 1971 -1972 مع المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي، ولم تكن مهتمة بالهند اقتصادياً، لذا بحثت الهند عن شركاء آخرين، بما في ذلك في العالم النامي، وعززت جهودها لبناء برنامج نووي يمكن أن يوفر ردعاً مستقلاً ويساعد في التحوط ضد الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي.
وقد صمد هذا النهج في وجه الاضطرابات الداخلية، فعندما خسر "حزب المؤتمر الوطني" الهندي السلطة عام 1977 لمصلحة ائتلاف "جاناتا" المعارض، استمر القادة الهنود في اتباع سياسة خارجية متنوعة، وانتقد رئيس الوزراء مورارجي ديساي الرئيسة السابقة غاندي لأنها جعلت الهند تعتمد بصورة مفرطة على الاتحاد السوفياتي، واقترح برنامجاً لعدم انحياز حقيقي تحافظ فيه الهند في آن على علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي وتُصلح علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتُطبع علاقاتها مع الصين المنافسة وتُعزز قدراتها الاقتصادية والعسكرية الداخلية، وعندما عادت غاندي للسلطة عام 1980 اتبعت هي الأخرى هذه السياسة.
لكن الحكومات الهندية واجهت مشكلة أثناء سعيها إلى تنويع تحالفاتها، إذ إن عدداً كبيراً من الشركاء المحتملين، وبخاصة في الغرب، لم يروا في الهند طرفاً مهماً لتحقيق أهدافهم، وبالتالي كان اهتمامهم بالتعامل مع نيودلهي محدوداً، ونتيجة لذلك واصلت الهند خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الـ 20 اعتمادها الكبير على الكتلة السوفياتية، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 لم تكن لدى الهند خطة بديلة، ومع مواجهتها أزمات في السياسة الخارجية والمالية اضطرت نيودلهي مرة أخرى إلى إعادة موازنة بنية تحالفاتها.
الانعطاف نحو واشنطن
في فترة ما بعد الحرب الباردة باتت إعادة ضبط السياسة الخارجية تعني الاستثمار في شراكات جديدة وإحياء شراكات قديمة، ففي عام 1992 أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وهو ما لم تكن نيودلهي قد أقدمت عليه سابقاً بسبب علاقاتها مع العالم العربي وتضامنها مع القضية الفلسطينية، وأيضاً جددت شراكاتها في شرق وجنوب شرقي آسيا، بما في ذلك مع دول مثل اليابان وسنغافورة، التي يمكن لاقتصاداتها القوية أن تساعد الهند في النمو، وقد عززت إصلاحات الهند الليبرالية، ولاحقاً تجاربها النووية عام 1998، آفاقها الاقتصادية وقدراتها الدفاعية، وأسهمت هذه الخطوات أيضاً في زيادة الاهتمام العالمي بالهند مما وسع خيارات نيودلهي من الشركاء، بما في ذلك الولايات المتحدة مرة أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكما في القرن الـ 20 ظل نهج السياسة الخارجية الهندية في القرن الـ 21 متسقاً بغض النظر عن الأحزاب التي تولت السلطة في نيودلهي، ففي عام 2003 أشار وزير الخارجية في الحكومة الائتلافية التي قادها "حزب بهاراتيا جاناتا" إلى أن "الرغبة في التوازن وعدم التدخل والاستقلال في التصرف" هي الدافع وراء إستراتيجية الهند، وقد عملت تلك الحكومة وكذلك الائتلاف اللاحق بقيادة "حزب المؤتمر الوطني" على تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، فيما استكشفت في الوقت نفسه التعاون الاقتصادي والمتعدد الأطراف مع الصين.
كذلك انضمت الهند إلى تجمعات قائمة على قضايا محددة ومن بينها "مبادرة الحوار الأمني الرباعي" (كواد) مع أستراليا واليابان والولايات المتحدة، و"مجموعة بريكس" مع البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا، وواصلت الحكومة الائتلافية الحالية بقيادة "حزب بهاراتيا جاناتا" انتهاج سياسة خارجية متنوعة، فسعى رئيس الوزراء ناريندرا مودي منذ توليه السلطة عام 2014 إلى التعاون مع شركاء مختلفين للحصول على الدعم الدبلوماسي والمعدات الدفاعية وأسواق السلع والخدمات الهندية والسلع الأساس (بما في ذلك الطاقة والمعادن الحيوية) والاستثمار وفرص العمل والتكنولوجيا، ومثلما فعلت الحكومات السابقة فقد سعت الحكومة الحالية جاهدة إلى الحد من الاعتماد المفرط على أي شريك منفرد في القطاعات الرئيسة، فمثلاً تراجعت روسيا من موقع المورّد الذي يوفر 76 في المئة من قيمة واردات الهند الدفاعية بين عامي 2000 و2004 إلى مورّد تراجعت حصته إلى 36 في المئة بين عامي 2020 و2024.
وعلى رغم ثبات النهج العام للهند فقد تغير عمق واتساع شراكاتها مع تطور مصالح البلاد وتبدل الشركاء المتاحين، ففي أوائل العقد الأول من الألفية الثانية رأت الهند فرصاً واعدة في شراكة أوثق مع الصين، لكن نيودلهي تبنت موقفاً أكثر حذراً بعد مواجهات عسكرية خلال أعوام 2013 و2014 و2017، ولا سيما عام 2020 حين وقع أول اشتباك عسكري دام منذ 45 عاماً على طول الحدود الصينية - الهندية المتنازع عليها، ومع تصاعد التوترات تحولت الهند من التعويل على الصين لموازنة علاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة وأوروبا إلى البحث عن سبل لموازنة نفوذ بكين، أما روسيا التي عمقت بدورها اعتمادها على الصين فقد أصبحت شريكاً إستراتيجياً أقل أهمية مما كانت عليه في الماضي، وعلى رغم أن نيودلهي لن تقطع علاقاتها مع موسكو فإن فوائد العلاقات الوثيقة مع روسيا تضاءلت مع إعطاء الهند الأولوية للوصول إلى التقنيات المتقدمة وتطويرها.
وعلى النقيض من ذلك واصلت حكومة مودي خلال العقد الماضي توسيع التعاون الدفاعي والأمني والاقتصادي والتكنولوجي بين الهند والولايات المتحدة، استناداً إلى رغبة مشتركة في مواجهة تزايد الحزم الصيني، وقد أسفر هذا التقارب الإستراتيجي الأميركي - الهندي عن مناورات عسكرية أكثر تطوراً، بما في ذلك تدريب حديث على مكافحة الغواصات قبالة سواحل جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وكذلك تعاون تكنولوجي مثل خطط شركة "غوغل" لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في الهند بقيمة 15 مليار دولار.
غير أن الميل نحو واشنطن لم يعن التخلي عن تنويع العلاقات، فعلى رغم تقارب الهند مع الولايات المتحدة سعى قادتها إلى تحقيق التوازن من خلال تعزيز شراكات أخرى، فاستثمرت حكومة مودي في العلاقات مع شركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مثل أستراليا واليابان، الذين يشاركون الهند مخاوفها في شأن الصين، وأيضاً جددت العلاقات مع شركاء أوروبيين تقليديين من بينهم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وبذلت جهوداً جديدة لبناء علاقات عبر أجزاء أخرى من أوروبا.
ومن أجل تحقيق التوازن مع الثقل المتزايد للغرب ضمن محفظة شركائها، استكشفت نيودلهي أيضاً فرصاً في مختلف أنحاء العالم النامي، فمثلاً باعت الهند صواريخ مضادة للسفن إلى الفيليبين ووقعت اتفاقاً اقتصادياً لتعزيز التجارة مع الإمارات العربية المتحدة، وتعمل على تأمين معادن حيوية مثل الليثيوم من الأرجنتين.
التعلم من التجربة
تعتقد الهند أن هذا التنويع قد آتى أُكله، فالقدرة على الاختيار من قائمة واسعة من الدول ساعدتها في مواجهة الخصوم وانتزاع مكاسب من الشركاء، وأيضاً أتاحت لها التحوط من أخطار الاعتماد المفرط على شريك ما عندما تتغير أولويات سياسته الخارجية، فعندما تخلت موسكو عن الهند خلال حربها مع الصين عام 1962، وعندما فعلت واشنطن الأمر نفسه خلال أزمة الهند مع باكستان عام 1971، أو عندما التزمت موسكو الحياد في اشتباكات الحدود بين الصين والهند في جبال الهيمالايا عام 2020، استطاعت نيودلهي اللجوء إلى خيارات أخرى للحصول على الدعم، والأهم من ذلك أن الحصول على الدعم من مصادر عدة كان حاسماً في بناء القدرات الداخلية للهند التي جعلتها بدورها شريكاً أكثر جاذبية، فمثلاً استفاد قطاع الفضاء الهندي من شراكات مع قوى عدة، فخلال ستينيات القرن الـ 20 أتاحت فرنسا والولايات المتحدة للهند الوصول إلى الخبرات والتكنولوجيا، ثم بعد أن فرضت واشنطن قيوداً على الصادرات تدخل الاتحاد السوفياتي لدعم طموحات الهند الفضائية، واليوم تُعد الهند لاعباً قوياً في مجال الفضاء بفضل قدراتها الذاتية، فقد أرسلت مسباراً إلى مدار المريخ وتساعد دولاً أخرى في إطلاق الأقمار الاصطناعية، وتعاونت مع وكالة "ناسا" في قمر اصطناعي للرصد، ومع "قوة الفضاء الأميركية" في منشأة مقترحة لتصنيع أشباه الموصلات.
وقد تعلم صنّاع السياسات أن هذا النهج يتطلب قدراً من البراغماتية بدلاً من التمسك باستقلال مثالي، فعلى رغم رغبة القادة في السيطرة الكاملة على خياراتهم لكن تحقيق أهداف الهند يستلزم غالباً ضبط النفس أو تقديم تنازلات، فمثلاً امتنعت نيودلهي من إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أو انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب علناً عندما فرض تعرفات جمركية على الهند، مفضلة الاحتفاظ بشراكات مثمرة على الرغبة في إبداء المعارضة، وكذلك فإن نهج السياسة الخارجية الهندي لا يعفيها بالكامل من الاضطرار إلى اختيار طرف، ففي مجال التقنيات الحيوية والتقنيات الناشئة، وعندما تضطر الهند إلى الاختيار بين البنية التحتية الصينية أو الغربية مثلاً، فإنها تختار الغرب، ليس سعياً إلى كسب ود الولايات المتحدة بل لأن الهند لا ترغب في زيادة هشاشتها أمام منافستها الصين.
التنويع إستراتيجية تتطلب عناية فائقة وجهداً متواصلاً
لقد اكتشفت الهند أيضاً سلبيات التنويع، فعندما أساءت إدارة علاقاتها المتنوعة لم تُرض أياً من شركائها بل أغضبتهم جميعاً، ففي بداية حرب فيتنام مثلاً أرادت واشنطن من الهند أن تخفف انتقاداتها لأفعال الولايات المتحدة، بينما استاءت موسكو لأنها امتنعت من توجيه مزيد من الانتقادات لواشنطن، وإضافة إلى ذلك فإن نهج التنويع قد يجعلها معتمدة على أطراف عدة في آن واحد في القطاعات التي لم تطور قدراتها الذاتية فيها، ومع سعي كل شريك إلى تحقيق أولوياته المتغيرة باستمرار فإن اعتماد الهند عليهم يتركها مكشوفة، ليس أمام دولة واحدة وحسب بل أيضاً أمام مجموعة أوسع من المنافسات والأخطار الجيوسياسية، وقد كان هذا الحال في الشرق الأوسط، حيث تتعامل الهند مع دول عدة، غالباً ما تكون في صراع في ما بينها، كشركاء دبلوماسيين رئيسين يوفرون لها النفط والغاز الطبيعي والاستثمار والمعدات العسكرية وفرص العمل.
كما يمكن أن يؤدي التنويع إلى خيارات غير مثالية، فبسبب عدم رغبتها في الاعتماد الكامل على دولة واحدة، تتجه المؤسسة العسكرية الهندية إلى عدد من الدول لاقتناء منظومات دفاعية بعضها غير متوافق مع الآخر، وكذلك فإن شراء منتجات دفاعية من روسيا قد يحد من قدرة الهند على الحصول على تقنيات أكثر تقدماً من الولايات المتحدة، وعلى رغم أن هذه الممارسات قد لا تحقق أقصى قدر من الفعالية العسكرية لكن الهند استمرت في اتباعها جزئياً للحفاظ على استقلالها.
أما العيب الأكبر في إستراتيجية التنويع فهو أن قدرتها على الردع أقل موثوقية مقارنة بالتحالفات الرسمية، فمن المشروع التساؤل مثلاً عما إذا كانت الصين ستطلق هجوماً عام 1962 لو كانت الهند تحت المظلة الأمنية السوفياتية أو الأميركية، وإدراكاً لهذا القصور في إستراتيجية التنويع وقّعت نيودلهي لاحقاً اتفاقاً للدفاع الجوي مع واشنطن عام 1963، وسعت إلى إبرام معاهدة مع موسكو عام 1971، وكلاهما نص على إجراء مشاورات في حال وقوع هجوم صيني، وقد أرسل الاتفاقان رسالة واضحة إلى بكين [مفادها أن الهند مستعدة لاتخاذ خطوات دفاعية مشتركة مع شركائها] وقدمت للهند ضمانات في مقابل التنازل عن جزء من استقلالها.
خلال الأعوام الأخيرة تقاربت الهند مع الولايات المتحدة لمواجهة صعود الصين، لكن من المرجح أن ترفض نيودلهي أي عرض تحالف رسمي مع واشنطن لاعتقادها بأن أسلحتها التقليدية والنووية قادرة على تعويض ضعف الردع الناجم عن التنويع من دون تقييد حركتها وقراراتها، وفي نهاية المطاف يُعد التنويع إستراتيجية تتطلب عناية فائقة وجهداً متواصلاً، إذ يتعين على قادة الهند تقييم تأثير كل علاقة من علاقات البلاد في شراكاتها الأخرى باستمرار، فمثلاً اضطرت الهند إلى تقييد علاقاتها مع إيران للحفاظ على رضى إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، وفي بعض الأحيان يتعثر هذا التوازن، ففي سبتمبر (أيلول) 2025 شارك الجيش الهندي في مناورة عسكرية روسية تحاكي هجوماً نووياً على أوروبا مما أثار استياء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في وقت كانت فيه بروكسل تسعى إلى إقناعها بالموافقة على اتفاق تجاري مع الهند، ومنذ ذلك الحين عقدت دولتان من تلك الدول، وهما بولندا ورومانيا، اجتماعات دبلوماسية ودفاعية مع باكستان، خصم الهند.
الاستعداد لإعادة الضبط
تحاول دول كثيرة اليوم غير الهند صياغة سياسات خارجية تسمح لها بالتحوط من الأخطار من دون أن تحاصر نفسها بالتزامات مقيدة، ومن الأجدر أن تدرس هذه الدول نجاحات الهند في استغلال التنافس بين الشركاء لتعزيز أمنها القومي وتسريع تنميتها الداخلية والتعامل مع عدم موثوقية شركائها، لكن عليها أيضاً تحليل مواطن الضعف المحتملة في إستراتيجية التنويع، بما في ذلك كيف يمكن أن تتعرّض الدولة لتغيرات في أولويات شركاء متعددين، وأن تُفوت فرص التعاون من أجل الحفاظ على الاستقلال، وأن تضعف الردع مقارنة بما يوافره تحالف قوي وآمن.
وعلى رغم هذه العيوب تستمر تجربة الهند في تعزيز رغبتها في إقامة شراكات عدة بدلاً من التحالف مع قوة عظمى واحدة، وفي مواجهة ضغوط غير متوقعة من الولايات المتحدة خلال ولاية ترمب الثانية، تسعى نيودلهي الآن إلى التنويع أكثر من أي وقت مضى، وستختلف هذه الإستراتيجية عن تلك التي اتبعتها خلال الحرب الباردة عندما كانت الهند توازن بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، فمثل هذه الخيارات الواضحة لم تعد متاحة اليوم في ظل التنافس الشديد بين الهند والصين، وبدلاً من ذلك قامت نيودلهي بمبادرات مهمة تجاه أوروبا ومن بينها تسريع الجهود لإبرام اتفاقات تجارية مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأيضاً تُعمق شراكاتها الدفاعية وأمنها الاقتصادي مع أستراليا واليابان، وتستكشف مجالات جديدة للتعاون مع كوريا الجنوبية، بما في ذلك في مجال بناء السفن، وتعمل على إصلاح العلاقات مع كندا، وهي تحافظ على شراكتها مع روسيا فيما تسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت العلاقات مع الصين، وهو ما تجلى بوضوح عندما التقى مودي الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى إقليمي عُقد في الصين في أغسطس (آب) 2025.
لكن حتى مع استمرار الهند في سياسة التنويع فهي لا تريد الاستغناء كلياً عن شراكتها مع الولايات المتحدة، وستواصل نيودلهي السعي إلى الحفاظ على علاقتها مع واشنطن وتعزيزها في بعض المجالات، وتدرك الهند أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تمكنها من تعزيز قدراتها الذاتية وتمنحها نفوذاً في مواجهة خصومها وشركائها على حد سواء، فمثلاً كانت الاستثمارات الأميركية لا غنى عنها في جهود الهند لدعم صناعة أشباه الموصلات لديها، وما تحققه الهند من العمل مع الولايات المتحدة يُعد أساساً لجعلها شريكاً مرغوباً فيه، ليس بالنسبة إلى واشنطن وحسب، بل أيضاً بالنسبة إلى العدد المتزايد من الدول الساعية إلى تنويع محفظة شراكاتها.
ومن المرجح أن الدول الراغبة في تنويع إستراتيجياتها في السياسة الخارجية ستجد نفسها في وضع شبيه بوضع الهند، فبدلاً من الانفصال عن الولايات المتحدة، التي لا تزال تتمتع بنفوذ وقوة كبيرين، تستطيع هذه الدول تقليل الأخطار وتعزيز قدرتها على الصمود من خلال تطوير علاقات أوثق مع مجموعة متنوعة من الشركاء وتسريع الجهود المبذولة لبناء قدراتها الاقتصادية والأمنية الذاتية، غير أن الدول التي تعتمد هذه الإستراتيجية لا تواجه فوائد النهج المتنوع ومساوئه وحسب، بل تجعل أيضاً شبكة العلاقات الدولية برمتها أكثر تشابكاً على نحو مضاعف، فأي تغير جيوسياسي قد يُطلق سلسلة من التداعيات مع قيام الدول في آن بإعادة موازنة مجموعة شراكاتها المصممة بعناية، وعندما تتجاوز هذه الدول منطق التحالفات التقليدية إلى تعدد الاصطفافات فإن مدى كفاءتها في إدارة علاقاتها المتعددة هو الذي سيحدد ما إذا كان العالم المتنوع الشراكات سيتجه نحو الأمان والاستقرار، أم سينزلق إلى دوامات من الاضطراب.
مترجم عن "فورين أفيرز" يناير (كانون الثاني) / فبراير (شباط) 2026، نُشر في الـ 16 من ديسمبر (كانون الأول) 2025
تانفي مادان زميلة أولى في برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز ومؤلفة كتاب "المثلث المصيري: كيف أسهمت الصين في رسم وجه العلاقات الأميركية - الهندية خلال الحرب الباردة "Fateful Triangle: How China Shaped U.S. – India Relations During the Cold War".