Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإعلام في مواجهة أعاصير الزمن... معركة مفتوحة

أحداث طبيعية ومنتجات تقنية وتحولات سياسية ظللت السلطة الرابعة وغيرت من ملامحها

ملخص

على مدار ربع قرن تعرض الإعلام حول العالم إلى كثير من المتغيرات الطبيعية والبشرية، فتبدلت أدواته وتغيرت أساليبه، ولكن رسالته بقيت واحدة. في مراحل عدة بدت فيها السلطة الرابعة تقف على منعطف الفناء ولكنها كانت كل مرة تحتوي الأعاصير التي تواجهها وتخرج أكثر قوة وتأثيراً وفاعلية.

للأعوام وقع ثقيل على أي عمل كان، لكن الإعلام يتحمل عبئاً مضاعفاً، فيتكيف مع التحديات التي تواجهه ويحتوي ما يطرأ على مجالات الحياة المختلفة بفعل الزمن.

تأثير الأعوام الـ25 الماضية في الإعلام لم يكن مسبوقاً، فقد حملت إليه خليطاً من التغيرات البشرية والطبيعية انعكست على عمله شكلاً ومضموناً.

السلطة الرابعة في كل أرجاء المعمورة وجدت نفسها أمام إعصار التغيير منذ العام الأول للألفية الجديدة، عندما وقعت أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) وبدأت الحرب على الإرهاب.

يقول الكاتب والصحافي في "اندبندنت عربية" مصطفى الأنصاري، إن الإعلام يبحث عن الصورة والحدث والانتشار، وهي أشياء متوافرة أصلاً في العمليات المتطرفة أو الإرهابية، لا سيما ذات البعد السينمائي أو الجماهيري الكبير مثل أحداث "الـ11 من سبتمبر" و"حرق الكساسبة" و"شارل إيبدو" وكثير من العمليات التي نفذت في العالمين الغربي والإسلامي.

ويلفت الأنصاري إلى أن وسائل الإعلام انقسمت إلى فئة تعاملت مع الأحداث بحرفية ومهنية وتحليل، فانتقدت الرواية الإرهابية ولم تستسلم لها، وفئة ثانية شعبوية وقعت في فخ التنظيمات الإرهابية وروجت لروايتها وأيديولوجيتها عبر سرد قصتها كما أرادت التنظيمات الإرهابية، أما الفئة الثالثة فهي وسائل إعلام أجنبية حاولت أن تطبع العالمين العربي والإسلامي بطابع الإرهاب، لأن متطرفين ينتمون لدول فيهما نفذوا عمليات إرهابية هنا وهناك، وهو ما أصبح مثار نقد لمهنية تلك المؤسسات حتى من جانب منظمات وجامعات ومؤسسات إعلامية غربية.

الاحتكار والقطبية    

ومحاربة الإرهاب رسمت علاقات دولية تقوم على قطبية واحدة تتمثل بالولايات المتحدة، فأصبح الإعلام يضبط توجهاته على نيات واشنطن وخطط البيت الأبيض. يشير كبير المحررين في "اندبندنت عربية" عادل علي، إلى مشكلة في أحادية الإعلام تتمثل بأن الغرب وبخاصة الأميركي، قدم الإعلام كوسيلة أهم من الرسالة التي يحملها، فبات الإبهار هو الأساس والحامل للرسالة، والتكنولوجيا التي وقفت وراء هذا الإعلام كانت هي الأهم.

ويلفت علي إلى أنه حتى اليوم نجد هناك ثلاث قنوات لتوزيع الخبر العالمي هي وكالات "رويترز" و"الصحافة الفرنسية" و"الأسوشيتيد برس"، بلا منافسة من أي قطب آخر، لكن هذه الاحتكارية التي تمثلها وسائل الإعلام الغربية لها أثمانها، وآخر الأحداث الدولية كانت مختبراً شديد القسوة للإعلام الغربي بدءاً من الحرب في أوكرانيا ووصولاً إلى حرب غزة.

دعماً للقطبية الأميركية أو في مواجهتها لم يعرف العالم الاستقرار طوال ربع قرن كامل، والشرق الأوسط كان دائماً بؤرة صراع يغرق بها الإعلام ويتأثر بها العالم. وبحسب مساعدة رئيس التحرير في "اندبندنت عربية" مي الشريف، لم يكن أداء الإعلام العربي خلال ربع قرن من الأزمات على وتيرة واحدة، هناك محطات نجح في أن يكون صوت الرأي العام وكاشفاً للوقائع، وفي محطات أخرى أو تغطيات إخبارية وقع في أخطاء متكررة مثل الاستقطاب والاعتماد على الروايات الرسمية وضعف التقصي.

تذكر الشريف على سبيل المثال لا الحصر، حرب العراق 2003 وتقول إن قنوات عربية قدمت تغطية ميدانية شكلت مصدراً رئيساً للمشاهد العربي، لكن في الوقت نفسه دخلت في حال اصطفاف سياسي أثر في مهنيتها. وفي ثورات الربيع العربي كمثال آخر، بين 2011 و2013، ظهر الانقسام الإعلامي بصورة واضحة، إذ تحوّلت غرف الأخبار إلى ساحات صراع بين مشاريع سياسية وإقليمية، مما أثر في قدرة الجمهور على التمييز بين الخبر والتحليل وبين الوقائع والدعاية، على حد تعبيرها.

في المقابل تشير الشريف إلى محطات أحسن فيها الإعلام العربي الأداء وخصوصاً في نقل الصور الميدانية من غزة ولبنان واليمن وسوريا وأخيراً السودان، فأدى الإعلام الميداني الشاب دوراً محورياً في كشف الانتهاكات وتوثيق الأحداث بلغة بصرية مباشرة جذبت العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللجوء واليمين   

سواء في المنطقة العربية أو غيرها فجرت بؤر الصراع حول العالم موجات لجوء تكسرت على شواطئ دول مختلفة، وبدلت الخرائط الديموغرافية فيها. وتقول مديرة مكتب "اندبندنت عربية" في بيروت جوزيان رحمة إن موجات اللجوء الكبرى التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، من سوريا والعراق واليمن وصولاً إلى أوكرانيا وأفريقيا وغيرها، لم تعد تشكيل الخريطة الديموغرافية فقط، بل خلقت أيضاً ضغطاً موازياً على الصناعة الإعلامية.

توضح رحمة أنه في بعض الحالات أعاد اللجوء صياغة أجندة وسائل الإعلام بالكامل، فقد أصبح بما يحمله من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، أحد أهم الموضوعات العابرة للسياسات المحلية وفرض نفسه على غرف الأخبار. أول تلك التحولات كان اتساع المساحات المخصصة لقضايا الهجرة واللجوء باعتبارها مادة يومية وليست ظرفية، وهو تحول لم يكن "خياراً تحريرياً فحسب، بل جاء نتيجة ضغط الجمهور نفسه، حين تحولت قضايا اللجوء إلى عامل مباشر يمس حياة ملايين السكان في الدول المستقبلة".

والهجرة أيقظت وحش اليمين المتطرف في الغرب، فزحف الشعبويون فوق الوسط واليسار وتآكلت حقوق الإنسان بفعل ضربات حماة الهوية الوطنية وصفاء العرق. ويشرح مساعد رئيس التحرير في "اندبندنت عربية" هادي طرفي، أن اليمين المتطرف في أوروبا يترك أثراً كبيراً في عدد من البلدان الغربية، هو يستخدم مناخ حرية التعبير في هذه البلدان، ويمارس كماً كبيراً من الأنشطة المختلفة سواء من خلال الحملات الإعلامية أو مشاركته في الانتخابات المختلفة مثلما شهدنا في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وكذلك في بريطانيا.

وفق طرفي لا يمكن لأي وسيلة إعلام في الغرب غض الطرف عن أنشطة اليمين المتطرف، كذلك يستغل التيار اليميني بعض الظواهر التي تحدث باستمرار في عدد من الدول مثل القضايا المتعلقة بالهجرة واللاجئين، كذلك موضوع الإسلاموفوبيا والقيم الوطنية التي ينادي ويتمسك بها هذا التيار، فلا يؤثر فقط في الإعلام وإنما في الرأي العام أيضاً، وقد شهدنا نتائج أدت إلى صعود هذا التيار اليميني في عدد من هذه البلدان.

 

الإنسان والطبيعة

منصات التواصل الاجتماعي كانت المنتج الأبرز في الـ25 عاماً الماضية، فقد ضاعفت من تأثير التبدلات العالمية وغيرت تعاريف الرأي وقادته. وتلفت الكاتبة في "اندبندنت عربية" أمينة خيري إلى أن "السوشيال ميديا" أثرت في مؤسسات الإعلام التقليدي وعمل الصحافي التقليدي بصورة كبيرة خلال ربع قرن. كانت وسائل التواصل بداية "صرعة" أو "موضة" كما تقول خيري، لكن الأمر تحوّل لاحقاً إلى غزو بدأ في الدول العربية في 2010 و2011.

تشير خيري إلى أنه بسبب تأثر الإعلام التقليدي بالظروف والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ضوء العلاقات المتشابكة بين الأنظمة والحكومات العربية ومؤسسات الإعلام، تلقف المواطن العربي منصات التواصل باعتبارها منبعاً بالغ الثراء يقدم له وجبات إخبارية وتحليلية وآراء مختلفة ومواضيع مختلفة بعيداً من الدقة والصدقية والاحترافية.

وتشدد خيري على أنه لا يمكن إنكار أثر "السوشيال ميديا" في دفع الإعلام التقليدي بعيداً من "مناطق الراحة" التي تتمثل في التمهل إلى حين التحقق، والتروي في اختيار المتخصص الذي يحلل، واستثمار الوقت في العصف الذهني، والخروج بأفضل العناوين والأشكال الصحافية، طبعاً بفعل عنصر السرعة الذي فرضته منصات التواصل الاجتماعي.

بفضل "السوشيال ميديا" أصبح هناك إعلام تقليدي وجديد يتكئ كل منهما على الآخر، لكنهما في النهاية صناعة واحدة تخضع لمعايير اقتصاد عالمي تبدل كثيراً. وبحسب رئيس قسم الاقتصاد في "اندبندنت عربية" غالب درويش دفع تطور الإعلام الرقمي منصات التواصل بجاذبية الإعلان في الإعلام العربي لأكثر من 24 في المئة، وبحلول 2028 سيبلغ حجم الإنفاق على الإعلام أكثر من 28 مليار دولار.

برأي درويش يكمن التحدي في الإعلام اليوم في تطوير المهارات الرقمية، فقد تغيرت غرف الأخبار والصحافيون، والمرحلة المقبلة ستشهد تطورات مختلفة جداً، مع سيطرة منصات الإعلام الرقمي على الحال السائدة، لقد غير "ربع قرن كثيراً من المفاهيم وانتقل الإعلام إلى إعلان وأعمال وإعلام جديد، لذلك سنرى في المستقبل أشياء جديدة، بخاصة في المنصات التي ستجتذب إعلانات تجارية على حساب الإعلام التقليدي".

 

تحولات كبرى

التحولات التي واجهها الإعلام في ربع قرن لم تكن بشرية فقط، فعاشت الصحافة مخاضاً حقيقياً خلال وباء كورونا، حالُها في ذلك حالُ كثير من قطاعات العمل. وبرأي مدير مكتب "اندبندنت عربية" في القاهرة أحمد الدعدر، واكبت الصحافة حدث الوباء فشهدت متغيرات في آلية العمل، إذ ترسّخت الصحافة الإلكترونية واستطاعت اجتذاب اهتمامات الجمهور بأدواتها التفاعلية التي تمظهرت على نحو صحافة الموبايل التي تميزت بسرعة وثورية نقل الأخبار والمعلومات، وكذلك سهولة الاستخدام وقلة الكلف التي أتاحت أشكالاً عدة للمعلومات على هيئة نصوص وصور ورسوم وفيديوهات.

ويلفت الدعدر أيضاً إلى أن الوباء أعاد إلى المقال العلمي أهميته التي خفتت كثيراً، وهو ما ترتب عليه أن شهد الخطاب الإعلامي والصحافي مفردات لم تكن حاضرة، أو كانت حاضرة على استحياء، مثل العزل والحجر الصحي والأمصال والوعي الصحي والجائحة وأجهزة التنفس والتباعد الاجتماعي والجيش الأبيض والكمامة وما إلى ذلك.

ثمة بصمة تركتها الطبيعة أيضاً على الإعلام عبر التغير المناخي، لكن المنعطف الأبرز الذي يواجهه القطاع اليوم هو من صنع البشر وعنوانه الذكاء الاصطناعي. وبحسب مدير التحرير التنفيذي في "اندبندنت عربية" عماد بليك، أن العمل الإعلامي تغير ويتغير بصورة كبيرة منذ ظهور تطبيقات مثل "تشات جي بي تي" و"ديبسك" قبل نحو عامين، سواء على مستويات التحرير والإنتاج البصري أو غيره.

في مقابل هذا التغير يرى بليك أن هناك كثيراً من التحديات التي باتت تواجه العملية الإعلامية والصحافية في ظل الذكاء الاصطناعي، يذكر منها على سبيل المثال عملية فرز الحقيقة، فقد "أصبحنا نعيش في عالم قد يكون طابعه تداخل الحقيقة بالخيال أو التزييف"، ومن التحديات أيضاً مستقبل العاملين في المجال الصحافي أو الإعلامي، لكنه يرى أن هذا الجانب سيظل موقتاً، لأنه على المدى الطويل سيوفر الذكاء الاصطناعي بنية لكثير من الوظائف بعكس ما يدور عند البعض من تشاؤم في هذا الإطار.

الذكاء الاصطناعي غزا الأمكنة والأزمنة مبشراً بعلامة فارقة ربما تطبع الكوكب لبقية الألفية الثالثة، يصعب التنبؤ بما تخبئه الأعوام ولكن الإعلام، لسان حال البشرية منذ أن ولد، تكيف مع كل ما جادت به الأيام من تقنيات ومن أزمات وتبدلات جغرافية وطبيعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير