ملخص
واشنطن تستعرض قوتها عبر الاستيلاء على ناقلة نفط فنزويلية، في إشارة إلى تحول استراتيجيتها من دور شرطي العالم إلى التركيز على أمن نصف الكرة الغربي. خطوة تعكس ملامح سياسة ترمب الخارجية الجديدة، وسط جدل حول مستقبل النفوذ الأميركي في أوروبا وأميركا اللاتينية.
بدا دونالد ترمب منتشياً كطفل انتزع لعبة من طفل آخر، وهو يتباهى بأن ما جرى الاستيلاء عليه كان "الأكبر على الإطلاق". غير أن "اللعبة" في هذه الحالة لم تكن سوى ناقلة نفط، جرى اقتحامها والسيطرة عليها في عملية تقودها قوات عسكرية، يعدها كثر في الغرب أقرب إلى القرصنة.
وقالت المدعية العامة الأميركية إن الناقلة كانت مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية "بسبب تورطها في شبكة غير مشروعة لشحن النفط تدعم منظمات إرهابية أجنبية"، ويبدو أنها كانت في طريقها من فنزويلا إلى كوبا. لكن من غير الواضح ما إذا كان الهدف الأساس لواشنطن هو كوبا التي تعاني نقصاً حاداً في الوقود، أم فنزويلا الغارقة في أزمتها السياسية، أم الناقلة نفسها. وفي كل الأحوال، يبدو أن أياً من هذه السيناريوهات، أو جميعها معاً، يرضي البيت الأبيض في عهد ترمب.
إلى أي مدى يمكن أن تمضي الولايات المتحدة في فرض إرادتها على فنزويلا يبقى سؤالاً مفتوحاً. فقد سبق لها أن أغرقت أكثر من 10 سفن في البحر الكاريبي بحجة تورطها في تهريب المخدرات، وأعلنت إغلاق المجال الجوي الفنزويلي. أما الخطوة القصوى فستكون إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي ينظر إليه على أنه نتاج انتخابات مزورة، سواء عبر الضغوط أو باستخدام القوة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن المخاطرة تكمن في أن الناخبين الأميركيين لا يبدون حماسة كبيرة لمثل هذا التصعيد، وأن أية عملية فاشلة، مع تبقي أقل من عام على انتخابات التجديد النصفي، قد تتحول إلى عبء ثقيل على ترمب والحزب الجمهوري، يفوق بكثير كلفة الإبقاء على مادورو في منصبه، إذ يمكن استغلاله سياسياً كرمز للتهديدات الخارجية.
يمكن اعتبار هجمات الولايات المتحدة الأميركية على فنزويلا ومصالحها على أنها أول مثال عملي على توجهات سياسة ترمب الخارجية في ولايته الثانية، بصورة متطابقة مع ما أدرج في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي نشرت أخيراً. معلوم أن ما لفت الانتباه أكثر على هذه الضفة من المحيط الأطلسي كان الازدراء الصريح للمسار الذي تسلكه معظم دول القارة الأوروبية، من وجهة النظر الأميركية. وكان أحد الاستنتاجات الواضحة أن على الأوروبيين تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم، بدلاً من الاتكال على الولايات المتحدة، وهي فكرة طرحتها إدارات أميركية سابقة أيضاً، ولكن بلهجة أقل حدة وإلحاحاً.
ومن بين الاستنتاجات المستخلصة أن الولايات المتحدة ستتخلى عن أوروبا، بدءاً من أوكرانيا، بصورة لن يعود ممكناً الاعتماد على ضماناتها الأمنية هناك في المستقبل. وتحذير الأمين العام لحلف الأطلسي مارك روته عندما قال "نحن الأوروبيين سنكون هدف روسيا المقبل"، عكس في جزء منه في الأقل رد فعل المؤسسة الدفاعية الأوروبية المذعور.
لكن، لقد كان الأكثر إثارة للاهتمام ضمن ذلك التقرير، هو ما ورد فيه عن الولايات المتحدة وسياساتها الأمنية المستقبلية، إذ عرض التقرير رؤية كانت واضحة منذ بعض الوقت، لكن لم يُعبر عنها كفكرة واحدة.
خلاصة الأمر أن الولايات المتحدة تعتزم التخلي عن دور شرطي العالم، مهما أكثر ترمب من التباهي بعقد صفقات سلام تمتد من جنوب شرقي آسيا إلى وسط أفريقيا والشرق الأوسط. الأولوية، خلال المرحلة المقبلة، ستكون لأمن أميركا نفسها وأمن نصف الكرة الغربي، في نسخة تعود إلى القرن الـ21 من مبدأ مونرو الذي أعلن عام 1823.
كل اتفاقات السلام تلك التي يكرر ترمب الحديث عنها، يمكن اعتبارها بمثابة محاولة للتخلص من الأمور العالقة استعداداً لانسحاب الولايات المتحدة. وقد يفسر ذلك الإلحاح الذي يميز جهود الرئيس ترمب الحالية في محاولة إنهاء الحرب الأوكرانية. وهو لا يزال يرى أن هناك عملاً يتعين القيام به في الشرق الأوسط، لكن الرسالة واضحة: وداعاً.
هذا التوجه يجعل الأميركيتين أولوية أمنية لإدارة ترمب، وهو ما يفسر أيضاً تصريحاته خلال الأسابيع الأولى من ولايته الثانية في شأن غرينلاند وبنما، إضافة إلى استهدافه الحالي لفنزويلا. وقد يواسي البريطانيين والأوروبيين الاعتقاد أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة مرتبطة بشخص ترمب وحده، وأن "مبدأ مونرو 2" سيرحل برحيله.
لكن، بالطبع، ليست هذه المرة الأولى في الذاكرة الحديثة التي تتدخل فيها الولايات المتحدة داخل أميركا الوسطى والجنوبية. فلنتذكر نيكاراغوا والسلفادور وتشيلي، وبالتأكيد كوبا. وقبل ذلك، قد يتذكر البريطانيون مدى الصعوبة التي تجلت في إقناع الولايات المتحدة التي تربطهم بها "العلاقة الخاصة"، بدعم المملكة المتحدة في حربها ضد الأرجنتين حول جزر فوكلاند، فضلاً عن التدخل العسكري الأميركي غير المعلن في غرينادا البريطانية آنذاك. وبدلاً من أن تكون تصرفات الولايات المتحدة هذه هي الاستثناء، فقد تكون واشنطن بصدد العودة إلى نمط تقليدي للغاية، إذ سيكون استخدام قوتها في نصف الكرة الأرضية الغربي هو المحرك للإدارات المستقبلية. فهل يكون الوجود العسكري الأميركي في أوروبا هو الاستثناء، لا العكس؟
ولا يعني ذلك أن فرض النفوذ داخل نصف الكرة الغربي سيكون مهمة سهلة. كيف ستتعامل واشنطن مع صعود البرازيل أو مع كندا غير المتعاونة؟ وأين ترى الصين حدود نفوذها المستقبلي في المحيط الهادئ؟ حتى نصف الكرة الغربي وحده قد يكون كافياً تماماً لإشغال الولايات المتحدة، سواء في السلم أو في الحرب إذا رأت ذلك ضرورياً.
© The Independent