Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل بات الفلسطينيون مستعدين للتخلي عن "حماس"؟

كيف يمكن للفصائل الأخرى أن توسع نفوذها؟

 فلسطينيون يسيرون وسط أكوام الأنقاض في غزة، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 (محمود عيسى / رويترز)

ملخص

يتحول الرأي العام الفلسطيني تدريجياً من الالتفاف حول "حماس" بعد هجمات السابع من أكتوبر إلى دعم أكبر لخيار المفاوضات وحلول الحكم الانتقالي، مع بحثٍ متزايد عن إدارة فلسطينية موثوقة بدعم دولي. ويعتمد مستقبل هذا الميل على نجاح وقف إطلاق النار وتقديم أمن ومساعدات وإعمار فعال، وإلا فقد يعود الزخم لخيار السلاح وصعود "حماس" من جديد.

لقد منح وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل و"حماس" أول فرصة حقيقية لطي صفحة الحرب المستمرة منذ عامين في غزة، وتحظى الخطوط العريضة لمسار السلام بتأييد واسع، إذ وافق مجلس الأمن الدولي على الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الـ 17 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ومع ذلك لا تزال أسئلة سياسية كبرى بلا إجابة وأبرزها: من سيتولى حكم غزة؟ وهل سينزع سلاح "حماس"؟ وكيف يمكن إشراكها في الحياة السياسية لاحقاً؟ وما السبيل للتعامل مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي؟ فهذه قضايا لا يمكن حسمها بقرارات دولية، فمآلات أية عملية سلام ستتحدد بدرجة كبيرة وفقاً لما يراه الفلسطينيون أنفسهم.

في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مباشرة اصطف الفلسطينيون خلف "حماس" وساند كُثر مقاومتها المسلحة باعتبارها وسيلة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكن منذ ذلك الحين ومع مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين وتعرض قطاع غزة لدمار هائل شمل أكثر من 90 في المئة من المباني السكنية، ومن خلال الصدمة والاستنزاف اللذين سببهما الغزو الإسرائيلي، تغيرت آراء الفلسطينيين وبدأت المواقف تجاه "حماس" والكفاح المسلح عموماً تتراجع، وإن ظل كثير من الفلسطينيين مترددين حيال البدائل المتاحة، وخلال المراحل اللاحقة من الحرب ازداد التأييد لخيار التسوية التفاوضية مع إسرائيل، وأصبح الفلسطينيون أكثر استعداداً لتقبل إدارة تقودها جهة فلسطينية لا تنتمي لـ "حماس" لتولي حكم غزة بعد الحرب، وإذا استمرت هذه الاتجاهات فقد يحظى تشكيل لجنة حكم جديدة تضم خبراء ومتخصصين فلسطينيين، مستقلة عن "حماس" وعن السلطة الفلسطينية ومدعومة من شركاء دوليين، بتأييد من الجمهور الفلسطيني، غير أن هذا التأييد ليس مؤكداً بحال من الأحوال ويقع الآن على عاتق إسرائيل والولايات المتحدة و "حماس" تنفيذ وقف إطلاق النار بطريقة تعزز الدعم للمفاوضات وللقيادة السياسية الفلسطينية.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية فُتحت ممرات مساعدات تنسقها الأمم المتحدة ثم أُغلقت، وكانت عمليات تبادل الأسرى متقطعة ولم تُنشأ أية قوة دولية لتحقيق الاستقرار، كما استؤنفت الضربات الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل فلسطينيين، وينبغي لهذا الوضع أن يتغير، فقبل وقف إطلاق النار أسهمت المخاوف المرتبطة بإدارة شؤون الحياة اليومية في صرف كثير من الفلسطينيين عن "حماس"، إلا أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب توفير الأمن والمساعدات وإعادة الإعمار بفعالية، بما يُظهر للفلسطينيين أن سلطة مدنية موثوقة من الفلسطينيين ولأجلهم، وبدعم من شركاء دوليين تستحق تأييدهم.

ارتفاعات وانخفاضات

يمثل "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية"، وهو مؤسسة استطلاعية مستقلة تأسست عام 1991، أفضل مؤشر على اتجاهات الرأي العام الفلسطيني، فخلال الفترة بين مارس (آذار) 2023 وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، أجرى المركز تسع جولات من الاستطلاعات الميدانية المباشرة في غزة والضفة الغربية، والتي كشفت المسار العام لمواقف الفلسطينيين قبل الحرب على غزة وأثناءها وبعدها، وفي أحد الأسئلة طُلب من المشاركين اختيار الجهة التي تعد "الأجدر بتمثيل الشعب الفلسطيني وقيادته"، "حماس" أم "فتح" (الحزب المهيمن في الضفة)، أم لا هذا ولا ذاك.

قبل هجمات السابع من أكتوبر 2023 كان المشهد في حال جمود، فـ 27 في المئة فضلوا "حماس"، و24 في المئة أيدوا "فتح"، بينما اختار معظم المستطلَعين الإجابة التي تقول إن أياً من الحركتين لا ينبغي أن تقود.

وجاءت الحرب لتنسف هذا التوازن، ففي استطلاع ديسمبر (كانون الأول) 2023، الأول بعد هجمات السابع من أكتوبر، اعتبر أكثر من نصف الفلسطينيين أن "حماس" الأكثر استحقاقاً للقيادة، فيما تراجع تأييد "فتح" وخيار "لا أحد" بصورة حادة، وتُفسر القفزة التي حققتها "حماس" بعوامل عدة، فقد رأى كثير من الفلسطينيين هجمات السابع من أكتوبر 2023 رداً مشروعاً على الاحتلال والاستفزازات الإسرائيلية المتكررة، وطريقة محتملة للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وقد منح هذا التصور "حماس" قدراً من الشرعية الأخلاقية والإستراتيجية، كما انجذب عدد من المترددين سابقاً إلى حركة بدت وكأنها تبادر وتتحرك بثقة، وهو نمط تعبوي مألوف في أوقات الأزمات.

وظل معظم الفلسطينيين ملتفين حول "حماس" خلال ربيع وصيف عام 2024، إلا أنه مع تفاقم أعداد القتلى واتساع رقعة الدمار والتهجير وبخاصة في غزة، تراجع التأييد حين أعاد الفلسطينيون النظر في هجوم "حماس" على إسرائيل بعد مرور الوقت، وارتفعت نسبة من رأوا أنه كان "قراراً خاطئاً"، وهكذا انخفضت نسبة من اعتبروا "حماس" الأجدر بالقيادة إلى 41 في المئة بحلول خريف 2025.

وعلى رغم أن مستوى الدعم بقي أعلى مما كان عليه قبل الحرب فإن الكلفة المدمرة للصراع وازدياد الوعي بالحاجة إلى إدارة فعالة في مرحلة ما بعد الحرب منعا الحركة من ترسيخ غالبية مستقرة لمصلحتها، وظهر مسار مماثل عندما سُئل الفلسطينيون عن الحزب والمرشح الرئاسي الذي سيختارونه في انتخابات افتراضية تُجرى في المستقبل.

في أعقاب السابع من أكتوبر 2023 ارتفع دعم المشاركين في الاستطلاع لمرشحي "حماس"، ثم بدأ هذا الدعم بالتراجع وحافظت "حماس" وقادتها على الصدارة في معظم المواجهات المباشرة المحتملة إلا أن تفوقهم تقلص مع مرور الوقت، أما دعم رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس فقد انخفض عقب السابع من أكتوبر وظل عند مستويات متدنية، غير أن السباقات الانتخابية المفترضة التي اُستبدل فيها عباس بمرشح آخر من السلطة كانت أكثر تنافسية، وقد فضل المستجيبون الفلسطينيون مروان البرغوثي، القيادي البارز في حركة فتح والمعتقل حالياً في إسرائيل لدوره في الانتفاضة الثانية، على أي مرشح من "حماس" بفارق وصل إلى 16 نقطة مئوية، وعندما طُرح سؤال حول شكل الحوكمة في "اليوم التالي" لانتهاء الحرب، بدت تفضيلات الفلسطينيين أكثر مرونة مع مرور الوقت، ففي سبتمبر (أيلول) 2024 قال 27 في المئة من الفلسطينيين إنهم سيؤيدون عودة سلطة فلسطينية يقودها محمود عباس لحكم غزة في مقابل 70 في المئة عارضوا ذلك، ولكن بحلول مايو (أيار) 2025 ارتفعت نسبة المؤيدين إلى 40 في المئة وانخفضت نسبة المعارضين إلى 56 في المئة، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عندما سُئل المستطلعون عن رأيهم في قيام السلطة الفلسطينية بتنسيق عمل لجنة مهنية تتولى إدارة غزة، أيد هذا الترتيب 54 في المئة من سكان غزة و40 في المئة من سكان الضفة الغربية، وبالمثل في يونيو (حزيران) 2024 أبدى 23 في المئة من الفلسطينيين تأييدهم، و75 في المئة معارضتهم، لوجود قوة أمنية عربية أو دولية تعمل إلى جانب إدارة مدنية، وفي مايو 2025 ارتفعت نسبة التأييد إلى 31 في المئة وتراجعت المعارضة إلى 65 في المئة، وبحلول أكتوبر 2025 ارتفعت نسب التأييد أكثر حين بلغت 53 في المئة من الفلسطينيين في غزة و43 في المئة في الضفة الغربية، وبات الفلسطينيون أيضاً أكثر انفتاحاً على التفاوض مع إسرائيل.

منذ ما قبل بدء الحرب كان معظم الفلسطينيين يرون أن حل الدولتين غير قابل للتحقق، ومن غير المستغرب إذاً أنه عندما يُسأل الفلسطينيون عن الخيار الأفضل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، الكفاح المسلح أو المقاومة غير العنيفة أو المفاوضات، يكون الخيار الأكثر شيوعاً هو الكفاح المسلح، غير أن هذا التأييد انخفض بعد بلوغه ذروته عقب السابع من أكتوبر 2023 عندما وصل إلى 63 في المئة، إذ قال 40 في المئة من الفلسطينيين في أكتوبر 2025 إنه الخيار الأمثل، وهذا يعني أن الغالبية باتت تميل الآن إلى حل لا عنفي.

وكذلك ارتفعت نسبة من يرون أن المفاوضات هي الطريق الأفضل من 20 في المئة قبل بدء الحرب إلى 36 في المئة في أكتوبر 2025، في حين رأى 19 في المئة اليوم أن المقاومة غير العنيفة هي السبيل الأفضل، وحتى نسبة من يعتقدون بإمكان تطبيق حل الدولتين ارتفعت من 33 في المئة في مايو (أيار) إلى 41 في المئة في أكتوبر 2025. وهكذا وعلى رغم أن كثيراً من الفلسطينيين قد لا يزالون يشككون في قدرة إطار حل الدولتين على تحقيق النتائج المرجوة، فإن المفاوضات لا تزال تحتفظ بشرعيتها لأن عدداً متزايداً من الفلسطينيين بات يرى فيها خياراً عملياً، ومن اللافت أن مواقف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية تباينت عبر مختلف الاستطلاعات، فقد كان الالتفاف حول "حماس" بعد السابع من أكتوبر 2023 أوضح في الضفة الغربية، حيث تعد المواجهات مع الجيش الإسرائيلي وعنف المستوطنين أموراً روتينية، مما جعل التفضيلات هناك تتصلب مع مرور الحرب.

أما غزة فسارت في مسار مختلف، وبفعل الخسائر البشرية الهائلة والتهجير الجماعي والدمار الواسع، مال الغزيون في وقت أبكر وبصورة أعمق نحو خيار المفاوضات، وأظهروا انفتاحاً أكبر على ترتيبات حكم هجينة أو انتقالية لا تكون "حماس" جزءاً منها خلال مرحلة "اليوم التالي"، ولا يعني ذلك أن الغزيين انقلبوا على "حماس" بل أصبحوا أكثر قبولاً بالبدائل التي يمكن أن تجلب الإغاثة وإعادة الإعمار، ففي أكتوبر 2025، على سبيل المثال، أيد 51 في المئة من سكان غزة في مقابل 41 في المئة من سكان الضفة الغربية تشكيل هيئة فلسطينية لإدارة قطاع غزة لا ترتبط بالسلطة الفلسطينية ولا بـ "حماس".

خيارات كبرى

يكشف عامان من الاستطلاعات صورة واضحة المعالم، ففي البداية وتحت وطأة الضغط الهائل للحرب اتجهت غالبية الفلسطينيين تلقائياً إلى اعتبار "حماس" الجهة الأكثر قدرة على إدارة الأزمة، إلا أن صعود الشعبية هذا لم يتحول إلى تفويض لما بعد الحرب، ومع امتداد القتال وتحول النقاش حول القيادة والحوكمة من رمزية المقاومة للاحتلال الإسرائيلي إلى التركيز على الإدارة العملية لدولة فلسطينية، عادت مجموعة أوسع من التفضيلات إلى الظهور وبخاصة في غزة، حيث بات الناس يريدون قبل كل شيء رؤية مساعدات إنسانية وأمناً للمدنيين، وإحراز تقدم ملموس في إعادة الإعمار.

ويسعى الجمهور الفلسطيني إلى إدارة موثوقة تستطيع توفير الأمان والخدمات ومساراً للخروج من حال الطوارئ، وهم يريدون أن تكون القيادة فلسطينية في جوهرها، لكن كثيرين باتوا مستعدين لتقبل دعم عربي ودولي أيضاً شرط ألا تُكلف القوات الأجنبية صراحة بمهمات نزع السلاح، وأن يبقى دورها محدوداً في النطاق والمدة.

تكشف نتائج الاستطلاعات عن دروس محورية لصناع السياسات، أولها أن تحقيق مكاسب باكرة وملموسة، مثل استتباب الأمن في الشوارع وإيصال المساعدات بصورة منتظمة عبر قوافل منسقة من قبل الأمم المتحدة، واستكمال تبادل الجثامين بين الرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين، ووضع خطة تفصيلية لإعادة الإعمار، يمكن أن يعزز التوجهات الراهنة في الرأي العام ويدفع باتجاه مواقف أكثر تقبلاً للتفاوض وأكثر انفتاحاً على بدائل سياسية لـ "حماس"، لكن إذا فشلت الأطراف المعنية في إنجاز هذه الخطوات فمن المرجح أن يستعيد خيار المقاومة المسلحة والعنف زخمه الشعبي من جديد، وثانيها أنه يجب أن تكون الحوكمة الانتقالية بقيادة فلسطينية كي تحظى بالشرعية، فالتفويض الذي نالته "حماس" بعد السابع من أكتوبر 2023 تضاءل، كما أن "فتح" بقيادة عباس لا تستطيع الادعاء بامتلاك تفويض خاص بها، ومع ذلك توجد مؤشرات على تنامي التأييد لسلطة فلسطينية مصلحة أو لبديل فلسطيني آخر مدعوم بقوة إقليمية أو دولية محدودة. وأخيراً تختلف البيئة السياسية في الضفة الغربية عنها في غزة، فالإجراءات التي تبني الشرعية لسلطة حاكمة جديدة في غزة، مثل الممرات الإغاثية وإعادة الإعمار والشرطة المدنية، لن تكسب تلقائياً تأييد الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين ينصب تركيزهم على عمليات الدهم الإسرائيلية اليومية، وعنف المستوطنين الذي بلغ في أكتوبر مستويات غير مسبوقة منذ عام 2006، والقيود الاقتصادية، والخطة الناجحة هي تلك التي تلبي حاجات السكان في كل من غزة والضفة الغربية معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ستحسم وقائع وقف إطلاق النار حول ما إذا كان الرأي العام الفلسطيني سيلتف حول حكومة مدنية أم سينزلق مجدداً نحو خيارات أكثر تطرفاً، ففي أفضل السيناريوهات يصمد وقف إطلاق النار المدعوم من مجلس الأمن مما يتيح بدء عملية انتقال سياسي تسير بوتيرة ثابتة، وفي هذه المرحلة الأولى يُفترض أن يبقى العنف متوقفاً وأن تصل المساعدات بصورة منتظمة، وأن تنطلق عملية إعادة الإعمار والتعويض وأن تُستكمل صفقات تبادل الأسرى والرهائن، وعندها يمكن الانتقال إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية بولاية زمنية واضحة وموازنة شفافة ونظام رقابة مستقل على تدفقات المساعدات، ولا تُجرى الانتخابات إلا بعد توافر الشروط الأساس مثل حرية الحركة وضمان الوصول إلى وسائل الإعلام وتوفير حد أدنى من الأمن والشرطة، وتشير البيانات إلى أنه ما دامت خطوات هذا الانتقال تسير كما ينبغي فإن دعم الفلسطينيين لمسار تفاوضي يفضي إلى إنهاء الصراع سيستمر في الزيادة.

لكن إذا تعثر تنفيذ خطة الانتقال بأي شكل من الأشكال فقد يصبح الدعم الذي يبديه الفلسطينيون مهدداً، ويبدو أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً في ضوء استئناف إسرائيل غاراتها الجوية وتصاعد عنف المستوطنين وتذبذب وصول المساعدات، واستمرار الغموض حول تفويض وتركيبة قوة الاستقرار التي يفترض أن تعتمدها الأمم المتحدة، فالانخفاض الحاد في تدفق المساعدات والتقدم الضئيل في إعادة الإعمار، واستمرار عمليات الدهم في الضفة الغربية، والوقف الباكر لعمليات تبادل الأسرى والرهائن، كلها عوامل يمكن أن تؤدي إلى جمود الدعم الفلسطيني للمفاوضات وتزايد الميل إلى خيار السلاح وإلى إسناد القيادة لـ "حماس"، ومن المرجح أن تتجلى هذه التحولات في المواقف بصورة مختلفة بين غزة والضفة الغربية، ففي غزة سيزداد تململ السكان مع غياب الكفاءة الإدارية، فيما ستتصلب المواقف في الضفة الغربية بصورة أكبر ضد أي مسار سياسي، وفي مثل هذا المناخ المضطرب تجد السلطات الانتقالية نفسها في موقع تصادم مع الرأي العام، وبذلك تبرز فرصة أمام الجهات المعرقلة لاستثمار هذا الاضطراب وحشد الدعم الشعبي.

ينبغي أن يكون الحكم الانتقالي بقيادة فلسطينية لكي يحظى بالشرعية

 

وإذا انهار وقف إطلاق النار بالكامل أو ارتفع مستوى العنف في الضفة الغربية بصورة حادة فمن المرجح أن يتكرر تأثير الالتفاف الشعبي الذي شهدته نهاية عام 2023، وسيعود الدعم لـ "حماس" بقوة فيما سينهار التعافي المحدود الذي حققته "فتح"، ويزداد عدد الفلسطينيين الذين يميلون إلى الانسحاب من المشاركة السياسية، وستجعل هذه التحولات في الرأي العام من إنشاء سلطة حاكمة جديدة قراراً بالغ السوء من الناحية السياسية.

وهناك احتمال واحد قادر على تغيير خريطة الرأي العام الفلسطيني بصورة ملموسة وهو بروز مروان البرغوثي، أو أي قيادي آخر من حركة "فتح" ذي التزام حقيقي بالإصلاح، كمرشح يتمتع بصدقية لقيادة الفلسطينيين، فمثل هذا الترشيح سيقدم منافساً قوياً لحركة "حماس"، وعلى رغم أن كثيراً من الفلسطينيين قد يواصلون تفضيل "حماس"، ولو جرت انتخابات تشريعية اليوم لفازت بأكثر من 40 في المئة من الأصوات، لكن وجود بديل حقيقي قد يزيد المشاركة ويقلص تقدم "حماس"، مما يجعل المنافسة أكثر تكافؤاً، بل إن طرحاً إصلاحياً موثوقاً قد يسهم حتى في تحويل الرأي العام بعيداً من خيار الصراع المسلح نحو المفاوضات.

هناك إجراءات واضحة ينبغي لصناع السياسات والوسطاء اتخاذها لضمان تأييد الفلسطينيين لخطة المرحلة الانتقالية، فمع وصول قوافل المساعدات يجب إبراز ذلك إعلامياً بالطريقة نفسها التي يُسلط بها الضوء على أية قمة سلام، لإظهار الكفاءة وتأكيد تحقيق تقدم ملموس، وبعد تشكيل هيئة حكم فلسطينية ينبغي أن تنشر سجلاً لإعادة الإعمار يخضع لتدقيق مراقبين دوليين، ويمكن أن يأخذ هذا السجل شكل منصة إلكترونية قابلة للبحث أو خريطة تفاعلية أو نشرة أسبوعية، تتيح للفلسطينيين الاطلاع على عقود التنفيذ والجداول الزمنية وسير العمل في كل منطقة، إضافة إلى آلية لتقديم الشكاوى وتسويتها.

إن جعل عملية إعادة الإعمار شفافة وقابلة للمتابعة من شأنه تعزيز الثقة والدعم لخطة السلام الأوسع، وعندما يتدخل العرب وشركاء دوليون آخرون في مهمات حفظ الأمن والرقابة وتسوية النزاعات، فينبغي تحديد هذه الأدوار بوضوح وحصرها زمنياً لضمان أن تبقى عملية الحكم مرتكزة إلى القيادة الفلسطينية، أما في الضفة الغربية فيتعين أن ترافق أية خطوات لتشكيل قيادة سياسية جديدة إجراءات تحد من عمليات الدهم الإسرائيلية وتكبح عنف المستوطنين، وتوافر قنوات يستطيع الفلسطينيون عبرها تقديم شكاواهم ومتابعة معالجتها.

وأخيراً ينبغي على أية هيئة إدارية جديدة مقاومة الإغراء بالذهاب سريعاً إلى الانتخابات، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين لن تشارك ما لم تتحسن الأوضاع على الأرض، وبالتالي فإن انتخابات باكرة قد تشوه النتائج لمصلحة مرشحين أكثر تطرفاً، وتفرز فائزاً بلا تفويض حقيقي، وتعمق الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

على امتداد الحرب في غزة تبدو مسارات الرأي العام الفلسطيني واضحة، فمع أن حركة "حماس" حظيت بدعم واسع في البداية لكن هذا الدعم تراجع مع تزايد كلفة الصراع وتبلور متطلبات الحكم في المستقبل، فيما نما استعداد الجمهور لدعم تسوية تفاوضية تُديرها سلطة فلسطينية وتقف وراءها رعاية دولية، ويمكن لوقف إطلاق نار تُنفذ التزاماته بالكامل، مصحوباً باستعداد إسرائيلي للإقرار العلني بهدف حل الدولتين، ولجم التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، أن يدفع الرأي العام الفلسطيني أكثر نحو خط سياسي أكثر وسطية يؤيد المفاوضات وحل الدولتين، ولا سيما في غزة، أما وقف إطلاق نار يظل حبراً على ورق فسيدفع المواقف في الاتجاه المعاكس، وما إذا كانت توجهات الشارع ستسير نحو الاعتدال أو نحو مزيد من التشدد فسيتوقف على ما إذا كان الفلسطينيون سيُمنحون فرصة حقيقية لتخيل مستقبل لا يكون استمراراً للحرب بوسائل أخرى.

 

 مترجم عن "فورين أفيرز" 1 ديسمبر (كانون الأول) 2025

محمد الجوهري عضو هيئة تدريس مشارك في "جامعة جورج ميسون"، وقد قاد سابقاً فريق تحليل الدعاية العربية في مشروع "جامعة شيكاغو" حول الأمن والتهديدات.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء