ملخص
تتمثل الإغراءات في الحصول على الرواتب المجزية التي تصل إلى 3000 دولار، وعند انتهاء العقد مع الجيش الروسي ومدته عام كامل يسرح المقاتل إذا رغب في ذلك، ليمنح راتباً شهرياً وتأميناً صحياً وجواز سفر روسياً وشقة سكنية.
"ذهب إلى الهلاك" هذا هو التعبير الذي يستخدمه العراقيون ليصفوا به حال الشباب المتطوعين للقتال ضمن صفوف الجيش الروسي ضد أوكرانيا. ساحات قتال مترامية الأطراف يحاصرها الموت من كل جهة، لتبقى وسيلة النجاة حلماً لن يتحقق.
شباب هربوا من ظروف الفقر سعياً إلى الحصول على مكاسب مالية بعد الوعود التي سمعوا أن الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا توفرها، لكن أحلامهم تبددت تحت صقيع روسيا وحاصرتهم من كل جانب آلات القتل المتطورة التي يجهلون تفاصيلها. وشباب تطوعوا بأنفسهم للقتال مع الجيش الروسي وآخرون استُدرجوا وغرر بهم ووعدوا بالهجرة إلى أوروبا ليجدوا أنفسهم داخل معسكرات التدريب في روسيا.
"كان زوجي يحلم بالهجرة إلى أوروبا، أقنعه شخص بالحصول على تأشيرة إلى روسيا ومن ثم يذهب إلى بيلاروس لينتقل بعدها إلى أوروبا. وبدأت رحلة عذابه حين قدم له هذا الشخص العون للحصول على التأشيرة، ليجد نفسه في نهاية المطاف في أحد المعسكرات الروسية"، هذا ما ذكرته لنا زوجة أحد المقاتلين في صفوف الجيش الروسي، وعبرت عن خشيتها من ذكر اسم زوجها كاملاً خوفاً من أن يتعرض للقتل، فهي لا تعلم طبيعة العقد الذي وقعه مع الجيش الروسي.
تقول "زوجي كان ضحية إذ لم يكُن يعرف بموضوع انضمامه إلى القتال مع روسيا، بل كان هدفه الهجرة إلى أوروبا لذا يمكنني أن أوكد لكم أنه وقع ضحية أحد المتاجرين بالبشر"، وتتابع أنه "يرسل لي دائماً فيديوهات من الخندق حيث يعيش حالياً، ويبدو عليه التعب والمرض ويطالبنا بمساعدته وتدخل الحكومة العراقية، وأنا أقف عاجزة".
تجنيد العراقيين للقتال
تعد معضلة تجنيد العراقيين للقتال في روسيا من الملفات الغامضة ومن الصعب معرفة خباياها ومن هي الجهات التي تقف خلفها، فعلى مدى الأشهر الماضية، كانت تنتشر فيديوهات تبث المباشر على "تيك توك" لشباب عراقيين وهم يرتدون بدلات عسكرية في روسيا، ويقدمون النصائح للشباب لثنيهم عن فكرة الذهاب إلى القتال مع الجيش الروسي لأن مصيرهم سيكون الموت.
وبقيت معلومات ملف التجنيد ضئيلة وتلتقطها وسائل الإعلام من هذه الفيديوهات فقط، ولم تصرح الحكومة العراقية بنيتها متابعة الملف، ولم تؤكده أو تنفيه ولم تتخذ أية إجراءات أخرى من بينها المطالبة بنقل جثامين القتلى الذين قضوا خلال الحرب الدائرة هناك.
وأصدرت محكمة النجف حكماً قضائياً بالسجن المؤبد وغرامة بقيمة 15 مليون دينار عراقي (11.453 مليون دولار) لمدان بتجنيد عراقيين للقتال في روسيا مقابل مبالغ مالية وسكن مجاني وزواج روسيات. ومع إصدار هذا القرار القضائي، بدأت تتأكد المعلومات عن وجود شبكات داخل العراق تسعى إلى زج الشباب في الحرب الدائرة هناك.
كيف يجند الشباب؟
تسعى المحامية والناشطة الحقوقية نوال فجة إلى فتح ملف تجنيد العراقيين للقتال في روسيا، وتحاول عبر منظمتها تنظيم وقفة احتجاجية أمام السفارة الروسية للمطالبة بإيقاف العمل بالتأشيرة السياحية التي تمثل بوابة تجنيد العراقيين، والمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين الذي انقطعت أخبارهم ولم تعرف عوائلهم مصيرهم وإعادة جثامين القتلى للعراق.
وترى فجة أنه "من الضروري إيقاف التأشيرات السياحية، فروسيا بلد في حال حرب حالياً ومن غير المعقول أن تصدر تأشيرات سياحية، ومن الممكن أن تقوم الحكومة العراقية بحصر أعداد هذه التأشيرات ومعرفة أعمار الحاصلين عليها لمعرفة الملتحقين بالجيش الروسي، ومتابعة المسافرين إلى روسيا والغرض من سفرهم. ومن الضروري إصدار تسهيلات للشباب المغرر بهم لغرض العودة للعراق، فبعضهم يخشى العودة مخافة محاسبته قانونياً، لذا لا بد من إيصال رسالة اطمئنان إلى هؤلاء الشباب والنظر إليهم بعين الرأفة".
وتنص المادة 165 من قانون العقوبات العراقي على عقاب السجن الموقت لكل من قام بغير إذن من الحكومة بحشد عسكري ضد دولة أجنبية أو رفع السلاح ضدها أو التحق بأي وجه بالقوات المسلحة لدولة أخرى في حال حرب معها أو قام بأي عمل عدائي آخر ضدها، وتكون العقوبة السجن المؤبد أو الموقت إذا ارتكبت الجريمة ضد دولة عربية.
فبعض المقاتلين فُسخ عقده مع الجيش الروسي بسبب الإصابة لكنه يخشى العودة للعراق مخافة الملاحقة القانونية، لكن تبقى طبيعة العقد الذي وقعه المجند غير معروفة، فهل يسمح له فعلاً بمغادرة روسيا إن فسخ عقده؟
فجة تابعت بدقة خيوط هذا الملف وتمكنت من التوصل إلى وسائل تجنيد الشباب العراقيين والعرب، فالتجنيد لا يقتصر على العراقيين وحسب، بل يشمل جنسيات عربية أخرى من المصريين والسوريين واليمنيين. وتوضح أن الترويج الأول وهو المباشر للتطوع للجيش الروسي، يكون عبر منصات "تيليغرام"، إذ تقدم هذه المنصات كل المعلومات الخاصة لتسهيل الدخول إلى الأراضي الروسية، وتمنح التأشيرة للشخص الراغب في الانضمام عن طريق مندوبين موزعين في محافظات العراق كافة.
أما الطريقة الأخرى، فهي عبر مواقع أيضاً لكنها تروج للدراسة في روسيا وتمنح فرص قبول طلبات تحصيل دراسي بتسهيلات كبيرة، وعندما يصل الشخص الذي يرغب في الدراسة يبدأون بمحاولة جذبهم بطريقة أخرى وتبدأ الإغراءات تنهال عليهم ليجدوا أنفسهم مجندين في الجيش الروسي.
وتتمثل الإغراءات في الحصول على الرواتب المجزية التي تصل إلى 3000 دولار، وعند انتهاء العقد مع الجيش الروسي ومدته عام كاملا يُسرح المقاتل إذا رغب في ذلك، ليمنح راتباً شهرياً وتأميناً صحياً وجواز سفر روسياً وشقة سكنية.
أما حلم الوصول إلى أوروبا فهو وسيلة أخرى للتجنيد، إذ يجري تضليل الأشخاص عن طريق المروجين بأن الوصول إلى روسيا سيفتح لهم باب اللجوء إلى القارة العجوز، فتبدأ عملية التضليل بتأشيرة سياحة من أحد مكاتب السياحة في بغداد أو عن طريق السفر إلى إيران ومن ثم إلى روسيا، وبعد الوصول إلى روسيا ينتهي الحلم، ويتحول الساعي إلى اللجوء إلى مقاتل على جبهات الحرب.
وهناك طريقة أخرى للتجنيد تتمثل في الضغط على الطلبة الذين انتهت إقامتهم وتخيرهم بين السجن أو الخدمة في الجيش الروسي، وبالتأكيد سيجد الطلبة الخيار الثاني الأنسب باعتبار أنه سيضمن لهم بحسب ما وعدوهم راتباً شهرياً ويخلصهم من قضبان السجون. وأكد السفير الروسي لدى بغداد ألبروس كوتراشيف وجود مقاتلين عراقيين في روسيا، حين قال صراحة خلال أحد اللقاءات التلفزيونية "هناك عراقيون موجودون في الجيش الروسي وبعضهم قتل، ومنحنا تأشيرات لذوي الضحايا والجرحى ليذهبوا الى روسيا لاعتبارات إنسانية".
ولم يعرف بالتحديد عدد المقاتلين العراقيين الموجودين حالياً ضمن الجيش الروسي، فالمراقبون لهذا الملف يذكرون أن العدد تجاوز 3 آلاف مقاتل، وهو عدد لم نتمكن من التأكد من صحته، فالملف يبقى مبهماً بتفاصيله.
"تورطنا"
ظهر المطرب الشاب حسين التركي في فيديو له يناشد الحكومة العراقية بالتدخل لإعادته للعراق بعدما وقع ضحية عملية احتيال، بحسب وصفه، وأوضح أنه دُعي إلى إحياء حفل في روسيا وعندما وصل إلى موسكو كان هناك شخص في انتظاره نقله إلى مدينة تبعد 16 ساعة من العاصمة موسكو.
وذكر أنه بعد وصوله وقع أوراقاً لم يعرف تفاصيلها، وقيل له حينها إنها جزء من الإجراءات الأمنية، ليتفاجأ بعد أيام أنه وقع عقداً مع الجيش الروسي.
التركي الذي أوصل مناشدته وهو تحت القصف مرتدياً الزي العسكري، ذكر أنه تورط إذ لم يعرف تفاصيل العقد المكتوب باللغة الروسية وأنه ضُلل. ولم يظهر للتركي أي فيديو آخر بعد فيديو مناشدته ولم يعرف مصيره في هذه الحرب التي لا تزال مستمرة.
التجنيد المباشر
اتسعت ظاهرة التجنيد للقتال في روسيا على نحو لافت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وزاد عدد العائلات التي تسعى إلى معرفة مصير أبنائها بعد فقدان الاتصال معهم وارتفاع عدد القتلى والمفقودين. فخلال ساعة واحدة من البث عبر "تيك توك" لأحد المقاتلين العراقيين في روسيا، كان هناك أكثر من 10 أسر سألت المقاتل الذي ظهر في البث عن مصير أبنائها، وإن كان يعرف طريقة للاستدلال عليهم.
والمقاتلون لا يبقون ضحية المروجين فقط، فالمتطوع حديثاً يجبر من قبل متطوعين سبقوه من عراقيين وجنسيات أخرى، على تحويل الأموال التي حصل عليها كمكافأة أو يضغطون عليه لتزويدهم بالرقم السري للبطاقة المصرفية الخاصة به، وبعد الاستيلاء على أمواله يرسل إلى الخطوط الأمامية في جبهات القتال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"بنسبة 99 في المئة أنت معرض للموت، لكن الأمر يستحق المجازفة"، هذا ما تذكره قناة "تيليغرام" التي تقدم المعلومات كافة عن التجنيد في الجيش الروسي، وتشرح الامتيازات التي يحصل عليها المتطوع وكيف يكون التقديم والشركات التي تصدر تأشيرة وأسعار التأشيرة التي تصل إلى 850 دولاراً.
ومن ضمن التفاصيل التي تذكرها القناة أن الدولة الروسية تتحمل كلف السفر الخاصة بالمتقدم كافة الذي يُستقبل في المطار مع تسهيل إجراءات العبور والمواصلات، ويخضع المتقدمون لدورات توعية، فيجري تحذيرهم من الاستغلال واللعب بالعقول بذريعة تعطي نصف المكافأة إلى قائد معين ولن تكون عند الخطوط الأمامية.
أيضاً تحذر القناة المتطوعين بالقول "أنت مقبل على حرب وستكون جندياً ضمن صفوف القوات المسلحة الروسية وتتبع الأوامر والإرشادات، ربما سيتم فرزك في الخطوط الأمامية وربما في الخلفية أو في صفوف المدفعية". الموقع يتضمن أسماء الحاصلين على تأشيرة الدخول ويتابع لحظة بلحظة خروج المقاتلين من العراق حتى لحظة وصولهم ونقلهم إلى أماكن إقامتهم تمهيداً لإرسالهم إلى المعسكرات.
ويعد الجيش الروسي المتطوعين بدفع راتب شهري مدى الحياة لذويهم في حال قتلوا وتعليم مجاني لأبنائهم إضافة إلى الجنسية الروسية.
ولا يخفي صاحب القناة المناصر للجيش الروسي صورته واسمه، فاسمه الحقيقي عباس حمد الله ويعرف نفسه على صفحات التواصل الاجتماعي "عباس المناصر"، وهو أول عراقي انضم إلى الجيش الروسي وكان حلمه الوصول إلى أوروبا عبر روسيا ثم بيلاروس ومنها إلى بولندا وصولاً إلى ألمانيا، لكن بقاءه في روسيا فتح له باباً آخر، إذ عثر على عرض مغرٍ براتب 500 دولار لمن يخدم داخل روسيا ويصل إلى 3 آلاف دولار على الجبهات مع الوعد بالحصول على الجنسية الروسية.
ووثق "عباس المناصر" يومياته عبر مقاطع فيديو شارحاً للشباب أن من يلتحق كمتطوع يواجه احتمال الموت بنسبة 99 في المئة، وغالباً ما يخاطب الشباب العراقي قائلاً "فكروا ألف مرة قبل أن تخطوا هذه الخطوة، فكلما زاد مبلغ المكافأة زادت الخطورة".
وعلى رغم كل عمليات التحذير، تستمر طلبات التجنيد ويبقى السؤال المرافق لهذا الملف، ما الذي يجعل الشاب العراقي يرمي نفسه في أتون حرب لا يعرف تفاصيلها، وهو الخارج من حروب طاحنة؟