Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران تهز العلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن

يصطدم إرث تشرشل بحسابات ستارمر في الشرق الأوسط فيما يتحدث مراقبون عن غضب داخل المؤسسات الأميركية

الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، أغسطس 1941 (أ ب)

ملخص

اُستحضر إرث التحالف الذي صاغه ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت في زمن الحرب العالمية الثانية، بوصفه حجر الأساس لما عُرف بـ "العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن، واليوم تقف هذه الشراكة أمام اختبار جديد مع اندلاع الحرب على إيران، وسط تباين في المواقف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، فبينما تدفع واشنطن نحو موقف حاسم وداعم لعملياتها العسكرية، يشدد ستارمر على ضرورة الأساس القانوني والخطة الواضحة، مُحمّلاً بذاكرة العراق الثقيلة.

"روزفلت وتشرشل: الصداقة التي انقذت العالم"، يتصدر هذا العنوان مقالة منشورة على إحدى الوكالات التابعة للحكومة الأميركية، ويسرد العلاقة الوثيقة التي جمعت رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت خلال أربعينات القرن الماضي عندما كانت أوروبا تواجه النازية.

وتتحدث المقالة عن أن "بريطانيا ورئيس وزرائها وينستون تشرشل" وقفا وحدهما كآخر حصن في مواجهة النازيين وهيمنتهم، ويثني على التنسيق العسكري الرفيع بين الولايات المتحدة وبريطانيا خلال هذه الحقبة الحرجة من تاريخ العالم، بعد أن نجح تشرشل في استقطاب القوة الأميركية إلى جانب الحلفاء، وبعد الهجوم الياباني على "بيرل هاربر" سارع تشرشل إلى زيارة واشنطن لتعزيز التنسيق العسكري ووضع أسس قيادة مشتركة للحرب، ويُذكر تشرشل بوصفه أعظم زعيم بريطاني في القرن الـ 20 خُلد إرثه كقائد في زمن الحرب ورجل دولة من خلال تمثال ضخم في ساحة البرلمان البريطاني وغرف حرب تشرشل، إضافة إلى كثير من المعالم والمؤسسات التي تحمل اسمه.

واستدعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس هذه الحال البريطانية في انتقاده لموقف رئيس الوزراء البريطاني الحالي كير ستارمر من حرب إيران قائلاً "هذا ليس وينستون تشرشل"، مضيفاً أنه "ليس متعاونا"، وجاءت تصريحات ترمب تعليقاً على رفض لندن السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لتوجيه ضربات لإيران، على رغم تراجع رئيس الوزراء البريطاني لاحقاً وإعلانه السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعد في إنجلترا وجزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي لضرب أنظمة الصواريخ الإيرانية التي تستهدف الحلفاء البريطانيين في الشرق الأوسط.

 

علاقة خاصة

تعود جذور العلاقة الخاصة الطويلة الأمد بين حلفاء الحرب العالمية الثانية إلى التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ويعكس تعبير ترمب عن إحباطه من موقف ستارمر تراجعاً وتوتراً في أسس تلك العلاقة، وإن كانت أية مشاركة بريطانية في عمل عسكري داخل الشرق الأوسط تظل مسألة سياسية حساسة، بخاصة بعد تداعيات دعم المملكة المتحدة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق عام 2003 في عهد رئيس الوزراء السابق توني بلير، حين أسفر الصراع عن مقتل 179 جندياً بريطانيا و4500 آلاف أميركي، فضلاً عن العراقيين.

وفي جانب آخر تتهم المعارضة البريطانية رئيس الوزراء بإضعاف العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة بسبب قرارات ستارمر إزاء حرب إيران، في مشهد يشبه ما شاب العلاقة بين البلدين التي بلغت أدني مستوياتها عندما قاوم رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون ضغوط الرئيس الأميركي ليندون جونسون للانضمام إلى حرب فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي، وهو ما سعى بلير إلى تجنبه عندما أرسل القوات البريطانية للمشاركة في غزو العراق، استناداً إلى معلومات استخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة لدى صدام حسين، وتبين لاحقاً أنها خاطئة.

وفي حين سعى رئيس الوزراء البريطاني إلى بناء علاقات ودية مع ترمب منذ عودة الأخير للبيت الأبيض عام 2025، لكن التوتر بينهما كان يتصاعد منذ شهور بعدما صرح الرئيس الأميركي خلال مرات عدة برغبته في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وكذلك نشب خلاف بين الرجلين حول اتفاق بريطانيا بتسليم جزر تشاغوس، موطن قاعدة دييغو غارسيا، لموريشيوس.

تهميش المملكة المتحدة

وصرح ستارمر أنه لن ينضم إلى الحرب على إيران "من دون أساس قانوني وخطة واضحة"، غير أن ستارمر يواجه انتقادات بأنه يعمل على تهميش المملكة المتحدة في وقت حاسم، بخاصة بعدما استهدفت مسيّرة إيرانية قاعدة تابعة للقوات الجوية البريطانية في قبرص، واعتبرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك أن ستارمر كان ينبغي أن يعلن دعم الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، وقالت إن ستارمر "يضع الأولويات في غير محلها"، مضيفة بسخرية "عندما تتعرض قواعدنا للهجوم يتصلون بالمحامين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المتحدث باسم حزب المحافظين كريس فيليب وقال إن الإجراء الأميركي ضد إيران "مبرر تماماً"، وأن السير كير ستارمر "قوّض بشكل خطر" العلاقة الخاصة بتقاعسه عن دعمها فوراً، وكرر فيليب، وزير الداخلية في حكومة الظل، في تعليقات لوكالة "أسوشيتد برس" (أ ب) تصريحاته قائلاً إن "كير ستارمر بتصرفاته قوّض بصورة خطرة علاقتنا الخاصة مع الولايات المتحدة، والتي كانت حجر الزاوية لأمننا لعقود"، فيما دافع أعضاء حكومة ستارمر عن موقفه خلال جلسة مجلس العموم أمس الثلاثاء، وصرح ستيفن دوتي للنواب بأن علاقة المملكة المتحدة بالولايات المتحدة "قوية وستستمر في المستقبل على الصعيدين الاقتصادي والأمني".

مبادئ التحالف وجزر الفوكلاند

يقول مراقبون في واشنطن إن هذه الحرب تحمل أخطاراً كبيرة وعدم يقين في شأن نتيجتها النهائية، وتكلف الولايات المتحدة قدرات استعداد قصيرة إلى متوسطة المدى، في مقابل أولوية أمنية وطنية أكبر تتمثل في القدرة على هزيمة الصين في أي نزاع محتمل حول تايوان، ومع ذلك فإن أحد المبادئ الأساس لأي تحالف وثيق هو أنه بمجرد أن يشارك أحد الحلفاء في القتال يقف الآخر إلى جانبه، حتى لو كانت لديه شكوك كبيرة في شأن ما يفعله شريكه.

ويسوق بعضهم مثالاً برد فعل الرئيس الأميركي رونالد ريغان تجاه أزمة جزر فوكلاند، ففي الثاني من أبريل (نيسان) عام 1980 شنت الأرجنتين غزواً مفاجئاً على أراض بريطانية داخل جزر فوكلاند في المحيط الأطلسي الجنوبي وضغط ريغان بشدة لإيجاد حل دبلوماسي، ولكن عندما أمرت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بالتحرك العسكري لاستعادة الجزر، وجه ريغان بإمدادها بالأسلحة والدعم الاستخباراتي للجهود العسكرية البريطانية، وبقي ريغان يسعى في السر إلى وقف إطلاق النار سريعاً، لكن بمجرد دخول القوات البريطانية القتال أظهر دعمه العلني لأقرب حليف لأميركا، وبالمثل، وبعد أعوام لم تتردد تاتشر في السماح لريغان باستخدام قواعد بريطانية لضرب ليبيا رداً على هجمات إرهابية.

المحلل السياسي توم روغان قال إنه على عكس زعماء الحلفاء الآخرين من أستراليا إلى ألمانيا، تردد ستارمر أيضاً في دعمه اللفظي للولايات المتحدة، وعلى رغم العلاقة الخاصة كان يجب أن يكون هذا القرار بديهياً بالنسبة إليه، نظراً إلى أن إيران نفذت أخيراً عدداً من الهجمات الإرهابية الناجحة على الأراضي البريطانية، مضيفاً أنه من المؤسف والمحزن أنه بينما تواجه القوات الأميركية الخطر وتتكبد خسائر ضد العدو، فإن أقرب حليف لأميركا يتردد على الخطوط الجانبية.

غضب أميركي

ووفق روغان فإن إدارة ترمب ليست الوحيدة الغاضبة من الموقف البريطاني، فمن منظور متخصصي الأمن القومي غير الحزبيين في وزرارة الدفاع البريطانية والمجتمع الاستخباراتي، تبدو المملكة المتحدة فجأة أقل موثوقية بكثير، ويخشى آخرون من رد فعل الرئيس الأميركي على الموقف البريطاني، إذ يأمل المسؤولون البريطانيون في أن تمر هذه العاصفة سريعاً وأن يكون غضب ترمب عابراً، ومع ذلك فإن تهديد ترمب الأسبوع الجاري بقطع التجارة مع إسبانيا بعد أن دان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الضربات على إيران بوصفها "غير مبررة وخطرة"، يثير مخاوف حول مزيد من التوترات مع المملكة المتحدة أو إجراءات انتقامية.

ثمة أمور لا تزال عالقة في علاقات البلدين، فالاتفاق البريطاني مع موريشيوس في شأن جزر تشاغوس في المحيط الهندي، والذي تقول بريطانيا إنه حاسم لتأمين مستقبل قاعدة دييغو غارسيا، متوقف حتى يجري تأمين دعم أميركي، ولا يزال الاتفاق التجاري الذي وقعه ترمب وستارمر في مايو (أيار) الماضي غير مستكمل، وبات محل شك بعد تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة حول التعريفات الجمركية، وبعد صدور رأى استشاري من محكمة العدل الدولية يؤيد مطالب موريشيوس بالسيادة على أرخبيل تشاغوس، واجهت لندن ضغوطاً لإعادة النظر في وضع الإقليم الذي يضم قاعدة عسكرية بريطانية - أميركية مشتركة، تعد من أبرز المواقع الإستراتيجية للولايات المتحدة خارج أراضيها، وتستخدم واشنطن القاعدة كنقطة انطلاق للعمليات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والمحيط الهندي، لذا فإن أي تغيير في وضع السيادة على تشاغوس يثير تساؤلات حول مستقبل الاتفاقات الدفاعية بين البلدين، وفي الوقت نفسه تواجه بريطانيا ضغوطاً قانونية وسياسية في شأن الأرخبيل.

ويقول مستشار الأمن القومي البريطاني السابق بيتر ريكيتس إن ترمب يريد "ولاء أعمى تماماً" من الحلفاء، واصفاً هجومه على ستارمر بأنه "غير عادل"، لكن ريكيتس يرى أن السلطات البريطانية لا ينبغي أن تبالغ في رد الفعل، مضيفاً في تعليقات لـ "هيئة الإذاعة البريطانية" بالقول "أعتقد أن على رئيس الوزراء أن يحافظ على هدوئه ويواصل العمل".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير