ملخص
اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان قوات "الدعم السريع" بحفر مقابر جماعية لإخفاء "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية" ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.
واصل الجيش السوداني أمس الإثنين تقدمه الميداني في محور شمال كردفان، وتحديداً باتجاه محيط مدينة بارا، وتصدى لمحاولة هجوم شنته قوات "الدعم السريع" على منطقة الحاجز قرب مدينة الدبيبات، كبرى مدن جنوب كردفان، فيما نجح طيران الجيش الحربي في تشتيت القوة المهاجمة وتدمير معظم معداتها ومركباتها القتالية.
وبحسب مصادر عسكرية فإن تقدم الجيش تم بثبات منذ الساعات الأولى من الصباح، حيث استهدف بؤر "الدعم السريع" في عدد من مناطق شمال كردفان، مما أحدث حالة من الإرباك والانهيار وسط عناصر تلك القوات.
وأفاد مسؤول الإعلام والتوجيه في قوات العمل الخاص محمد ديدان بأن الجيش يخوض حالياً معارك حاسمة باتجاه الدفاعات المتقدمة والأخيرة لـ"الدعم السريع" في عدد من المحاور بإقليم كردفان.
وأشار ديدان إلى أن "القوات المتمردة" أعادت تمركز ثقلها وعتادها في محاور كردفان بعد سحب عناصرها من عدد من المدن في محاولة لعرقلة تقدم الجيش ومنعه من الانفتاح العملياتي، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل.
وأكد أن الجيش يمسك بزمام المبادرة الميدانية، ويعتمد على التقدم الحذر والمنظم، مدعوماً بسلاح الجو وفرق التشكيلات الخاصة والعمليات البرية الواسعة، مما أسهم في تحييد نسبة كبيرة من القوة الصلبة لتلك القوات.
كارثة في كادوقلي
في الأثناء أفادت شبكة أطباء السودان بانهيار الوضع الصحي في ولاية جنوب كردفان، وذلك بخروج 50 في المئة من مرافق كادوقلي، عاصمة الولاية، عن الخدمة.
وقالت الشبكة في بيان إن الحصار المفروض على ولاية جنوب كردفان والمستمر لأكثر من عامين تسبب في تدهور خطر للوضع الصحي في ظل استمرار القصف والعمليات العسكرية.
وأوضح البيان أن مدينة كادوقلي تضم 5 مستشفيات حكومية و10 مراكز صحية حكومية تعمل بنسبة لا تتجاوز 50 في المئة من طاقتها، مؤكداً خروج عدد كبير منها عن الخدمة كلياً بسبب الحرب والحصار ونقص الكوادر والإمدادات الطبية وأكياس الدم.
ودانت الشبكة استمرار العمليات العسكرية والقصف والحصار الذي أدى إلى شح حاد في المستلزمات الطبية الأساسية، بما في ذلك الشاش والقطن والمحاليل الوريدية وأكياس نقل الدم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة المستشفيات والمراكز الصحية القليلة العاملة على تقديم الرعاية الطبية المنقذة للحياة.
ودعت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والأممية إلى التدخل العاجل لفك الحصار عن مدينة كادوقلي وولاية جنوب كردفان، وضمان فتح مسارات إنسانية آمنة، وتوفير الإمدادات الطبية والكوادر الصحية بصورة فورية، منوهة بأن استمرار الحصار واستهداف المرافق الصحية سيقود إلى كارثة إنسانية وشيكة.
نزوح واسع
تسبب اشتداد المعارك في إقليم كردفان بولاياته الثلاث في حركة نزوح واسعة بين شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). ووفقاً لمتطوعين في قطاع الإغاثة، فإن المناطق التي تسيطر عليها قوات "الدعم السريع" تشهد مغادرة جماعية للسكان بحثاً عن الأمان.
ويستغل آلاف الفارين الشاحنات الصغيرة للوصول إلى المدن الآمنة نسبياً، مثل الأبيض، وحتى العبور إلى ولاية النيل الأبيض، بينما يضطر الغالبية إلى السير مسافات طويلة على الأقدام، لتجنب خطر النهب الذي تتعرض له المركبات على يد المجموعات المسلحة.
وتشير التقديرات إلى أن قرابة 800 ألف شخص غادروا مدينة كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان، حيث توجه أغلبهم إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، بينما فرت مجموعات أخرى نحو مدينة الأبيض خلال شهر يناير الجاري.
ولا تقتصر معاناة مئات الآلاف من النازحين في هذا الإقليم على الفرار وفقدان المأوى فحسب، بل يلعب غلاء أسعار السلع الأساسية دوراً في تقليص خيارات شراء الطعام والدواء أو البحث عن مسكن خاص مقابل إيجار شهري، لا سيما في مدينة الأبيض، إذ تتأثر الأسعار بعدم انتظام سلاسل الإمداد وتباطؤ حركة الشاحنات التجارية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الشاملة التي تواجه البلاد.
مواجهات بالحدود الغربية
في محور دارفور يشهد عدد من المناطق الواقعة في أقصى شمال غربي دارفور، خاصة مناطق جرجيرة وأندرو وعد الخير وكرنوي وأمبرو والطينة، مواجهات مستمرة منذ أكثر من عشرة أيام بين الجيش وحلفائه من القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة من جهة، وقوات "الدعم السريع" والمجموعات المتحالفة معها من جهة أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار متطوعون محليون إلى أن أعداداً كبيرة من سكان كرنوي وأمبرو ما زالوا موجودين في مناطق الأودية بسبب الاشتباكات التي شهدتها المنطقة، حيث تجنب معظم السكان الفارين الطرق المؤدية إلى الحدود التشادية بسبب مخاوف من عمليات نهب مسلح، ما دفعهم إلى البقاء في الأودية.
وتعد كرنوي وأمبرو، إضافة إلى الطينة، من آخر المناطق التي ما زالت تحت سيطرة القوات الحكومية في دارفور، بعد تقدم قوات "الدعم السريع" وسيطرتها على معظم مدن الإقليم خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
"الدعم السريع" تأسف
في حين أعربت قوات "الدعم السريع" عن أسفها للأحداث التي وقعت أخيراً بين وحدات تابعة لها والجيش التشادي نتيجة اشتباكات وصفتها بأنها غير مقصودة.
وأشار المتحدث باسم قوات "الدعم السريع" في بيان إلى أن الواقعة حدثت أثناء ملاحقة قوات تابعة للجيش والقوات المشتركة المتحالفة معه، والتي زعم البيان أنها قدمت من داخل أراضي تشاد.
وقال البيان إن "هذه القوات عمدت إلى إثارة الفتنة، قبل الهروب إلى داخل الأراضي التشادية، وفق مخطط مدروس لخلق تصادم بين الدعم السريع والقوات التشادية"، موضحاً أن وحدات تابعة لـ"الدعم السريع" توغلت داخل تشاد من دون علم مسبق بالحدود، نظراً لتشابه طبيعة الأراضي والمناطق الحدودية بين البلدين.
ونوه البيان باحترام "الدعم السريع" سيادة تشاد وحدودها المعترف بها دولياً، فضلاً عن تحملها مسؤولية التوغل، إضافة إلى تعهدها استمرار التحقيقات الجارية مع اتخاذ إجراءات لمحاسبة المخالفين وفق الضوابط المعمول بها.
وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة الماضي أن "الدعم السريع" نفذت عملية مسلحة داخل أراضيها بعد أن عبرت الحدود، استهدفت قوات الدفاع والأمن ومدنيين، أسفرت عن مقتل 7 جنود وإصابة آخرين.
ودانت تشاد هذا التوغل، إضافة إلى انتهاك الجيش السوداني للمجال الجوي، معلنة عدم السماح بتصدير الحرب في السودان إلى أنجمينا، كما تعهدت بالرد الفوري على أي انتهاك جديد.
شح المساعدات
فيما أشار ناشطون بإقليم دارفور إلى استمرار تدفق النازحين من قرى كورما ومحلية دار السلام إلى بلدة طويلة الواقعة على بعد 60 كيلومتراً غربي الفاشر بولاية شمال دارفور، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية محتملة بسبب شح المساعدات.
وأوضح الناشطون أن المخيمات المنتشرة في هذه البلدة تشهد يومياً تدفقات جديدة للنازحين من كورما وخزان جديد وقرى أخرى بمحلية دار السلام، على رغم بطء استجابة المنظمات العاملة في المجال الإنساني، مشيرين إلى أنهم تلقوا إحاطة من بعض المنظمات الإنسانية تفيد بأنها تعاني من شح الإمكانات، إلى جانب القيود المفروضة من قبل السلطات المحلية على أنشطتها، الأمر الذي يعوق وصول المساعدات إلى النازحين.
وكانت غرفة الطوارئ بطويلة تقدم وجبات غذائية للنازحين، لكنها توقفت منذ نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما فاقم معاناتهم.
وتعد منطقة طويلة، الواقعة تحت سيطرة قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، الأكثر استقبالاً للنازحين في السودان، إذ تؤوي حالياً نحو 665 ألف نازح، معظمهم فروا من الفاشر.
وتواجه مخيمات طويلة نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية من مياه وغذاء ومأوى، وسط تكدس النازحين وتزايد الاحتياجات.
سوء التغذية
إلى ذلك، توقعت مجموعة التغذية أن يعاني 4.2 مليون طفل وامرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية الحاد خلال هذا العام، بزيادة قدرها 12.4 في المئة على 2025.
وأفادت المجموعة في تقرير بأنها "في 2026، تقدر أن 8.4 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات تغذوية، من بينهم 5 ملايين طفل دون سن الخامسة و3.4 مليون من النساء الحوامل والمرضعات".
وبين التقرير أن 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضع من إجمال المحتاجين لمساعدات تغذوية يتوقع أن يعانوا سوء التغذية الحاد بزيادة قدرها 12.4 في المئة مقارنة بـ3.7 مليون في العام السابق، متوقعاً أن يعاني 824 ألف طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد الوخيم ("الهزال الشديد").
ونوه التقرير إلى انتشار نقص المغذيات على نطاق واسع، إذ يعاني 48 في المئة من الأطفال دون سن الخامسة فقر الدم الناتج من نقص الحديد، وأن الحد الأدنى للتنوع الغذائي منخفض.
وأشار إلى أن أحدث المسوحات تظهر مزيداً من التدهور في الوضع التغذوي، حيث أفاد 31 من أصل 61 مسحاً بانتشار سوء التغذية الحاد الشامل بنسبة 15 في المئة أو أكثر، بما يفوق عتبة الطوارئ التي حددتها منظمة الصحة العالمية.
ورجح أن يزداد تدهور الوضع الغذائي خلال هذا العام نتيجة اتساع رقعة النزاع وتضرر خدمات الصحة والمياه والإصحاح البيئي، واستمرار موجات النزوح.
جرائم حرب
حقوقياً أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان أن مكتب المدعي العام وثق ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مدينة الفاشر بشمال دارفور، لا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استناداً إلى الأدلة والمعلومات المجمعة من قبل المكتب.
وأشارت خان خلال إحاطتها أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي أمس الإثنين إلى أن سقوط الفاشر في أيدي قوات "الدعم السريع" رافقه حملة منظمة وممنهجة استهدفت المجتمعات غير العربية بصورة خاصة، وشملت الاغتصاب والاعتقالات التعسفية والإعدامات والمقابر الجماعية، وكلها ارتكبت على نطاق واسع.
وأوضحت أن مقاطع الفيديو التي حللها المكتب أظهرت نمطاً مشابهاً للجرائم التي ارتكبت سابقاً في مناطق أخرى من دارفور، بمن في ذلك احتجاز أشخاص من القبائل غير العربية وإساءة معاملتهم وقتلهم، وأظهرت مقاطع أخرى أفراداً من قوات "الدعم السريع" وهم يحتفلون بالإعدامات المباشرة وتدنيس الجثث.
وتطرقت نائبة المدعي العام إلى التحقيقات حول ما وقع في الجنينة عام 2023، مشيرة إلى أن شهود العيان قدموا أدلة على هجمات استهدفت مخيمات النازحين داخلياً، ونهب ممتلكاتهم، واعتقالات، وجرائم على أساس النوع الاجتماعي، وجرائم ضد الأطفال.
وبينت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية أن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يستخدم كأداة حرب في دارفور، مؤكدة أن التحقيق المنهجي والفعال في هذه الجرائم سيظل أولوية قصوى للمكتب في الفترة المقبلة، مع التأكيد على وجوب التزام جميع أطراف النزاع القانون الدولي وعدم استهداف المدنيين والمرافق المدنية.