Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلهان عمر في مواجهة ترمب... تأثيرات حزبية تقدمية

نائبة الكونغرس تحمل أفكاراً صدامية ضد سياسة الرئيس الأميركي خصوصاً في قضايا الهجرة

نائبة الكونغرس الديمقراطية إلهان عمر والتي تعود أصولها إلى الصومال (أ ف ب)

ملخص

سيشكل عام 2026 نقطة تحول تاريخية في سياسة الهجرة إلى أميركا التي اعتادت منذ خمسينيات القرن الماضي أن تستقبل عدداً من المهاجريين يفوق عدد المغادرين، ويؤكد ذلك تراجع طلبات اللجوء إلى أدنى مستوياتها منذ عقود بعد تطبيق إدارة ترمب سياستها غير المسبوقة بإغلاق حدودها مع المكسيك، وتشديد حملات الترحيل وفرض رسوم إضافية على تأشيرة "HI-B" الخاصة بالكفاءات العالية.

من داخل المكتب البيضاوي وأمام الصحافيين سخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحد لقاءاته الأسبوع الماضي، من نائبة الكونغرس الديمقراطية إلهان عمر، واقترح على رئيس الصومال أن يأخذها معه، نسبة إلى أصولها الصومالية.

وعلى إثر القوانين الأخيرة التي اقترحها ترمب، والتي أعلن عنها بعد يوم من إطلاق مواطن أفغاني النار على جنديين من الحرس الوطني في واشنطن الشهر الماضي، دعا الرئيس الأميركي في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي "بوقف الهجرة بصورة دائمة من كل دول العالم الثالث للسماح للنظام الأميركي بالتعافي بصورة كاملة"، وهدد أيضاً بإلغاء ملايين الطلبات المقبولة التي منحت في عهد سلفه جو بايدن وترحيل أي شخص لا يقدم للولايات المتحدة قيمة إضافية.

على رغم من تلك القرارات الموجهة، فإن تركيز جهود إنفاذ قوانين الهجرة الجديدة التي دعا إليها ترمب ركزت بصورة خاصة على المهاجرين الصوماليين المقيمين في مينيسوتا، وظهر ذلك في الخطاب القاسي للرئيس الأميركي الذي قال فيه، "سنسلك الطريق الخطأ إذا استمررنا في استقبال الحثالة"، مشيراً إلى المهاجرين الصوماليين.

لم يكن تركيز ترمب على إلهان محض صدفة خاصة، بل في تعرضه لها سابقاً، وتحديداً في انتخابات 2020، إذ انتقدها وزميلتها في الحزب الديمقراطي ومجلس النواب رشيدة طليب، وهي من أصل فلسطيني، واتهمهما بتبديد الأموال، وطالب بمحاكمتهما.

الهجوم يعود بصورة رئيسة إلى شخصية الرئيس ترمب التي تميل إلى التصادم وتصفية الخصوم مع رؤية "ترمبية" خاصة تكشف عن بعد عقائدي وتعيد تعريف الولايات المتحدة كدولة وتعبر عن البعد الديني والقومي والعرقي الجديد، إذ يرى في إلهان عمر التي طالما انتقدته بشدة في عدد من تصريحاتها منذ انتخابه في ولايته الأولى، مصدراً مزعجاً يعرقل سير الـ"ترمبية" السياسية.

وتشغل إلهان عمر منصب نائب رئيس التجمع التقدمي في الكونغرس وتحظى بدعم من القاعدة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي، إذ تجذب مواقفها في العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية عديداً من الناخبين الشباب والمتنوعين، وأيضاً هي من أشد المنتقدين لترمب مما جعلها هدفاً خاصاً لهجماته المتكررة.

ويعكس اهتمام إلهان عمر بالقضايا التي تهم الناخبين التقدميين مثل الهجرة والعدالة العرقية، إلى جانب وجودها في الكونغرس، شعور المكانة لدى الأقليات المتنوعة لا سيما المسلمة مما يزيد نسبة مشاركة هذه الفئات في الانتخابات، وقد تؤدي الهجمات التي يشنها ترمب والجمهوريون عليها إلى تعميق الاستقطاب السياسي وتحفيز الناخبين الديمقراطيين للدفاع عنها.

تأثير إلهان يتجاوز دورها في تمثيل دائرتها الانتخابية ليصل إلى التأثير في السياسات الوطنية ونقاشات السياسة، ومع تصريحها عبر قناة "MS NOW" قبل أيام، الذي تعهدت فيه أن قوانين الهجرة لن تطبق على الصوماليين، مؤكدة أنهم سيرفضون مغادرة الولايات المتحدة مهما كانت الأوامر التي يصدرها ترمب، فإن حديثها يزيد من حدة المواجهة مع سيكولوجية ترمب ورؤيته الجديدة التي تمثل إلهان عمر تناقضية تامة معها، لا سيما أنها تمثل حزباً يتصادم معه في كثير من الآراء.

أميركا ودولة الحزب الواحد

 يعد التنظيم الجمهوري منذ تأسيس أميركا حزباً برلمانياً طبيعياً يمثل القيم الأميركية التقليدية التي أسسها الآباء الأميركيون، ولكنه اليوم بات يمثل نقيض القيم التي يتطلع إليها جيل الشباب في المجتمع الأميركي كونه يخدم على نحو مباشر الأثرياء ورجال أعمال بارزين في مجالات النفط والمال والأعمال، الذين هم في الأساس محافظون قوميون ويميلون إلى اليمين المسيحي المتطرف، ويزداد نفوذهم يوماً بعد يوم داخل الحزب الجمهوري.

 

ويهدف الجمهوريون إلى الانكفاء الاقتصادي نحو الداخل الأميركي، ورفض الالتزام بالمعاهدات الحقوقية والسياسية وتقنين الهجرة، مما يشكل تحدياً مستقبلياً محتملاً للشعبية الحزبية في انتخابات مجلس النواب القادمة، بل وحتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أن غلبة الحزب الواحد ليست ضرورة مستمرة في النهج الأميركي، ولكنها الآن مؤثرة وضرورية لحاجة السياسة الأميركية الخارجية وما يتطلبه الوضع في الشرق الأوسط.

وغلبة الحزب الواحد باتت تؤثر في الداخل الأميركي الذي يميل في الحقيقة وتلقائياً نحو القيم الديمقراطية والدبلوماسية والتنمية المجتمعية، ولا يهمه كثيراً موضوع الهجرة أكثر من الاهتمام برفاهيته الاقتصادية وحريته، إذ باتت أميركا اليوم مكتفية بالمهاجرين، لذا فإن قضية الهجرة ليست الجوهر الرئيس لاهتمامات ترمب، بل هي رؤية الحزب الواحد الذي استطاع ترمب تشكيلها ونلامسها الآن.

تراجع الطابع الأميركي القديم و"نيوليبرالية" جديدة

لا تزال الولايات المتحدة عضواً مسؤولاً في النظام العالمي والقوة العسكرية المهيمنة، ولكنها تفقد صدقيتها في مجالات أخرى كونها اليوم مع سياسة ترمب دولة الحزب الواحد، حزب الأعمال والرؤية الاقتصادية، حيث نرى توجه نفوذه نحو الشرق الأوسط من خلال تعزيز التحالفات والشراكات الاقتصادية مع الحلفاء، فمن كان معاقباً بالأمس أصبح حليفاً اليوم، وتسير على مبدأ القوة التي تُسير العالم لا المبادئ التقليدية، بما يعني أنها "نيوليبرالية" جديدة وموجهة، يدعمها في ذلك فصيل واحد من الجمهوريين المعتدلين أو ما يسمى "الديمقراطيون الجدد".

وفي نظرة استباقية، يرى المحلل الأميركي نورمان أورنشتاين من معهد "American Enterprise" أن الجمهوريين سيوجهون بوصلة السياسة الأميركية في المستقبل وبصورة راديكالية متطرفة أيديولوجياً، تميل لفرض شرعية الحزب والرئيس، من خلال سيطرة الأثرياء وقطاع الشركات التكنولوجية وهيمنة المصالح المباشرة، وهذا ما نراه اليوم، إذ يمثل الرئيس دونالد ترمب، وهو رجل أعمال في الأساس، تلك السيطرة مع وجود الملياردير إيلون ماسك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم الاختلاف بين إيلون ماسك وفريق دونالد ترمب في موضوع الهجرة والمهاجرين والعمال المهرة وخصوصاً نظام "H1B visa" الذي يستثني بعض الفئات، وقيام إيلون ماسك بالدفاع عن المهاجرين أصحاب الكفاءات، فإن نقاط الاختلاف لم تكن تذكر إذا كان ماسك مؤيداً قوياً لفريق دونالد ترمب الذي يدعو إلى ترحيل قسم كبير من المهاجرين خارج أميركا، وبالفعل سارت مجريات الأمور للتطبيق الفعلي اليوم، وتسير بتوافق مع سياسة دولة الحزب الواحد.

لا يخدم الاختلاف أجندة فصيل إلهان عمر وفريقها، لأنه وعلى رغم تحليل كثير من المعارضين اليوم تصريحات ترمب بأنها تمس التنوع العرقي في أميركا وغير أخلاقية وتضر كل القيم الشمولية والتعددية التي هي أساسية في ديمقراطية الولايات المتحدة، فإن أحداث الهجوم الأخير في واشنطن وهجوم ترمب بعد ذلك على الديمقراطيين متهماً إياهم بتشجيع الإرهاب والهجرة غير الشرعية والتسبب في ضرر كبير للشعب الأميركي، دفع كثيراً من المعارضين إلى التراجع عن مواقفهم.

وفي هذا السياق يقول آري أراميش، وهو خبير استراتيجي ديمقراطي، إن ملف الهجرة تخطى فيه الديمقراطيون الحدود، مشيراً إلى أن احترام الإجراءات القانونية التي صرح بها ترمب ضروري، ولا يجب ترك الحدود مفتوحة، كما حدث في عهد بايدن، ويجب إيجاد توازن يحفظ القانون، وفي الوقت نفسه لا يفقد الحزب الديمقراطي ثقة الناخبين بمعارضته سياسة ترمب، إذ كيف سيكون النهج الأميركي القادم في ظل سياسة ترمب الداخلية؟

اختلاف نسبي بين الأحزاب في موضوع الهجرة

وفي ما يخص موضوع الهجرة، فوفقاً لدراسة استقصائية جديدة أجراها مركز "بيو للأبحاث" يختلف الجمهوريون والديمقراطيون بائتلافاتهما المختلفة حول أهم أولويات نظام الهجرة في البلاد، إذ يولي الجمهوريون بقيادة ترمب أهمية خاصة لأمن الحدود وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بينما يولي الديمقراطيون أهمية أكبر لسبل الحصول على وضع قانوني آمن للذين دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية، وبخاصة أولئك الذين دخلوا وهم أطفال.

 

ومع ذلك هناك بعض مجالات التداخل بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهناك اختلافات أيديولوجية كبيرة في أهداف الهجرة داخل كل ائتلاف حزبي، حيث يعبر الجمهوريون المحافظون والديمقراطيون الليبراليون عن آراء أكثر حدة من غيرهم في أحزابهم.

ويرى نحو ثلاثة أرباع الأميركيين بنسبة 73 في المئة أن تعزيز الأمن على طول الحدود الأميركية- المكسيكية للحد من عمليات العبور غير القانونية يجب أن يكون هدفاً بالغ الأهمية.

ويؤكد جميع الجمهوريين تقريباً والمستقلين المائلين للجمهوريين بنسبة 91 في المئة أهمية أمن الحدود وصرامة أكثر في استقبال المهاجرين من كل الدول، بينما تؤيد غالبية أقل من الديمقراطيين والمستقلين المائلين للديمقراطيين بنسبة 59 في المئة هذا الرأي، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي شمل 7647 بالغاً أميركياً أجري في الفترة من الأول وحتى الـ 14 من أغسطس (آب) 2025.

لكن مع تصاعد الأحداث الأخيرة زادت الاختلافات الحزبية والأيديولوجية في شأن سياسة الهجرة، ويرجح أن يبدي الجمهوريون المحافظون تأييداً قوياً لأهداف الهجرة الأكثر تقييداً وصرامة أكثر، مثل تعزيز أمن الحدود وزيادة عمليات الترحيل، حتى بالمقارنة مع غيرهم في حزبهم، ومن ثم سيشكل عام 2026 نقطة تحول تاريخية في سياسة الهجرة إلى أميركا التي اعتادت منذ خمسينيات القرن الماضي أن تستقبل عدداً من المهاجريين يفوق عدد المغادرين.

ما يؤكد ذلك هو تراجع طلبات اللجوء إلى أدنى مستوياتها منذ عقود بعد تطبيق إدارة ترمب سياستها غير المسبوقة بإغلاق حدودها مع المكسيك، وتشديد حملات الترحيل وفرض رسوم إضافية على تأشيرة (HI-B) الخاصة بالكفاءات العالية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل