Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ارتبطت العولمة بصعود أميركا... وهل تنتهي بأفولها؟

"من الواضح أن تأثيراتها خلال العقود الثلاثة الماضية تباينت واليوم طفا هذا التباين على السطح"

كان سقوط جدار برلين وبدء تفكك جمهوريات الاتحاد السوفياتي بداية كونية جديدة، أسفرت عن قوة قطبية واحدة، ويومها أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، مصطلح "النظام العالمي الجديد" (بكسلز)

ملخص

هل هو أوان غروب العولمة أم بدايات مولد حركة تاريخ جديدة؟ كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب نهاية وبداية مغايرة؟

لثلاثة عقود خلت، طفت على سطح الحياة الفكرية والثقافية مصطلحات جديدة، تكلمت عن العولمة أو "الكوكبية" كما سماها بعضهم، وكانت على رأس عرابيها ومنظريها أصوات مسموعة بسبب طبيعة عملهم، وآخرون مجهولون، رسخوا لهذا الطرح الإنساني الجديد.

عرف العالم الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان عبر كتابه "سيارة ليكسس وشجرة الزيتون"، وهو من صدح حول العالم مبشراً بعهد جديد من العلاقات الدولية والمعاملات التجارية.

 لكن أصواتاً مغايرة لم يسمع عنها أحد، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

إيمانويل وولرشتاين، مؤسس نظرية "النظام العالمي" التي تقسم العالم إلى دول مركزية وأطراف ودول شبه طرفيه، مما يساعد في فهم ديناميكيات العولمة الاقتصادية.

أولريش بك، العالم الاجتماعي الألماني الرائد في دراسات العولمة، ويعرف بتركيزه على مفاهيم "مجتمع المخاطر"، في سياق العولمة.

رونالد روبنسون، المؤرخ الذي أسهم في النظرية الاجتماعية للعولمة والثقافة الكونية.

والشاهد أننا هنا لسنا في مقام حصر الأسماء، بل في سبيل البحث عن جواب لسؤال رئيس هو جوهر هذه القراءة "هل من مستقبل للعولمة؟ هل لا تزال أمامها فرصة لتكمل ما بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، بخاصة مع سقوط الاتحاد السوفياتي ثم ظهور ما أطلق عليه النظام العالمي الجديد الأحادي القطب الذي هيمنت فيه الولايات المتحدة باقتدار على مقدرات ومقاليد العالم؟".
وهذه التساؤلات باتت مطروحة في ظل قراءات تجمع على أن العولمة ربما باتت في نهايات أيامها كظاهرة حداثية من جهة، أو في أضعف الأحوال على موعد مع تغيير مسارها لتبزغ حقبة جديدة منها وإن بمسميات أخرى.
في كل الأحوال يمكننا القطع بأن الظاهرة التي نحن بصددها، قامت بدور مثير حول الكرة الأرضية خلال الربع الأول من القرن الـ21، ولا سيما على صعيد جريان الأفكار وسريان حركة التجارة حول العالم، ولا نغالي إن قلنا إنها ربطت العالم أكثر من أي وقت مضى، وأزالت السدود وحطمتها.

 لكن على الجانب الآخر، أنتجت أنواعاً من التهديدات غير المسبوقة، ولا سيما بعدما تجاوز المشهد توصيف عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان في ستينيات القرن الماضي، وبات العالم عبارة عن "صندوق الدنيا" المتمثل في الهاتف الذكي.
لكن قلقاً كبيراً ينتاب الكرة الأرضية اليوم جراء كثير من التوجهات المعولمة، في مقدمتها عودة الصراعات المسلحة التي تنذر بأخطار انفلاش حروب كونية، عطفاً على كوكب غير متكافئ الفرص التنموية، ناهيك عن كرة أرضية تئن تحت ضربات إيكولوجية بيئية.

من هنا أين يمكن لبشريتنا الحائرة أن تذهب؟ وهل فكرة عالم معولم قابلة للصمود لعقود تالية أم أنه حان وقت كتابة شهادة وفاته؟
المؤكد أننا لسنا في موقع أو موضع الحكم، لكن في الأقل تبقى التساؤلات فلسفياً أهم من الإجابات... من أين لنا أن نبدأ؟

عالم معولم فكرة قديمة أم حديثة؟

ربما تتعين علينا البداية من عند هذه الجزئية والبحث في فكرة العولمة، وهل هي نسق إنساني حديث أم قديم؟

باختصار غير مخل، عرفت البشرية أنواعاً متعددة من الوصل والفصل، عبر سائر الحضارات المتقدمة، لكن نسقاً واحداً لجعل العالم كياناً موحداً، كانت فكرة غير مطروقة من قبل حتى أوائل أربعينيات القرن الماضي، حين وقع الأميركيون في حب فكرة "عالم واحد"، تلك التي طرحها المرشح الرئاسي ويندل ويلكي الجمهوري الذي حاول الترشح عام 1940 لرئاسة الولايات المتحدة.
ورفع ويندل في ذلك الوقت شعار "عالم واحد" أي الصنو والمرادف للعولمة، ودعا وقتها إلى عالم خالٍ من العنصرية والاستغلال الإمبريالي الذي تغذيه القومية.

 يكتب البروفيسور صموئيل زيب في كتابه المعنون "المثالي: سعي ويندل ويلكي في زمن الحرب لبناء عالم واحد"، "إن عالماً واحداً يكفينا"، وللمرء أن يتصور كيف كان للعالم أن يستقبل مثل هذه العبارة، في أيام لم تكن تعرف شبكة الإنترنت، إنما كان الأمر برمته تعبيراً عن المثالية، ويدل على الرغبة في الوحدة الإنسانية والوجدانية.

اعتُبرت رؤية ويلكي في ذلك الوقت نوعاً من السذاجة، لكنها قد تعطينا فكرة عن النظرة الرؤيوية للعولمة في وقت مبكر، والسؤال هنا هل كان لهذه الدعوة أن تثمر وقتها؟

الجواب المعروف حكماً، هو أنه في أعقاب الحرب الكونية الثانية، وجدت الخليقة ذاتها مرة أخرى أمام حرب عالمية أخرى، ستستمر زهاء أربعة عقود، ستعرف بـ"الحرب الباردة"، ويومها انقسم العالم إلى فسطاطين "الأطلسي" و"وارسو"، مما جعل من فكرة العالم المعولم الموحد، أثراً بعد عين.
لم يكن ويلكي أول من استخدم عبارة "عالم واحد"، فقد سبقه إليها كتّاب ومفكرون لوصف إسهام السفن البخارية والتلغراف والهاتف والطائرة وسوق الأسهم والراديو في تقليص المساحة وتسريع الزمن، مما زاد من التواصل بين الأماكن والثقافات المتباعدة.
هل تعني صيحة ويلكي أن الطريق إلى العولمة المحدثة بدأ أميركياً وإن كان كإرهاصات فكرية؟

 

عولمة التسعينيات وكوكبية مغايرة

باختصار غير مخل، كانت العقود الأربعة ونيف، الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وحتى سقوط حائط برلين في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1989، مثاراً ومداراً للمواجهات الأيديولوجية بين الشرق والغرب، والصراع البارد المكتوم بين حلفي وارسو والأطلسي، مما خلق معسكرين حول العالم، ولم تفلح خطوات صغيرة من دول بعينها، في إنتاج حال من عدم الانحياز، إذ كانت الصيغة الحدية القائمة في ذلك الوقت هي "من ليس معنا فهو علينا".

لم يكن من الوارد وقتها أن تطفو على السطح فكرة العولمة، بل شكك بعضهم في رؤية ماكلوهان واعتقدوا بأنها محصورة في فكرة التواصل المعرفي، ولا سيما عبر الإذاعة والتلفزيون والمطبوعات.
وعلى رغم أن هذه جميعها قامت بالفعل بدور واعٍ وواضح في تثوير شعوب أوروبا الشرقية، ودفعها لاحقاً إلى الثورة على الستار الحديدي السوفياتي، فإنها لم تكن قادرة على خلق فكرة العالم الواحد المعولم.

 وكان سقوط جدار برلين وبدء تفكك جمهوريات الاتحاد السوفياتي بداية كونية جديدة، أسفرت عن قوة قطبية واحدة، ويومها أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، مصطلح "النظام العالمي الجديد"، أو القطبية الأميركية المنفردة.
في تلك الآونة رأى كثير من علماء الاجتماع أن عهداً جديداً من التبعية للولايات المتحدة قد آن آوانه، وأن موعد كتابة شهادة لعصر العولمة انطلق بالفعل، برأس مفكر ومدبر في واشنطن، وأطراف في ست قارات الأرض.

والمؤكد أن حركة ديناميكية ما قد لِدت بالفعل قبل ثلاثة عقود ونصف العقد، غيّرت ملامح الاقتصاد العالمي وأوضاع المجتمعات الإنسانية، وأتاحت هذه الاتجاهات فرصاً قيمة، كما سهلت من النمو الاقتصادي السريع في بلدان ومناطق عدة، مما ساعد في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من نحو 5 تريليونات دولار أميركي عام 2000، إلى 75 تريليون دولار أميركي عام 2016 و111 تريليون عام 2024.

لكن تحولات جذرية تطفو اليوم، عبر ثلاثة اتجاهات هي التحولات في الإنتاج وأسواق العمل والتقدم السريع في التكنولوجيا وتغير المناخ العالمي، مما يجعل المتابعين للشأن العالمي يتساءلون وبحق عن مآلات ظاهرة العولمة، ولا سيما في ظل اتجاه رابع بات يمثل مخاوف جذرية، ويتعلق بصحة القوميات وعودة الشعبويات، مما يهدد المسارات الليبرالية والديمقراطية، تلك التي تكرست في الغرب الأوروبي والأميركي، منذ سقوط الفاشية والنازية عقب الحرب العالمية الثانية.

وكان السعي نحو العولمة أملاً في طريق التنمية المستدامة، وعمل كمحرك قوي في طريق النمو الاقتصادي العالمي، وقد اضطلعت بالفعل بدور مهم بل رائد في تحسن الأوضاع المعيشية لكثير من شعوب الدول النامية عبر ثلاثة عقود ونصف العقد.

 لكن اليوم والعالم في منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، يبدو أن هناك ردة سياسية واقتصادية، تبدأ من واشنطن وترتد بوجه بقية الذين آمنوا بعالم التجارة الحرة، بخاصة حين يجدون الحمائية تعود والتعريفات الجمركية تعلن، ومنطق القوة الخشنة يسود. هل هذه هي الضربة الموجعة الكبرى للعولمة كما عرفتها البشرية أخيراً؟

العولمة نهاية أم حقبة جديدة؟

لعل في تصنيف أفضل العقول المالية والاقتصادية الاستراتيجية التي توقفت مع قصة العولمة، برصانة وموضوعية غير مسبوقة، يأتي الرئيس السابق لقسم المعلومات في إدارة الثروات الدولية في "كريدي سويس" مايكل أوسوليفان، صاحب كثير من المناصب الدولية المتميزة.

ففي مايو (أيار) عام 2022، تساءل الرجل عن مآلات العولمة، وهل نحن في نهاية ظاهرة، أم كما يقول آخرون إنها تدخل حقبة جديدة؟ في تقديره أنه في كل الأحوال هناك نظام عالمي جديد مقبل، ومن المرجح أن يتشكل بحلول عام 2030، أما شكله فهو أمر لا يعلمه أحد.
لكن السؤال المهم في هذه القراءة هو كيف نقيس تراجع العولمة واتجاهات ذلك التراجع؟

باختصار، تبقى العولمة ظاهرة على شيوعها وذيوعها، تحوي كثيراً من الغموض، ولا سيما مع سعة مجال عملها وتأثيراتها في حياة البشر مثل كيفية التواصل ووسائل الإعلام التي تحيط بنا، وكذلك مواردنا المالية وغيرها. ولقياسها كماً، نلاحظ أموراً مثل نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وكثافة أنماط التدفقات المالية وتدفق الأفكار والبيانات، وكيفية انتقال الإنترنت والهجرة.

لكن خلال الآونة الأخيرة، يبدو أن العالم أصبح أكثر إقليمية وتعددية للأقطاب. خذ على سبيل المثال تصرفات الصين في هونغ كونغ وغياب التعاون بين الدول في مواجهة جائحة "كوفيد" وما يحدث في أوكرانيا والحروب التجارية والتوجه نحو الاستقلال التدريجي في دول عدة، كلها أمثلة على أمور ما كانت لتتحقق أو كانت ستحدث بصورة مختلفة في عالم معولم.

 لكن من الواضح أن تأثيرات العولمة خلال العقود الثلاثة الماضية تباينت، واليوم طفا هذا التباين واضحاً على السطح.

وعلى سبيل المثال فإن الدول الأكثر عولمة هي دول صغيرة مثل السويد وسويسرا وإيرلندا، وهذه استطاعت مواجهة واحدة من أسوأ تبعات العولمة، وهي التفاوت الكبير في المداخيل من خلال أنظمتها الضريبية.

لكن الأمر لم يحدث بالقدر نفسه في الدول الكبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، حيث تفاوتت فيها الطبقات، مما أنتج حالاً من الخلل المجتمعي حتى بين الطبقات الأكثر رأسمالية.

أما في ما يخص الدول المرشحة للقطبية مثل الصين، فهذه رأت في العولمة طرحاً أميركياً لا بد من مقارعته بالقوة الاقتصادية، بينما في دولة مثل روسيا الاتحادية، ظهر الخيار العسكري على الساحة.

في هذا السياق تطرح علامة استفهام ذاتها هل جرى توجيه الضربة القاضية للعولمة أخيراً من قلب الولايات المتحدة الأميركية؟

الشاهد هو أن هذا ما ذهب إليه القائمون على أكبر دولة حليفة لأميركا، فما بالنا إذاً ببقية الدول البعيدة أو ربما المنافسة والأعداء؟ ماذا عن هذا الطرح؟

بريطانيا ورؤية لنهاية العولمة

في أبريل (نيسان) الماضي، أي بعد نحو ثلاثة أشهر تقريباً من وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب لسدة البيت الأبيض للمرة الثانية، بدا وكأن هناك وجهة نظر بريطانية قاطعة تقضي بأن زمن العولمة كما نعرفها انتهى.
وفي السادس من أبريل الماضي، قال عضو حزب العمال البريطاني بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر، والذي يشغل منصب كبير أمناء الخزانة، للإذاعة البريطانية إن "العولمة كما عرفناها خلال العقدين الماضيين قد انتهت".

الرأي نفسه أعاده رئيس الوزراء ستارمر ضمن مقالة رأي نشرتها صحيفة "صنداي تلغراف" البريطانية في الأسبوع عينه "العالم كما عرفناه قد انتهى".

لكن ما هو السبب الذي جعل هذا الحليف الأوثق والألصق يرى أن واشنطن هي السبب؟

الشاهد أن الرئيس ترمب هو السبب، ولا سيما بعدما فرضت إدارته تعريفة جمركية أساسية بنسبة 10 في المئة على المملكة المتحدة، كجزء من التعريفات الجمركية المتبادلة التي أطلق عليها اسم "يوم التحرير" مستهدفاً غالبية دول العالم، بما في ذلك بعض المناطق غير المأهولة بضرائب متفاوتة.

وأنهت تعريفات ترمب فكرة التعاون المعولم، وطرحت من جديد الشخصانية أو الفردانية، عبر الحمائية والفوقية الإمبريالية، في شقها الاقتصادي، مما دفع رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون (2007- 2010) إلى تسطير خطوط مؤلمة عبر صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، ينعى فيها "النظام العالمي الجديد" الذي دام 35 سنة، مؤكداً أنه يجري هدمه أمام الأعين في الوقت الحاضر، وأنه ما من طريق سوى المضي قدماً، مع هذا النهج الأميركي "الترمبي" الجديد.

وكتب غوردون براون في الـ12 من أبريل الماضي، أنه "بعد أسبوع بدأ بأسوأ تقلّب مالي في التاريخ الحديث وانتهى بأخطر تصعيد حتى الآن في الصراع الصيني - الأميركي، حان الوقت للتمييز بين التحولات الجذرية والهزات. إذا لم يتغير شيء، فإن عقد العشرينيات من القرن الـ21 قد يُذكر بأنه عقد الشيطان لهذا القرن، وهو المصطلح الذي استخدمه المؤرخون سابقاً لوصف ثلاثينيات القرن الماضي".

وفي تقدير براون، فإن "تعريف ذلك على العقد لن يقتصر على 7 ملايين شخص ماتوا بسبب ’كوفيد‘ وتزايد الفقر والتفاوت العالميين، بل سيشمل أيضاً أوكرانيا الممزقة وغزة المحترقة والفظائع التي لا تغطيها التقارير إلا قليلاً في أفريقيا وآسيا، وكل منها شهادة على الاستبدال العنيف لنظام عالمي قائم على القواعد بنظام قائم على القوة".

يمكن للقارئ هنا أن يخلص إلى نتيجة مؤكدة، مؤداها أنه أمام أعيننا تتعرض كل ركيزة من ركائز النظام القديم للهجوم، ليس فقط التجارة الحرة، بل حكم القانون والأولوية التي أعطيناها منذ فترة طويلة لحقوق الإنسان والديمقراطية، وتقرير المصير للشعوب والتعاون المتعدد الأطراف بين الدول، بما في ذلك المسؤوليات الإنسانية والبيئية التي قبلناها ذات يوم كمواطنين في العالم.

 هل يعني ذلك أن العولمة بصورتها التي روّج لها فريدمان إلى زوال بالفعل؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نهاية العولمة ومفهوم العداء لأميركا

يحاجج كثرٌ من أعداء العولمة بأن الولايات المتحدة هي السبب الرئيس في فشل هذه الظاهرة الأممية، ومن غير إلقاء كل اللوم على الرئيس ترمب، ذلك أن الأمر سبق وصوله إلى البيت الأبيض بثلاثة عقود ونصف العقد، أي منذ أن سرى هذا التيار في الوجدان الأممي... فما معنى ومبنى ذلك؟

هنا يقول المحتجون إن السياسات الأميركية خلال الأعوام الـ35 الأخيرة، أهدرت واحدة من أهم الفرص المعولمة بالفعل، فقد كان هناك مجال واسع لأن تصبح واشنطن بالفعل "سيدة قيصر" التي تقود العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، عبر دروب التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية ومحاربة الأوبئة والأمراض المتوطنة، ناهيك عن تقديم يد العون لتنمية مستدامة أممية عالمية، فضلاً عن تخليص العالم من ربقة العبودية الأيديولوجية التي دار في إطارها الاتحاد السوفياتي سابقاً.

 لكن للأسف الشديد، يبدو أن شهوة السيطرة تملكت السياسات الخارجية الأميركية، الأمر الذي في شأنه كتب "حكيم أميركا" ومستشارها للأمن القومي في زمن الرئيس السابق جيمي كارتر، البولندي الأصل، زبغنيو بريجينسكي، كتابه المعنون "الاختيار... السيطرة على العالم أم قيادة العالم؟".

كذلك، ضمن مؤلفهما المهم "ما بعد العولمة"، يستفيض المؤلفان إريك كازدين وإمري زيمان في توصيف وتشخيص حال العداء الأممي للولايات المتحدة، ولا سيما بعد حروبها التي استهلت بها الألفية الثالثة، وبدأت بغزو أفغانستان، ثم العراق، عطفاً على الحملة الهلامية التي عُرفت بـ"الحرب على الإرهاب".

وأضحت العولمة، الصنو والمكافئ الموضوعي للأمركة، مما ترسخ في أذهان الملايين حول العالم، ولا سيما بعد أحداث واشنطن ونيويورك عام 2001.

لكن يلزم التنويه إلى أنه قبل الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، كان الإدراك المتزايد للعولمة والحركات المناهضة لها يميل إلى عدم النظر إلى الولايات المتحدة على أنها القوة الجيوسياسية الرئيسة. كانت الولايات المتحدة لاعباً مهماً ومعترفاً به بوصفها الفاعل الأوحد الأكثر نفوذاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تكن دخلت في صراعات مع أطراف العالم بعد.

 وكانت التظاهرات التي خرجت ضد العولمة في ذلك الوقت، ترفض هيمنة المؤسسات المالية الكبرى، ولا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والشركات المتعددة الجنسيات.

 لكن بعد الحروب على الإرهاب، عادت الولايات المتحدة لتكون مجدداً الجهة الفاعلة الأكثر نفوذاً في العالم، بالتالي الأكثر ارتباطاً بظاهرة العولمة.
وخلال كتابه المؤثر "الإمبراطورية" الصادر عام 2000، يربط الكاتب الأميركي مايكل هارت بين بلاده ومفهوم القوة الوحيدة المتحكمة في مصائر وأقدار العالم، وقد استشرف بالفعل ما سيحدث بعد نحو ثماني سنوات. كان ذلك عام 2008، حين أدى التلاعب الداخلي في عالم العقارات وسقوط بعض من كبريات البنوك الأميركية مثل "ليمان براذرز"، إلى أزمة مالية أميركية هائلة، تسببت بدورها في إصابة الاقتصاد العالمي في القلب ومن دون أدنى جريرة سوى أن الجميع يلف في فلك الولايات المتحدة.
من هنا تحول العداء لأميركا إلى ضرب من ضروب العداء لفكرة العولمة التي رأى العالم برمته، أنها باتت أداة طيعة في أيدي سادة أميركا الجدد لإدارة شؤون العالم، وعلى حسب الهوى الأميركي باقتدار.

 

مستقبل العولمة بين ناي وكلاوس

في فبراير (شباط) الماضي، وقبل وفاته بنحو ثلاثة أشهر وعبر موقع "بروجكت سنديكت"، تساءل المنظر السياسي الأميركي جوزيف ناي عن واقع الظاهرة التي نحن بصددها وطرح السؤال التالي هل للعولمة مستقبل؟
وجوابه أن محاولة فهم مستقبل العولمة تتطلب منا النظر إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، فهناك كثير من أنواع الترابط العالمي الأخرى، عسكرياً وبيئياً واجتماعياً وصحياً، وما إلى ذلك.

ويقول ناي إن العلماء يتوقعون أن يكون لتغير المناخ كلف باهظة مع ذوبان القمم الجليدية العالمية وغرق المدن الساحلية في أواخر القرن. وحتى على المدى القريب، يزيد تغير المناخ من وتيرة الأعاصير وشدتها وحرائق الغابات، والمفارقة العجيبة هي أننا ربما نكون بصدد الحد من نوع من العولمة ذات الفوائد، بينما نفشل في التعامل مع أنواع ذات كلف فقط. ولا يغيب عن الأعين أنه من بين الخطوات الأولى لإدارة ترمب الثانية انسحاب واشنطن من "اتفاق باريس للمناخ" و"منظمة الصحة العالمية".
إذاً ما هو مستقبل العولمة بالنسبة إلى البروفيسور الراحل جوزيف ناي؟

يخلص الرجل إلى منظور فلسفي مفاده بأنه ستظل الترابطات بعيدة المدى واقعاً ما دام البشر قادرين على الحركة ومجهزين بتقنيات الاتصال والنقل. ففي نهاية المطاف، تمتد العولمة الاقتصادية لقرون، وتمتد جذورها إلى طرق التجارة القديمة مثل طريق الحرير الذي تبنته الصين شعاراً لبرنامجها العالمي للاستثمار في البنية التحتية لـ"الحزام والطريق" اليوم.
لقد قلبت الحروب العالمية مسار العولمة الاقتصادية، ويمكن للسياسات الحمائية أن تبطئه، ولم تواكب المؤسسات الدولية كثيراً من التغيرات الجارية حالياً، ولكن ما دامت لدينا التقنيات، فستستمر العولمة، حتى لو كانت غير مفيدة.

هل تختلف آراء رئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف كلاوس، المنظر للسياسات العالمية، عن رؤية جوزيف ناي؟

الشاهد أنه خلال القمة الجيوسياسية التي عقدت في العاصمة المجرية بودابست في الـ16 من سبتمبر الماضي، تناول كلاوس البعد "الما بعد عولمي" إن جاز التعبير، وهو الأمر الذي يشغل عقول الملايين وربما المليارات حول العالم.

كانت الندوة التي شارك فيها كلاوس ضمن فعاليات "معهد الدانوب" و"مؤسسة التراث"، وكان السؤال المطروح خلال هذه الندوة قائماً على افتراض مشكوك فيه للغاية وهو أننا نعيش حتى الآن في عصر العولمة، وأن هذا العصر يوشك على الانتهاء.

ويرى كلاوس أن هذا تفكير خاطئ، بل قراءة خاطئة للتاريخ.

 ويحيلنا كلاوس في فكرة نهاية العولمة، إلى ما تقدم من ربط بين النفوذ الأميركي والمفهوم عينه، ولهذا يقول "أظن أن هذا التفكير نابع بالأساس من أن الولايات المتحدة دولة تفقد هيمنتها بصورة تدريجية، ولا ترغب في قبول ترتيبات العالم الجديد. لكن هذا التغيير جزء من التحول المستمر من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب".

ولم يستخدم كلاوس ضمن كتاباته لفظ العولمة قط، وبالنسبة إليه فإن العولمة مفهوم غير واضح المعالم، مصطلح صحافي في تقديره، مشوب بكثير من الغموض، سطحي جداً، وغير مفيد كأساس لنقاش جاد.
ولعله يفضل فكرة تدويل الأنشطة الإنسانية، وبصورة أكثر حيادية، ويرى أنه ستكون من الأجدى والأكثر نفعاً، فائدة النظر إلى المشهد العالمي من ناحية درجات التقارب والانفتاح، ولا سيما أن تاريخ العالم عملية تتميز بدرجات متفاوتة من الانفتاح والتقارب، تبعاً للترتيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه الترتيبات هي نتيجة لدرجات متفاوتة من الحرية، وكذلك لطبيعة النظام السياسي، فكلما ازداد المجتمع والاقتصاد حرية، ازداد انفتاحه، والعكس صحيح، لذا يوصي بالعودة لمصطلحات ما قبل نهاية الحرب الباردة.

هل من خلاصة؟

المؤكد أن القطع بنهاية العولمة أمر مضاد لحركة التاريخ، ذلك لأنها "ديالكتيك بشري" من ناحية التواصل الإنساني، عرفته الحضارات الإنسانية السالفة عبر آلاف السنين.

لكن الأمر الجديد وربما الأكثر إثارة موصول بمآلات البشرية في قادم الأيام، وحين تستعلن ثورة الذكاء الاصطناعي، تلك التي ستنتج عالماً جديداً بملامح وسمات، وصفات وخصائص مغايرة، كل المغايرة عما عاشته الإنسانية منذ بداياتها وحتى الساعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات