Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انسحابات الجيش السوداني "تكتيكية"... لهذه الأسباب

مراقبون عسكريون يشيرون إلى "تضخيمات إعلامية" ويؤكدون أن انقطاع عملية الإمداد تجبر القوات على التراجع موقتاً

الانسحاب من أي موقع يعني تمكين القوات الجوية من القيام بمهماتها كاملة (أ ف ب)

ملخص

"الانسحاب من أي موقع يعني تمكين القوات الجوية من القيام بمهماتها كاملة مع ضمان عدم وجود أية قوات صديقة داخل المساحة الجغرافية المستهدفة، بالتالي فإن عملية الانسحاب هي مسألة أساسية في العمل العسكري وتعد من أصعب أنواعه لأنها تحتاج إلى دراسة عميقة تشمل البيئة المحيطة وممرات الانسحاب واصطحاب المعدات والأجهزة".

أثار انسحاب الجيش السوداني خلال الفترة الأخيرة من مدن ومواقع عسكرية عدة هي الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور التي تضم الفرقة السادسة مشاة، وبابنوسة بولاية غرب كردفان التي تحتضن الفرقة 22 مشاة، ومنطقة هجليج النفطية مقر اللواء 90، جدلاً واسعاً وسط المجتمع السوداني لأنه جاء بصورة متتالية وبعد حصار خانق من قبل قوات "الدعم السريع" لتلك المناطق امتد لأكثر من عام.

وبرر الجيش هذه الانسحابات بأنها خطوة تكتيكية تهدف إلى إعادة التموضع وترتيب الصفوف من جديد من أجل تقليل الخسائر وحماية القوة القتالية، كما حدث سابقاً في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، حيث أعقبتها عمليات هجومية ناجحة أعادت التوازن لمصلحة الجيش.

لكن كيف يرى مراقبون عسكريون هذه الانسحابات من ناحية أسبابها وجدواها وأثرها على سير المعارك وإمكان استعادة الجيش زمام الأمور في ساحة المعركة واسترداد ما فقده من مدن ومواقع؟

إمداد مستمر

يقول الباحث في الشؤون العسكرية اللواء معتصم عبدالقادر إن "العمليات العسكرية المعتادة هي عمليات الدفاع والهجوم التي تقتضي إمداداً بشرياً مستمراً، فضلاً عن إمداد الوقود أو أي نوع من أنواع الإمدادات المادية لناحية استبدال واستعواض الجنود وإجلاء الجرحى وعلاجهم، وكذلك الإمداد بالذخائر وصيانة الأسلحة، وكل المعينات التي تساعد في العمل العسكري المباشر سواء في حال الدفاع أو الهجوم".

وأضاف أن "هذه العمليات المشتعلة في جبهات القتال تقتضي إمداداً مستمراً، لكن أن تظل هناك قوات معزولة لأكثر من عامين فهذا بلا شك يستدعي وفقاً للقواعد العسكرية المعروفة الانسحاب المنظم والمرتب ومن بعد ذلك انضمامها إلى القوات الرئيسة، ثم تأتي هذه القوات التي انسحبت لمعاودة العمليات العسكرية بصورة مرتبة في ظل سهولة عمليات الإمداد بكل أنواعه من دون عوائق تذكر".

وأردف أن "الانسحاب من أي موقع بصورة عامة يعني تمكين القوات الجوية من القيام بمهماتها كاملة مع ضمان عدم وجود أية قوات صديقة داخل المساحة الجغرافية المستهدفة، بالتالي فإن عملية الانسحاب هي مسألة أساسية في العمل العسكري وتعد من أصعب أنواعه لأنها تحتاج إلى دراسة عميقة تشمل البيئة المحيطة وممرات الانسحاب واصطحاب المعدات والأجهزة، كذلك حتى المدنيين تحتاج لأن ترتب لهم الخروج قبل الانسحاب، وشاهدنا في أفغانستان عندما قررت القوات الأميركية الانسحاب من مطار كابول، قامت بإجلاء بعض المدنيين معها وحدث ما حدث من فوضى شهدها كل العالم عبر وسائل الإعلام المختلفة".

وواصل عبدالقادر أن "الانسحاب جزء أساس من العمليات العسكرية، وله جدواه بالنسبة إلى الجيش السوداني، فهو الآن يعمل في مناطق كردفان ودارفور بصورة مرتبة ومنظمة، ويتقدم حالياً بصورة كبيرة في ولاية جنوب كردفان، تحديداً في منطقة كاودا وهناك تقدم بولاية شمال كردفان، وهناك أيضاً مسألة تحييد القيادات وتحييد منابع الوقود ومنابع الإمداد سواء الآتي من شرق ليبيا أو تشاد أو من جنوب السودان أو أفريقيا الوسطى أو من أية منطقة أخرى".

تضخيم إعلامي

واستطرد عبدالقادر "في تقديري هناك تضخيم إعلامي بالنسبة إلى انسحابات الجيش الأخيرة من عدد من المواقع، صحيح أن التمسك بالأرض مسألة أساسية في العمليات العسكرية، وقد شاهدنا من قبل أن الجيش انسحب تماماً من ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، لكنه تمسك ببعض المواقع في العاصمة، بخاصة المقار العسكرية الرئيسة كقاعدة وادي سيدنا وسلاح المهندسين بأم درمان ومنطقة الشجرة وسلاح المدرعات بالخرطوم وسلاح الإشارة ببحري وغيرها ودافع عنها وكان هناك إمداد لها مستمر وإسقاط بالمسيّرات على رغم صعوبته".

 

وبيّن أن "مسألة الإمداد المستمر ساعدت كثيراً في صمود قوات الجيش المحاصرة لفترات طويلة، فمعلوم أنه في ظل أي حصار فإن المحاصرين إذا حصلوا على إمداد في الأسلحة والذخائر والمؤن وغيرها، فمن المؤكد سيصمدون، لكن عندما تنقطع عملية الإمداد تماماً ولفترات طويلة، فالبديل يكون الانسحاب".

ولفت عبدالقادر إلى أن "هناك عمليات يقوم بها الجيش حالياً تتمثل في تحييد القيادات والإمدادات والذخائر وتوجيه ضربات متقنة لقوات ’الدعم السريع‘، مما يضمن عدم استهداف أية قوات تابعة للجيش في مثل هذه المناطق، وهذا حدث عند انسحاب الجيش من منطقة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان الإثنين الماضي، إذ قُصف متحرك لقوات ’الدعم السريع‘ به أكثر من 40 مركبة عسكرية ويضم أفراداً عسكريين وإدارات أهلية في طريقها إلى دخول هجليج".

وأشار إلى أن "الانسحاب من هجليج جرى الترتيب له مع حكومة جنوب السودان وفق الاتفاق الموقع بين البلدين الذي يتضمن أن تكون حماية المنشآت النفطية في الدولتين من مسؤولية الجيشين وهذا ما حدث من جيش جنوب السودان بدخوله منطقة هجليج لحمايتها من أية أعمال تخريب".

وأكد الباحث في الشؤون العسكرية أن "قوات الجيش التي انسحبت من الفاشر وبابنوسة ستنضم بخبرتها وصمودها إلى القوات التي تعمل في مناطق العمليات المختلفة للقضاء على قوات ’الدعم السريع‘ نهائياً حتى يحدث الاستقرار والأمن في البلاد".

تقدم وهجوم

من جهته أوضح عضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين "تضامن" العميد وليد عز الدين عبدالمجيد أن "الانسحاب يعد وجهاً من أوجه الحرب الأربعة وهي التقدم والهجوم والدفاع والانسحاب، والأخير عادة ما يعتمد لأسباب عدة تفرضها ظروف المعركة مثل إنهاء العمليات العسكرية لانتهاء المهمة أو تحقيق الأهداف المطلوبة، أو لإعادة الهيكلة والتخطيط التكتيكي أو الاستراتيجي كإعادة توزيع وانفتاح القوات، أو لأسباب اقتصادية كنقص الموارد وكلفة الحرب الباهظة، أو نظراً إلى تدهور الوضع الأمني عندما يصبح استمرار الوجود العسكري غير ممكن أو غير آمن".

وقال عبدالمجيد إن "المتابع لتطورات المعارك الجارية بين الجيش وقوات ’الدعم السريع‘ يلحظ أن الأخيرة دائماً هي التي تهاجم وتتقدم من موقع لآخر وتساعدها في ذلك خفة الحركة وسرعة المناورة مع الأخذ في الاعتبار أن هذه القوات عندما شكلت عام 2013 دُربت وفقاً للعقيدة القتالية الهجومية بغرض مهاجمة معسكرات الحركات المسلحة الدارفورية، بيد أن الجيش منذ تكوينه يعتمد على العقيدة القتالية الدفاعية، لذا نجد أن هذه الحرب بها قوة تجيد الهجوم وسرعة الالتفاف والمناورة وقوة تعتمد الدفاع والانسحاب في أسلوبها القتالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "منذ بداية هذه الحرب في منتصف أبريل (نيسان) عام 2023 نجد أن قوات الجيش انسحبت من مواقع عدة بحجج كانت مسار تساؤل وحيرة للمراقبين، فقد انسحبت من ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة فى ديسمبر (كانون الأول) 2023، ثم من أم سيالة بكردفان وبعد ذلك انسحبت من الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، وبعدها بابنوسة بولاية غرب كردفان، وأخيراً هجليج".

وزاد عبدالمجيد أن "طبيعة العمليات الدفاعية تتطلب توفير قوات مشاة على الأرض لتحقيق عمليات نشطة في مراقبة القوة المهاجمة عبر دوريات الاستطلاع والدوريات المقاتلة يسندها الطيران الحربي بالتصوير الجوي وتحديد مواقع وتحركات القوة المهاجمة، فضلاً عن المساعدة في تدمير خطوط إمدادها ومواقع القيادة والسيطرة، لكن محدودية قوات المشاة لدى الجيش واعتماده على عناصر غير مدربة على النحو الكافي أثرت تأثيراً فاعلاً في ذلك وأصبح يعتمد على الطيران الحربي والمسيّرات والمدفعية الثقيلة بعيدة المدى في عمليات تدمير وتشتيت قوات ’الدعم السريع‘ المتقدمة وصد هجماتها المتكررة".

التمسك بالأرض

ومضى عضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين في القول "نعم يمكن أن يساعد القصف الجوي المكثف والمتواصل في التأثير في سير المعارك وتعطيل قوة اندفاع التقدم والهجوم، لكن وجود قوات مشاة مسألة ضرورية ومهمة للغاية من أجل التمسك بالأرض والحد من مناورات القوى المهاجمة، وهذا غير متوافر للجيش الذي ظل في حال الدفاع، مما قاد إلى هذه الانسحابات التي من دون أدنى شك لها تأثيرها المعنوي في قوات الجيش والقوات المساندة لها".

 

وأردف "في حين نجد أن هذه الانسحابات رفعت من الروح المعنوية لقوات ’الدعم السريع‘ وعززت قابليتها لاستهداف مناطق أخرى، بخاصة أن الجميع يسمع ويشاهد في الوسائط تصريحات عدد من قادتها بقرب اجتياح مناطق أخرى كالأبيض التي أعلنوا أنها الهدف التالي وتهديد سكان مدينتي الدلنج وكادقلي بولاية جنوب كردفان، فضلاً عن استهداف مدينة الدمازين بالمسيّرات، وهنا تكمن الخطورة بدخول فصيل الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو المعركة، إذ سيقوم بدور محوري في قادم الأيام، وفي اعتقادي أن أي انسحاب آخر للجيش من أية منطقة سيؤثر سلباً في الروح المعنوية لقواته، وقد يعده بعضهم بوادر هزيمة".

وشدد عبدالمجيد على أن "عبثية هذه الحرب تتمثل في أنها أصبحت حرب كر وفر وشن هجوم هنا وانسحاب هناك، وإعادة تموضع في منطقة ما يقابله حصار في منطقة أخرى، وهذه الدائرة الشريرة المدمرة لن تتوقف، بل تتوسع والخسارة فيها تطاول الجميع من القوات المتناحرة والوطن الضحية والمواطن المغلوب على أمره".

المزيد من تقارير