ملخص
واجهة كنيسة العائلة المقدسة في مجمع دير اللاتين التي تحمل الصليب، تقف جريحة وشاهدة على هذه الحرب بعد الأضرار التي لحقت بها جراء القصف الإسرائيلي.
داخل بيتها المتضرر من الحرب الإسرائيلية على غزة، تحاول المسيحية مي الخروج من أجواء الحزن والخوف بتعليق زينة خجولة على شجرة ميلاد صغيرة الحجم، أخذت ركناً في إحدى زوايا منزلها الآيل للسقوط.
لم تبدِ مي أية مظاهر فرح باقتراب العيد، إذ ظهرت بملابس يومية قاتمة اللون تعكس شعورها وتأثرها بالإبادة، ومن دون ابتسامات تنشغل في تعليق بعض الأجراس ومصابيح الإنارة الصفراء.
إضاءة بسيطة
تحاول مي أن تعيد طقوس عيد الميلاد لبيتها بعدما غابت عنه عامين قضتها بين القصف والجوع والنزوح، تقول "صغيرتي مريم لا تعي ما هي شجرة عيد الميلاد، فنشبت الحرب وهي في الثانية من عمرها".
تنوي مي هذا العام اصطحاب أبنائها إلى الكنيسة وقت إضاءة شجرة الميلاد، ليعيشوا الطقوس التي حرموا منها على مدى العامين الماضيين اللذين شهدا قتالاً عنيفاً قرب كنائس المسيحيين.
تقول مي "التفكير في عيد الميلاد خلال الحرب كان ترفاً وأمراً مستحيلاً، كان البحث عن مكان آمن ولقمة عيش هو الأولوية بالنسبة إليّ وإلى الجميع هنا، من مسلمين ومسيحيين".
ندوب الحرب
مرت الحرب ثقيلة وكئيبة على مي وكان همها الوحيد النجاة بأسرتها، وهنا تتابع "الحرب تعني الخوف والموت والجوع والتدمير، أما العيد فهو بهجة وسعادة، ولا يلتقيان، المسيحيون في غزة افتقدوا أجواء العيد وطقوسه حتى الكنيسة لم تكُن آمنة للصلاة وأشجار الميلاد اكتست بالحزن".
في وقت العيد أثناء الحرب، كانت مي تفتح لصغيرتها على مقاطع عن الاحتفالات، ومن الفيديو تعرفت إلى "بابا نويل" وراحت تسألها عنه… متى سيأتي، لكن لم تكُن لدى الأم إجابات وقت القتال، وكل ما في صدرها أمنيات أن يأتي عيد الميلاد بسلام وفرح من دون عنف.
انطفأت أضواء الأعياد التي اعتادت مي إضاءتها في منزلها لعامين، واليوم تعود حزينة على المسيحيين الذين اعتادوا أن يبدأوا احتفالاتهم بقرع أجراس الكنائس في البلدة القديمة استعداداً لاستقبال العيد لطائفتي الكاثوليك والأرثوذكس لأن ندوب الحرب الإسرائيلية على غزة قتلت فرحتهم وتركت فيهم جراحاً غائرة يصعب التخلص منها.
حرمان من بيت لحم
كانت مي تخطط للسفر إلى بيت لحم في الضفة الغربية لزيارة كنيسة المهد والحج هناك، لكنها تقول "هذا العام الثالث الذي أحرم فيه من زيارة كنيسة المهد بسبب إغلاق معبر إيرز".
وفي الواقع قبل الحرب، كانت إسرائيل تسمح لمسيحيي غزة بالسفر إلى الضفة الغربية نحو مدينة بيت لحم، عبر معبر إيرز (المنفذ الوحيد من القطاع إلى الضفة)، لكن عندما اندلع القتال باتت تمنع خروج أي منهم، وتحرم المسيحيين من الوصول إلى مدينة بيت لحم، حيث موسم الحج إلى كنيسة المهد في إطار العقوبات الجماعية التي تفرضها على سكان القطاع.
عادة يبدأ الاحتفال بعيد الميلاد لدى مسيحيي غزة منتصف ديسمبر (كانون الأول) من كل عام بقرع أجراس الكنائس الأثرية، غير أن الحرب أوقفت تلك الأجراس عن القرع، ولأن المسيحيين محرومون من السفر، وصل إليهم بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، في زيارة رعوية ميلادية سنوية لرعية العائلة المقدسة، إيذاناً ببدء احتفالات عيد الميلاد.
الكنيسة حزينة
وجد بيتسابالا أن العيد قد حلّ بلا أضواء ولا مظاهر احتفال للعام الثالث في قطاع غزة، فالكنائس التي كانت في مثل هذا الوقت من كل عام تتزين وتتجهز لاستقبال الأعياد، بات الحزن يخيم عليها.
واجهة كنيسة العائلة المقدسة في مجمع دير اللاتين التي تحمل الصليب، تقف جريحة وشاهدة على هذه الحرب بعد الأضرار التي لحقت بها جراء القصف الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول بيتسابالا "ما جرى في غزة لا ولن ينسى، يجب التطلع نحو المستقبل، سنعيد إعمار بيوتنا ومدارسنا وسنبني من جديد حياتنا نحن من هنا، وسنبقى هنا وفي هذا البحر من الدمار نسعى لأن نكون مثالاً للجميع على معنى البناء من جديد".
ويمضي في حديثه، "للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، أشعر بشيء من الراحة وأنا بينكم هنا، أعرف أن الوضع صعب وألمسه في حياة الأطفال، لكن حتى في هذا الظلام تبقى شعلة أمل حاضرة".
أعدادهم تنخفض
في الحرب قتلت إسرائيل 20 مسيحياً بهجمات على أنحاء متفرقة بالقطاع، أي ما يزيد على ثلاثة في المئة من إجمال عددهم الذي يبلغ الآن 667 مسيحياً، بعدما كان يصل إلى نحو 1100 قبل بداية الحرب، ويتبع 70 في المئة من مسيحيي غزة لطائفة الروم الأرثوذكس، بينما البقية لطائفة اللاتين الكاثوليك، إذ اضطر المئات منهم إلى مغادرة القطاع خلال الأشهر الأولى للحرب.
ويقول مدير عمليات البطريركية اللاتينية في غزة جورج أنطون "احتفالات هذا العام ستقتصر على القداس والصلوات، فهي لا تختلف عن العامين الماضيين بفعل تداعيات الحرب، وستكون داخل مبنى الكنيسة من دون وجود احتفالات خارجية كما قبل الحرب".
ويروي، "كامل الفلسطينيين بمن فيهم المجتمع المسيحي، لم يخرجوا بعد من أجواء الحرب، ما زلنا في وضع غير مستقر ومحبطين وحزانى... المسيحيون تعرضوا للقتل أيضاً ودمر الجيش الإسرائيلي منازلهم ومحالهم ومدارسهم ومستشفياتهم، لن نحتفل وكأن شيئاً لم يكن".
ويؤكد أنطون أنه حان الوقت لأن يدق العالم جرس السلام، وأنه يجب أن ينظر إلى الشعب الفلسطيني بطريقة مختلفة، وعملية السلام يجب أن تكون مختلفة هذه المرة.
وبحسب أنطون، فإن إسرائيل لم تسمح هذا العام لمسيحيي غزة بالسفر إلى بيت لحم، بعدما كانت تتيح قبل الحرب دخول نحو 400 مسيحي إلى الضفة الغربية والقدس للمشاركة في أعياد الميلاد.