Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ياسمين زاهر فلسطينية تروي أحوال نيويورك بالإنجليزية

"العملة" رواية أولى تحقق نجاحا وتفوز بجائزة توماس ديلان

الروائية الفلسطينية ياسمين زاهر (صفحة الكاتبة - فيسبوك)

ملخص

 تعرّفُ ياسمين زاهر نفسها على أنّها كاتبة فلسطينية قادمة من القدس، تكتبُ باللغةِ الإنجليزية وتعيشُ في فرنسا. وقد حقّقت بروايتها الأولى "العملة" نجاحاً غير مسبوق نظرا إلى كونها كاتبة عربية شابة لم يقرأ لها أحدٌ من قبل، فازت بجائزة توماس ديلان، ورشّحت لجائزة غوثام بوك.

لا يبدو العنوان المختزل في مفردةِ "العملة" كاشفاً عن ثيمات النص، فبدا الكتابُ مثل لغزٍ ينبغي قراءتهُ لاكتشافهِ. وبالنسبةِ إلى الكاتبةِ، لم يكن مريحاً هذا النوعُ من الاهتمام بالعمل وربطهِ بجنسيتها وأصولها، وما صاحبه من توقعات القراء حول تناوله قضايا سياسية وإنسانية تتعلق بالحربِ والاحتلال، ربما لأنّه لم يتطرق إليها بشكلٍ مباشر، فقد كتِبَ قبل سنواتٍ من صدورهِ في ذلكَ التوقيت.

قيمة العملة مقابل قيمة الإنسان

  تدورُ معظمُ أحداثِ روايةِ "العملة" في مدينةِ نيويورك، حيثُ تقيم شابة فلسطينية (تبقى مجهولةَ الاسمِ) وتشغلُ وظيفةَ معلمةٍ في مدرسةِ فرانكلين، تعلّم فيها الصبيان المراهقين بأساليب غير معتادة، تتمرّدُ من خلالها على المنهاج والتوجيهات البيداغوجية، وتؤمنُ بقوّةِ المعلّم على التأثير في طلابه وتشكيل وعيهم إذا قدّمَ لهم دروساً في الحياة. وتمثّلُ مدينة نيويورك في هذا العمل أكثر من مجرد فضاءٍ مكاني للرواية، فهي لا  تكتفي بتقديم الأحياء والشوارع والحدائق ومحطات الميترو، إنّما تبرزُ كمدينةٍ مؤثّرة في الفردِ، قادرة على تغييره وإعادةِ صياغةِ أحلامهِ وطباعهِ وعاداتهِ، لينتجَ عنه شخص آخر لا يشبهُ نفسهُ عندَ قدومهِ إليها. كما تركّز الراوية على الحياةِ الاجتماعيةِ في المدينةِ، وعلى غرقها في المظاهر والصراعات الطبقية بين فقراء شديدي الفقر وأثرياء فاحشي الثراء، يعيشون بعقول هيمنت عليها  النزعة المادية وسيطرة الرأسمالية.

 وهو ما يفسّرُ إحدى دلالاتِ العنوان، إذ تحيلُ "العملة" بشكلٍ مباشر إلى تيمةِ المادية وهوسِ الشخصياتِ بالثراءِ والنجاحِ والمظاهر، وما يوفّرهُ لهم من تقديرٍ اجتماعي يلغي أي محاولات للتصنيفِ والتمييزِ العنصري في بلدٍ كأمريكا. أمّا الدلالة الثانية للعملةِ فتعودُ إلى ذكرياتِ البطلةِ عن طفولتها في فلسطين، حين كانت في السيارةِ مع والديها وابتلعت عملة شيكل قبل تعرّضهم لحادثٍ توفي على إثرهِ والداها، ونجت منه هي وشقيقها. من خلالِ هذا التوظيفِ لحدثِ الصدمة النفسية، تأخذُ العملة دلالةً أخرى تتمثلُ في الحياةِ السابقة للشخصية والصدمة التي تركت تأثيراً عميقاً في شخصيتها المضطربة، إلى جانبِ نوعِ العملة "شيكل" الذي يذكّرُ على نحوٍ رمزي بواقعِ الاحتلالِ في فلسطين.

الدنس والطهارة وجهان لعملة واحدة

 لعلّ أكثر ما يميّز الشخصية الرئيسة في رواية "العملة"، هو الوسواس القهري الذي تعاني منه وهوسها الشديد بالنظافة. يظهر هذا الاضطراب من أوّل صفحاتِ الرواية ويتجدّد ظهورهُ في مناسباتٍ مختلفة. فهي تصف نيويورك بالمتّسخة، المليئة بالأوساخ في كلّ مكان، ولا تشعر بالارتياح في شقتها بسبب الغبار الذي يتسلّل من النوافذ ويغطي الأسطح في كل مرّة، ما يضطرها إلى التنظيف والتعقيم وشراء العديد من أنواعِ مستحضراتِ التنظيف، ولديها روتين دقيق في تنظيفِ بيتها وغسل ملابسها وطيّها، كما تسترسل في فصولٍ أخرى في عرض روتينها الخاص في العنايةِ ببشرتها، وطقوسها في الاستحمامِ وتنظيفِ جسدها.

 لكن مع مواصلةِ القراءة، يتحوّل الوسخ إلى دنس، من شيء مادي مزعج إلى حالةٍ معنوية مزمنة، واستعارةٍ للدنسِ الذي يشعر بهِ المرءُ من الداخل، والتلوث الذي يصعبُ التطهرُ منه، وكأنّ مدينة نيويورك تلوّثها على الصعيد الأخلاقي، تخرج المعلمة مثلاً في موعدٍ رومانسي مع حبيبها ساشا، وعلى الرغم من أنّها استحمّت ونظفت نفسها جيّداً، وارتدت فستاناً أنيقاً من ماركةِ ماكوين، فإنّها تشعرُ بأنّها لا تزالُ متّسخة وكل طقوسها لم تنجح في تنظيفها حقاً. يتزامنُ هذا مع إحساسها بالضآلة وبالفروقاتِ الطبقية، ويتقاطعُ أيضاً مع ما تمّر بهِ في يومياتها مع طلاّبها، فالشخصيةُ متهوّرة وتتخذ قرارات مستفزة وغير متوقعة، ولا تبدو واثقة من خياراتها ومشاعرها ولا حتى حاسمة بشأنِ تجاربها، سواء كمعلمة أو كعاشقة أو صديقة.

 أمّا الهوسُ الثاني الذي ميّز شخصيةَ الراوية، فيتمثّل في هوسِها بالماركات العالمية، إذ تستعرض ما تقتنيه في خزانتها وما ترتديه في المناسباتِ الخاصة، وإيمانها بأهميةِ المظهر اللائق في جذبِ الانتباه وفرضِ التقدير الاجتماعي. والبطلة التي ورثت عن والدتها المتوفاة حقيبة بيركن سوداء، تتجوّلُ بها في مدينةِ نيويورك كنوعٍ من التباهي، وكذلك في محاولةٍ للتعويضِ عن النقص الذي تشعر بهِ بصفتها وافدة أجنبية، بملامحها العربية، كما لو أنّ الحقيبة الثمينة، توفر لها نوعاً من الحمايةِ النفسية. و لا يتوقف الأمر عندَ هذا الحدّ، فهي تشجع تلميذها "جاي" وهو أسمر البشرة، على الاهتمامِ بمظهره وأناقته، معتبرةً أنّ ذلك سيجنّبه المعاملة العنصرية ويفرض على الآخرين احترامه والتعامل معه بلباقة. أي إنّها تغرسُ فيهِ قيمها الشخصية وتحاول أن تجعلَ منه نسخةً مصغرة عنها.

 رواية ترضي الذائقة الأميركية

 عندَ قراءةِ روايةِ "العملة"، والتعرّفِ على شخصياتها وفضاءاتها، يمكنُ تخيّل أحداثها في فيلمٍ أو مسلسلٍ أمريكي، إذ تبدو كما لو أنّها فُصّلت على مقاسِ الذائقة الأمريكية، فالحكايةُ تشبهُ إلى حدٍ كبير ما تقدّمه السينما الأمريكية من أفلامٍ عن شخصياتٍ مركّبة تعاني من التيه وأزماتِ الهوية واكتشافِ الرغبات الجسدية في مجتمع منفتح على تعدّد الميولاتِ الجنسية. كذلك مرّ على السينما أفلام عديدة عن معلّمات متمردات يحاولن كسر الجمودِ في مدارسهن، واختبار أساليب تعليمية جديدة مع الطلاب، لذا تبدو الحكاية مألوفة نوعا ما وإن كانت مطروحة بأسلوب مختلف وبنية سردية جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 في الوقتِ نفسهِ تغيبُ البيئة العربية وخصوصيتها، وتذوب أصالة الثقافة الأم مقابل الثقافة المكتسبة، ولا تظهر الهوية الفلسطينية للشخصية إلاّ عبر ظلالٍ بالاسم والملامح وكحياةٍ سابقة وذكريات بعيدة من الماضي. وحتى موقفُ الراوية من القضيةِ الفلسطينية قد يبدو للمتلقي العربي باهتاً، بحضور ضعيف وغير كافٍ اقتصر على حفل خيري نظمته الراوية لجمع التبرعات وإرسالها. وفي حوارٍ لياسمين زاهر عبر الزوم، حاولت تبرير خياراتها وشرح موقفها بالقول إنّها ككاتبة لا تريد أن تمثل أحداً ولا أن تتحمّل مسؤولية تمثيل الشعب الفلسطيني، وتفضّل أن تكونَ حرةً تماماً في كتابةِ نصوصها، وتمثل نفسها فحسب. كما أشارت وهي تتحدّث عن بطلتها، إلى أنّها لم تتعمّد اختيار بطلة فلسطينية لروايتها، فهي لا تخطط قبل الكتابة، ولم يخطر ببالها جعل الشخصية منتمية إلى مكان آخر. وشرحت أيضاً أنّ بطلتها قد لا تشبهُ النموذج المعتاد للشخصيات الفلسطينية الروائية، فهي امرأة ثرية وناجحة، ولا تحضر بوصفها لاجئة أو ضحية حرب من الشرق الأوسط، وربما يكون من الأفضل، من وجهة نظرها تمثيل الشعب الفلسطيني على نحو جديد ومختلف لا يكرّر ما طرح سابقاً.

السرد الذاتي وبنية الفصول الموجزة

 يأخذُ السردُ في روايةِ "العملة" طابعاً قريباً من السرد الذاتي أو كتابة اليوميات، فالشخصية الرئيسة تروي الأحداث كلّها عبر مونولوغ داخلي طويل، فيتفاعلُ المتلقي مع المتن من وجهةِ نظر أحادية منحت لصوتِ الراوية. وتبدو الفصول موجزة وخاطفة وبعضها لا يتجاوز الصفحةَ الواحدة، كما تبدو الأحداث كأنّها منسوخة من يومياتٍ حقيقية مفصّلة، وهذا ما يمنحهُ ميزةَ قابليةِ التصديق، والتعامل معه كما لو أنّه سردٌ ذاتي إذ يلغي هذا الأسلوب في الكتابة الحدود بين الحقيقةِ والخيال، ويثيرُ الفضول والتساؤلات بشأنه، خصوصاَ وهو يقدّمُ وصفاً دقيقاً للشخصياتِ والأمكنة وترتيباً زمنياً واقعياً للأحداث.

 أمّا ياسمين زاهر فقد فسّرت سببَ إيجاز الفصول واختيارها لهذهِ البنية السردية للرواية، بتفسير مباشر وبلا مواربة، حيث قالت إنّها تعاني من  نقصٍ في الانتباه وليس بإمكانها أن تكتبَ فصولاً أطول ممّا كتبت، كما أوضحت أنّ تلك الفصول القصيرة كانت مستقلّة بذاتها، وأنّها أمضت سنوات في تحريرها وإعادة تركيبها وتغيير مواقعها وفقاً لرؤيتها. وهو ما يطرحُ تساؤلاً إضافياً لدى النقاد حولَ تجربتها الخاصة في الكتابة وبناءِ سردِ الرواية، التي قد تبدو غريبة ومختلفة مقارنةً بموضوعِ النصِ نفسهِ.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة