ملخص
الزخم الذي بدت عليه قوة الدفع الأميركية يتراجع نسبياً بسبب موجة الرفض داخل أروقة الكونغرس ومن قبل قادة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.
على رغم ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوكرانيا كي تقبل بخطته المكونة من 28 نقطة لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف، تواجه هذه الخطة تحديات وعراقيل سواء من الأوروبيين والأوكرانيين أو حتى في داخل الولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات حول إمكان نجاح جهود الإدارة الأميركية هذه المرة في تمرير ما فشلت فيه من قبل في أنكوراج بولاية ألاسكا الأميركية أو في قمة بودابست التي لم تنعقد أصلاً، فما الذي يجعل ترمب مقتنعاً بأن الخطة هي الحل الأمثل؟ ولماذا يريد الأوروبيون والأوكرانيون تعديلها؟
تحول أم ثبات؟
بعد تردده الشديد هذا العام في شأن كيفية إنهاء الحرب في أوكرانيا، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الأسابيع الأخيرة وكأنه استقر على استراتيجية تشير إلى استعداده ممارسة ضغوط طويلة الأمد على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحصول على تنازلات من شأنها أن تؤدي إلى نهاية متوازنة تنهي الحرب المشتعلة بين موسكو وكييف، التي تقترب من ذكراها الرابعة في فبراير (شباط) 2026، فقد فرض ترمب عقوبات جديدة على مبيعات النفط الروسي، ووافق على تزويد القوات الأوكرانية بالأسلحة الأميركية شريطة أن يشتريها الأوروبيون، مما جلب مليارات الدولارات لمجمع الصناعات العسكري الأميركي، حتى أنه صرح في وقت سابق من هذا الخريف أن أوكرانيا قادرة على استعادة أراضيها المحتلة من روسيا والتوغل داخل الأراضي الروسية.
وقبل أسابيع طرح فكرة تزويد أوكرانيا بصواريخ "كروز" من نوع "توماهوك" قادرة على ضرب العمق الروسي، لكنه تراجع عن تقديم هذه الأسلحة بعيدة المدى، بعدما بدا أن محادثة مع بوتين أقنعته بإمكان تصعيد الأمر إلى صراع أميركي مباشر مع روسيا.
ومع ذلك بدا أن موقف ترمب الثابت قبل أن يعود إلى البيت الأبيض وخلال الأشهر القليلة التي أعقبت وصوله إلى السلطة، هو تركيزه على ديناميكيات القوة، إذ أوضح أن الطرف الأضعف سيضطر إلى التنازل في النهاية، وتجسد ذلك في المشادة الكلامية الشهيرة مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي حينما صرخ في وجهه قائلاً "ليست لديك أوراق!" وضغط عليه لقبول الأطروحات الأميركية لوقف الحرب مع موسكو التي ترفضها كييف.
الآن تبدو النقاط الـ28 في خطة السلام الروسية - الأوكرانية المقترحة التي قدمها البيت الأبيض، وكأنها تعيد صياغة هذا الموقف الثابت من ترمب المرتكز على ديناميكيات القوة، والتي تعكس تقريباً جميع مطالب بوتين من دون الاهتمام سوى بالقليل من المطالب الأوكرانية.
ووفقاً للخطة الأميركية سيتعين على أوكرانيا التنازل لروسيا عن جميع الأراضي التي حددتها موسكو لنفسها في دونيتسك ولوغانسك، وستعترف الولايات المتحدة بهذه الأراضي على أنها أراضٍ روسية، ولن توجد داخل أوكرانيا أي قوات لحلف "الناتو"، وسيقتصر الجيش الأوكراني على 600 ألف جندي، أي بانخفاض قدره 25 في المئة عن مستوياته الحالية، وسيمنع من امتلاك أسلحة بعيدة المدى قد يصل مداها إلى روسيا، وفي المقابل سترفع جميع العقوبات المفروضة على الكرملين، وسيعاد دمج روسيا في الاقتصاد العالمي، على أن يجري تخصيص 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار أوكرانيا، وما يتبقى سيستثمر في مشاريع مشتركة أميركية - روسية، بينما تدفع أوروبا 100 مليار دولار لإعادة إعمار أوكرانيا.
عاصفة من الجدل
لكن وسط عاصفة من الجدل التي اجتاحت الكونغرس الأميركي وبعض الأطراف في البيت الأبيض، حاول وزير الخارجية الأميركي ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، التخفيف من حدة الاختلاف مع المشرعين والسياسيين الذين رأوا أن خطة السلام المطروحة مصدرها الكرملين وليست مبادرة أميركية، إذ نشر روبيو مساء السبت على موقع "إكس"، قائلاً إن مقترح السلام صاغته الولايات المتحدة كإطار عمل قوي للمفاوضات الجارية، مشيراً إلى أنه يستند إلى مساهمات من الجانب الروسي، ولكنه يستند أيضاً إلى مساهمات سابقة ومستمرة من أوكرانيا.
وعلى عكس ما تردد من تهديد أميركي ضمني يكمن في فقدان الدعم العسكري والمعلومات الاستخباراتية المهمة من الولايات المتحدة، إذا قرر ترمب التملص من الصراع، وما صرح به زيلينسكي من احتمال فقدان دعم حليف رئيس إذا رفض الخطة المقترحة، أبلغ روبيو المشرعين الأميركيين أنه لا علم له بأي خطط للرئيس ترمب لقطع تبادل المعلومات الاستخباراتية أو المساعدة العسكرية إذا رفضت أوكرانيا الشروط.
ومع تصريح روبيو بأن جميع الأفكار المطروحة قابلة للتغيير، بدا البيت الأبيض وكأنه ينأى بنفسه عن الخطة التي صاغها وزير الخارجية وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس، وأيد ترمب توجهها العام بحسب ما قالت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، مما يشير إلى أن الزخم الذي بدت عليه قوة الدفع الأميركية يتراجع نسبياً بسبب موجة الرفض داخل أروقة الكونغرس ومن قبل قادة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.
رفض في الداخل والخارج
في الكونغرس، جاء الرفض من الحزبين إذ رأى رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري روجر ويكر، أن خطة السلام تنطوي على مشكلات حقيقية لأنه لا ينبغي إجبار أوكرانيا على التنازل عن أراضيها، وحذر السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل من خداع بوتين للرئيس ترمب، مشيراً إلى أن مكافأة المجازر الروسية ستكون كارثية على مصالح أميركا، كذلك قالت السيناتور الديمقراطية جين شاهين إن هناك كثيراً في هذه الخطة غير مقبول بتاتاً، لأنها تتضمن عناصر لن تقبلها أوكرانيا وحلفاء الولايات المتحدة أبداً، وبخاصة القيود على انضمام أعضاء جدد لـ"الناتو" وتحديد حجم الجيش الأوكراني.
وعلى مستوى المتخصصين الاستراتيجيين، عبر دوغلاس لوت، وهو جنرال متقاعد في الجيش خدم أعواماً عدة في أوروبا وكان عضواً في مجلسي الأمن القومي للرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، عن اعتقاده أن خطة الإدارة الأميركية تنتهك بوضوح سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، مشيراً إلى وجود شروط غامضة وغير قابلة للتنفيذ، تعرض من دون تنسيق من جميع الأطراف المعنية.
وبينما ترفض أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون بشدة فكرة إلزام كييف بالتخلي عن الأراضي بالقوة حتى لا يشجع ذلك طموحات بوتين الإقليمية، يتوقع أن يضغط كبار المسؤولين الأوروبيين على فريق ترمب خلال مفاوضات تعقد في جنيف لتخفيف مقترحهم بتسليم أراضٍ في منطقة دونباس شرق أوكرانيا إلى روسيا، إذ يرغب الأوروبيون والأوكرانيون في أن ينطلق أي وقف لإطلاق النار من مبدأ تجميد الصراع على خط التماس الحالي للسماح ببدء المحادثات، وليس كحل نهائي.
وتفسر الأستاذة في جامعة هارفرد التي عملت سابقاً في إدارة الرئيس بوش، ميغان أوسوليفان، سبب رفض الأوروبيين الخطة المقترحة بأنهم يستثمرون كثيراً الآن في أكبر جيش في أوروبا، وهو الجيش الأوكراني، الذي أصبح الأكثر خبرة في المعارك والأكثر مهارة من الناحية التكنولوجية، وهم ينظرون إلى خفض حجم وقدرات الجيش الأوكراني إلى 600 ألف وتقليص قدراته الهجومية والتسليحية على أنه تهديد لأمن القارة الأوروبية ككل.
العصا والجزرة
لكن إدارة الرئيس ترمب يبدو أنها تستخدم نهج العصا والجزرة من أجل نيل موافقة صعبة من الرئيس الأوكراني، فقد لوح الأميركيون بالجزرة حين أشار مسؤولو البيت الأبيض إلى تفاصيل حول إعادة إعمار أوكرانيا بقيادة أميركية، من شأنها أن تمنح البلاد فرصة لتجاوز الحرب، على غرار ما فعلته خطة مارشال لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى تضمين الخطة بنداً يخصص 100 مليار دولار لإعادة الإعمار من الأموال الروسية المجمدة لدى الغرب، فضلاً عن 100 مليار دولار أخرى يدفعها الأوروبيون لإعادة الإعمار، إضافة إلى مساهمات أممية ودولية أخرى.
لكن الرئيس ترمب استخدم أيضاً العصا، إذ حدد مهلة أسبوع لتلقي رد الرئيس الأوكراني، متوقعاً أن يرضى زيلينسكي بالخطة قائلاً "إذا لم تعجبه، عليهم مواصلة القتال"، وعندما سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستسحب دعمها لأوكرانيا إذا لم يقبل رئيسها الاتفاق، قال ترمب "في مرحلة ما سيضطر إلى قبول شيء ما".
كسب الوقت
لكن في حين يعترف البيت الأبيض أن الاقتراح لا يزال قابلاً للتغيير، إلا أن معالمه تعكس المطالب التي طرحتها روسيا طوال الحرب، والتي رفضتها أوكرانيا باستمرار، ولهذا وصف كثير من الأوكرانيين خطة السلام التي طرحتها إدارة ترمب بأنها استسلام على رغم أن الأوكرانيين أكثر انفتاحاً الآن على تسوية تفاوضية مما كانوا عليه في بداية الحرب، ويعود السبب في هذا الموقف إلى أن الخطة تفرض قيوداً على سيادة أوكرانيا وتدفع إلى التنازل عن أراضٍ في منطقة دونباس فشلت روسيا في مهاجمتها عسكرياً، وتملي على أوكرانيا موعد إجراء الانتخابات وحجم قواتها المسلحة، وتحرمها من حق الانضمام إلى حلف "الناتو" مستقبلاً.
ولذلك يرى البعض مثل نائبة مدير برنامج روسيا وأوراسيا، رئيسة منتدى أوكرانيا، أوريسيا لوتسيفيتش، أن هذا مثال آخر على عملية روسية بارعة لتغيير الوضع العسكري والسياسي السلبي الذي يواجه بوتين، من خلال إطلاق ما يشبه مفاوضات السلام، في وقت يحرز فيه جيشه حالياً تقدماً بطيئاً للغاية بكلفة باهظة، بينما تطلق أوروبا برنامجاً ضخماً لإعادة التسليح سيسهم بصورة كبيرة في الردع والدفاع عن أوكرانيا.
وهدف بوتين من وراء ذلك هو كسب الوقت من أجل عرقلة تطبيق عقوبات النفط على أكبر شركتين روسيتين للنفط، التي تدخل حيز التنفيذ هذا الأسبوع، فضلاً عن تأخير اعتماد مشروع قانون العقوبات الثانوية المطروح حالياً في مجلس النواب الأميركي.
لماذا يتخوف الأوروبيون؟
لا يرى الأوروبيون أن المبادرة الأميركية تعد خطة واقعية، فإضافة إلى كونها أحادية الجانب كونها في أحد بنودها تنص على أن أوكرانيا يجب ألا تضرب موسكو أو سانت بطرسبورغ، ولا تتضمن في المقابل أي حظر على روسيا لضرب كييف، فإن السمة الرئيسة للنص هي أن كثيراً منه غير منطقي، وغير قابل للتنفيذ، أو غامض لدرجة أنه لا معنى له، كما يقول كير غايلز، كبير الباحثين في تشاتام هاوس.
ويرون أن النص يتشابه كثيراً مع مبادرات روسية سابقة لوقف إطلاق النار فرضت على ضحايا هجمات روسية من قبل، كما في جورجيا وسوريا، كذلك يتضمن النص دوراً والتزامات لأطراف أوروبية غير محددة، لم يجر الاتفاق معهم على أي من هذا.
لكن أكثر ما يخشاه الأوروبيون هو اعتقادهم بأن روسيا ستحاول احتلال أوكرانيا لاحقاً إذا تمت الموافقة على الخطة، ويرون أن جوهر الجوانب العسكرية لشروط الخطة الشبيهة بالاستسلام هو ترك أوكرانيا بلا دفاع حتى تقرر روسيا أنها مستعدة لمحاولة أخرى، وإنهاء أي أمل في انضمام أوكرانيا لحلف "الناتو"، وهو ما يفسر لماذا كانت أوروبا غير منتظمة في المفاوضات، على رغم أن الشروط المطروحة ستكون كارثية ليس فقط على مستقبل أوكرانيا نفسها، بل على أمن القارة الأوروبية ككل.
هل ترضخ كييف؟
على رغم الخيارات الصعبة التي تواجه الأوكرانيين والتي عبر عنها زيلينسكي بأن عليهم قبول التخلي عن كرامتهم أو خسارة حليف رئيس (الولايات المتحدة)، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً بحسب ما يشير المتخصص في مجال القانون الدولي، البروفيسور مارك ويلر، حين قال إن الخطة الأميركية تستجيب للمطالب الروسية بتضمين بند في دستور أوكرانيا ينص على عدم انضمام البلاد إلى حلف "الناتو"، وأن يوافق "الناتو" على تضمين بند في نظامه الأساس ينص على عدم قبول أوكرانيا في المستقبل، وكلاهما أمران عسيران للغاية، إذ ينص دستور أوكرانيا في الوقت الحالي على عكس ذلك، إذ يشير إلى عدم الرجوع عن المسار الأوروبي الأطلسي لأوكرانيا، وسيكون تغيير هذا الأمر صعباً للغاية، إذ يتطلب غالبية الثلثين في الأقل في البرلمان، وإضافة إلى ذلك يحظر صراحة بموجب القانون الأوكراني إجراء تغييرات على دستور أوكرانيا أثناء سريان الأحكام العرفية المعمول بها حالياً، كذلك فإنه من المستبعد جداً أن يغير حلف "الناتو" معاهدة شمال الأطلسي لعام 1949 بهدف استبعاد إمكان انضمام دولة معينة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما يطالب الاقتراح بإجراء انتخابات جديدة في أوكرانيا خلال 100 يوم من إبرام الاتفاقية، إلا أنه لا يمكن إجراء الانتخابات في ظل الأحكام العرفية، ولهذا سيتطلب الأمر مزيداً من الوقت.
ووفقاً للخطة أيضاً، سيتم الاعتراف القانوني الدولي بشبه جزيرة القرم ولوغانسك ودونيتسك بالكامل كمناطق روسية بحكم الأمر الواقع، وينطبق الأمر نفسه على مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا، ولكن فقط في المناطق التي تسيطر عليها روسيا حالياً، لكن حتى الآن، كان هذا الأمر صعب المنال، بالنظر إلى التضحيات التي قدمتها كييف في الدفاع عن تلك المناطق، فهي ذات أهمية استراتيجية بالغة، إذ تحاط بدفاعات مشددة، وتعوق الوصول إلى بقية أوكرانيا بما فيها كييف، وفي حال حصول هجوم روسي آخر، سيشرَّد عدد كبير من السكان، أو يصبحون رعايا لموسكو على رغم عنهم، وليس من المعروف بعد ما إذا كان الأوكرانيون سيقبلون ذلك.
هل يمكن تعديل الخطة؟
يتفق كثر على أن مسودة النص التي قدمتها الولايات المتحدة لم يتم صياغتها بدقة وخبرة، مما يتيح مجالاً لا نهائياً للالتباسات والخلافات، ولا يمكن أن تشكل اتفاقاً يمكن للطرفين توقيعه، وبما أن النسخة الحالية يبدو أنه تم التفاوض عليها بين روسيا والولايات المتحدة فحسب، لذا فهي متحيزة لروسيا، يجب أن يكون لأوكرانيا الحق في المطالبة بالتغييرات إذ سيحاول مفاوضو أوكرانيا تصحيح المسار.
ولن ينجح هذا إلا إذا قدم زيلينسكي موقفاً مشتركاً مدعوماً من "تحالف الراغبين" من الدول الأوروبية، الذين سيأخذون هذا الموقف نقطة بنقطة، وسيرفضونه أو يعدلونه، ومن ثم لن تكون هناك صفقة شاملة.
ومن المفارقات أن فضيحة الفساد الداخلي التي تلقي بظلالها على الدائرة المقربة من زيلينسكي ستشجعه على الوقوف بقوة أكبر للدفاع عن المصلحة الوطنية لأوكرانيا، مما قد يعيد بعض الثقة في قيادته، إذ من المتوقع أن تلقى دعوته للوحدة، في مواجهة واحدة من أصعب الأوقات منذ بداية الحرب، صدى جيداً نظراً إلى الضغوط الخارجية لقبول شروط السلام "المهينة".