ملخص
يرى الكرملين أن الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين ليست مجرد زيارات دبلوماسية روتينية، وإنما تحول استراتيجي يمثل إعلاناً روسياً رسمياً ضمنياً عن نهاية حقبة وولادة أخرى، تعترف فيها موسكو بشرعية كيان سياسي جديد في سوريا، قد يتمتع بإرادة تفاوضية مستقلة.
وتطالب موسكو بسداد ديون تقدر بما بين 20 و23 مليار دولار كانت قدمتها إلى النظام السابق، فيما تطالب دمشق من جهة أخرى باستعادة ما بين 12 و16 مليار دولار من الأموال العامة التي يعتقد بأن عائلة الأسد والمقربين منها هربوها إلى الخزائن الروسية.
رفض المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الكشف عن أية معلومات حول إقامة الرئيس السوري السابق بشار الأسد في روسيا، وقال السكرتير الصحافي للرئيس الروسي مطلع ديسمبر (كانون الأول) الجاري إن الكرملين لا يستطيع مشاركة أية معلومات عن وجود الأسد في روسيا.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان الكرملين يستطيع تقديم أية معلومات عن إقامة الأسد في موسكو خلال العام الماضي، وكذلك ما إذا كان الرئيس السوري السابق ربما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال هذا الوقت، أعلن المتحدث باسم الكرملين "لا، لا يمكننا مشاركة أية معلومات في هذا الشأن".
وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع بوتين في موسكو، لكن بيسكوف رفض آنذاك كذلك الإجابة عما إذا كان مصير الأسد قد نوقش خلال هذه المحادثات، على رغم أن عدداً من وكالات الأنباء العالمية ذكر أن السلطات السورية الجديدة طلبت مرتين من موسكو تسليم الرئيس السابق.
ولاحقاً، خلال مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست"، صرّح الشرع بأن قضية الأسد تشكل "مصدر قلق" لروسيا. ومع ذلك، أكد أن السوريين يحتفظون بحقهم في المطالبة بمحاسبة الرئيس السابق.
وكان بشار الأسد فرّ من سوريا في الثامن من ديسمبر عام 2024، عندما سيطرت قوات المعارضة بقيادة "هيئة تحرير الشام" على دمشق بعد أقل من أسبوعين من الهجمات من الشمال، مما أدى إلى سقوط نظام الأسد. وانتهى الأمر بالرئيس السوري السابق في موسكو، حيث منحته روسيا وعائلته حق اللجوء الإنساني.
وفي أكتوبر الماضي، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال لقاء مع صحافيين من دول عربية، أن بشار الأسد وأفراد عائلته يقيمون في روسيا لأسباب إنسانية بحتة، نظراً إلى وجود تهديد مباشر على حياته لو بقي في وطنه.
نفي تسمم الأسد
وعن مدى صحة الأنباء والإشاعات التي أثيرت أخيراً حول محاولة تسميم الأسد في موسكو، قال لافروف ضمن تصريحات صحافية إلى ممثلي وسائل الإعلام العربية "غير صحيحة... بشار الأسد موجود برفقة عائلته في موسكو لأسباب إنسانية والحديث عن محاولات تسميمه إشاعات".
وكانت وسائل إعلام عدة ومواقع محلية سورية تناولت أنباء تفيد بأن الأسد أُدخل إلى المستشفى في موسكو بعد أن تعرض للتسمم في محاولة لاغتياله.
وما يجعل سوق الإشاعات رائجة جداً حول الحياة اليومية للأسد في موسكو وطبيعة إقامته في العاصمة الروسية، هو الستار الحديدي المطبق الذي تفرضه الأجهزة الأمنية الروسية بأمر من الكرملين، على تحركات الأسد وكيفية إقامته في منفاه الجديد، ويومياته وتفاصيل تمضيته لأوقاته ومشاغله في المبنى الفاره الذي يعيش فيه مع عائلته وأقرب المقربين من حاشيته وأقاربه.
وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها تداول أنباء عن محاولة تسميم أو محاولة اغتيال للأسد في موسكو.
تحت رحمة بوتين
ونشرت صحيفة "تزايت دي" الألمانية تقريراً جديداً تحدثت فيه عما سمته "حياة الأسد الخفية في موسكو"، يورد أن "الأسد تعهد بالصمت تحت رحمة بوتين"، وكشفت عن أن الأسد يتجول بسرية في موسكو ويزور مركزاً تجارياً ويلعب ألعاب الكمبيوتر لساعات.
وتقول الصحيفة الألمانية إنها تمكنت من الوصول إلى مخبأ الأسد في العاصمة الروسية، حيث يقطن في ناطحة سحاب فاخرة، تمتلك عائلته فيها نحو 20 شقة موزعة على ثلاثة طوابق، بعدما فر إلى موسكو إثر السيطرة العسكرية للمعارضة على البلاد، ووصول الشرع إلى السلطة في سوريا خلال ديسمبر عام 2024.
ويصف التقرير الشقق التي يعيش فيها الأسد مع عائلته وأقرب المقربين بأنها بمثابة "قصور معلقة في السماء"، مزودة بديكورات فخمة تشمل ثريات من الكريستال التشيكي وأثاثاً مذهباً، إضافة إلى حمامات رخامية فاخرة تحيط بها نوافذ ضخمة تسمح برؤية الطائرات تحلق على مستوى النظر. ويعكس هذا التقرير حياة الأسد الأسرية بين العزلة السياسية بعدما فقد نفوذه في سوريا، وحياة الترف والراحة في العاصمة الروسية مع سجل سياسي لا يزال رهينة بيد موسكو.
وذكرت الصحيفة أن الرئيس السوري السابق يزور منزله الريفي في ضواحي موسكو الذي تحرسه شركة أمنية خاصة بصورة متكررة.
وتنقل الصحيفة الألمانية عن صديق قديم سابق لعائلة الأسد ويعيش الآن في أوروبا قوله إن "بشار الأسد حاول تصفيته بتفجيرات عام 2012 وأن عدداً من حراسه الشخصيين قتلوا"، مشيراً إلى أنه "قرر مغادرة سوريا إثر ذلك".
وكشف الصديق الذي أشارت إليه الصحيفة بحرف "خ" نقلاً عن مصادر موثوقة أن "بشار الأسد وعائلته يستخدمون حراساً شخصيين من شركة أمن خاصة ممولة من الحكومة الروسية"، وأضاف أن "بشار يسكن في ثلاث شقق ضمن برج يقع أسفله مركز تسوق، ويزوره من حين لآخر، كما أنه يقضي ساعات في لعب ألعاب الفيديو عبر الإنترنت".
ويكشف المصدر عن أن "زوجة الأسد، أسماء، تعيش مرحلة صحية شديدة الحساسية، فقد أصيبت بالسرطان عام 2018 وتعافت، لكن المرض عاد لها في ربيع عام 2024 وحالها تعد الآن غير مستقرة".
كذلك، يقول المصدر إن "ماهر، شقيق بشار الأسد، وقائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري سابقاً، يقيم في فندق فور سيزونز في المدينة، ويقضي وقته في تدخين النرجيلة".
ولا تغطي وسائل الإعلام الروسية أنشطة عائلة الأسد في موسكو، حيث أكد الصحافيون أن "هذا موضوع تحظر تغطيته من قريب ومن بعيد".
وأوضحوا أن أي صحافي لن يجرؤ على انتهاك الحظر والإبلاغ علناً عن مكان إقامة أفراد هذه الأسرة، وما يفعلونه، وكيف تبدو حياتهم اليومية.
وأضاف الصحافيون أن "ليس لدى السلطات الروسية ما تكسبه من مثل هذا الكشف، بل إن هناك كثيراً لتخسره لأن مجرد وجود الأسد في موسكو يزعج السلطات السورية الجديدة، وبالتأكيد أن تغطية تحركاته ونشاطاته يمكن أن تؤثر في علاقات الكرملين الناشئة مع السلطات التي حلت محله وفي وجود القواعد العسكرية الروسية ضمن منطقة الساحل السورية".
هل التقى الأسد بوتين بعد فراره؟
قبل عام مضى، وبعيد فرار الأسد إلى موسكو بـ10 أيام، ألمح الرئيس الروسي خلال مؤتمره الصحافي السنوي إلى احتمال لقائه الأسد في موسكو، لكن منذ ذلك الحين لم يجرِ الكشف عن أي لقاء علني بين الرجلين، مع أن أوساطاً روسية مقربة من الكرملين ذكرت أن بوتين التقاه سرّاً في الكرملين حول كوب شاي وبحث معه بما آلت إليه الأمور، وأخذ منه وعداً قاطعاً بالتزام الصمت حتى إشعار آخر.
لكن الروس حرصوا على عدم تأكيد أو نفي لقاء الأسد ببوتين منذ وصوله إلى موسكو، وأبقوا الباب موارباً حول هذا الموضوع، ومحلاً للإشاعات مع أن العارفين لا يتوقعون عقد مثل هذا الاجتماع، وفي واقع الأمر أن الرئيس الروسي ليس حريصاً على الظهور مع شخص فقد السيطرة على بلاده واكتسب صورة الخاسر.
لكن موسكو وحاشية بوتين بالذات لا تفتقران إلى اللاعبين الأقوياء والتجار الذين قد يتعاونون معه في مجال الأعمال، والأموال التي جلبها من خزائن سوريا سوف تتحدث عن الكثير، ولا سيما بعد أن أصبح خارج اللعبة السياسية ولقاءات القمم.
ويحيط الغموض بوجود بشار الأسد في موسكو بسبب وضعه كزعيم مخلوع طلب اللجوء، وكذلك لأسباب جيوسياسية لأن التذكير الرسمي بوجوده يمكن أن يستخدم ضد روسيا، ويرتبط أيضاً بالأخطار الأمنية المحتملة على الأسد نفسه وعائلته، فضلاً عن الحاجة إلى الحفاظ على السرية أثناء المفاوضات مع خلفائه في الحكم الذين يطالبون بتسليمه إليهم لمحاكمته، ولا سيما بعدما أمرت محكمة سورية باعتقال بشار الأسد غيابياً بتهم تتعلق باضطرابات واسعة وسقوط ضحايا في محافظة درعا عام 2011.
ويقيم الأسد في منطقة راقية وسط العاصمة الروسية، ويقال إن شراءه للشقق الفخمة التي يزيد سعر الواحدة منها على مليوني دولار، كان مرتبطاً بالحياة الاجتماعية الثرية الصاخبة في موسكو، لكن الأسد تجنبها تماماً حتى الآن، ولم يشارك في أي نشاط ترفيهي أو اجتماعي تستضيفه ناطحات السحاب التي يقطن فيها. ومن غير المرجح أن يُفسر ذلك بسبب مرض زوجته أسماء الخطر، لكن ربما يكون الأسد نفسه مكتئباً بعد فقدانه السلطة، أو ربما يتلقى تعليمات من أجهزة الأمن الروسية بعدم الخروج من دون داعٍ بسبب خطر الاغتيال، فالأكيد أن أحداً لم يشاهد الأسد في حفلات أو مناسبات أخرى متألقة تفتخر بها النخبة في موسكو.
ومن المشكوك به أن يكون الأسد قد تكيف خلال العام الذي مر على سقوط نظامه، مع وضعه الجديد كمنفي ثري يقضي أيامه في عزلة محكمة حوله، وبغض النظر عن طبيعة الحراسة المشددة التي تحيط به، فإن المخاوف الأمنية الشخصية تلاحقه إلى العاصمة الروسية، وفقاً لمقربين من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (الاستخبارات).
ومما لا شك فيه أن الأسد كان شريكاً لروسيا في الشرق الأوسط، والآن نشأ وضع من المحتمل أن يواجه فيه هو وعائلته أعمالاً انتقامية وتهديداً مباشراً لحياتهم. وقد قبلته موسكو لأسباب إنسانية وهذه ممارسة دولية طبيعية، وتتبعها دول كثيرة.
الأسد بعيداً من السياسة
يرى معارضون للكرملين أن "ثمة يداً روسية رسمية" في ترتيبات سقوط الأسد، وأن بوتين شخصياً شارك في وضع المخطط الذي أفضى إلى سقوط نظام بشار الأسد.
ويستشهدون على ذلك بتصريحات لوزير الخارجية السوري ذكر فيها أن لقاءات عقدت بين المعارضين الذين كانوا يتحصنون في إدلب ومسؤولين عسكريين روس قبل سقوط الأسد ووصول قوات المعارضة إلى دمشق، ويقولون إن "الأسد لم ينجح في الفرار والبقاء على قيد الحياة وحسب بفضل الأمر الصريح الذي أصدره فلاديمير بوتين بإخراجه من مركز انهيار نظامه، بل إنه جلب معه كل ما يلزم لحياة مريحة وخالية من الهموم وكثيراً من المال".
فالثروة التي نقلها الأسد إلى روسيا قبل فترة طويلة تشكل العنصر الأكثر أهمية لوجوده في البلاد الباردة والشاسعة لأن الأمر بسيط للغاية في روسيا، فبعد حصول أي أجنبي على حق اللجوء، إما أن يكون متسولاً خاضعاً لأهواء الدولة المستضيفة، أو يكون ثرياً يمكنه شراء النفوذ وترويض وكالات إنفاذ القانون وما إلى ذلك، كل هذا ممكن ما دام أنه لا يبالغ، ويتبع قواعد اللعبة المعروفة باسم "إدفع تحصل". ومن المرجح أن بشار الأسد تعلم قواعد اللعبة. وفي الواقع، صار يجيدها بالفعل مثله مثل غيره من الساسة المنفيين الذين تستقبلهم موسكو، على غرار الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش ورئيس قرغيزستان السابق عسكر أكاييف وغيرهما.
وتفيد مصادر في أجهزة الأمن الروسية بأن "وحدة النخبة في جهاز الأمن الفيدرالي (ألفا) مكلفة حماية الأسد"، إذ إنه يقيم تحت حماية مباشرة من الكرملين، في واحدة من أكثر الفترات غموضاً ضمن مسيرته بعد مغادرته سوريا في ديسمبر عام 2024، مما يضع العلاقة المستقبلية بين الكرملين والحكم الجديد في سوريا في إطار "براغماتية قسرية" تحكمها القاعدة الأولى في العلاقات الدولية "لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح مستمرة وقائمة".
فعلاوة على معضلة مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، تشكل المعضلة الاقتصادية واحدة من أكبر نقاط الخلاف بين الكرملين والسلطات الجديدة، ويمكن وصفها بأنها "ديون منهوبة مقابل أموال مهربة"، فمن جهة تطالب موسكو بسداد ديون تقدر بما بين 20 و23 مليار دولار كانت قدمتها إلى النظام السابق، فيما تطالب دمشق من جهة أخرى باستعادة ما بين 12 و16 مليار دولار من الأموال العامة التي يعتقد بأن عائلة الأسد والمقربين منها هربوها إلى الخزائن الروسية.
إضافة إلى ذلك، ترغب دمشق في إعادة النظر في عقود النفط والغاز التي أبرمها النظام السابق مع شركات روسية والتي يصفها الحكم السوري الجديد بأنها "مجدية للأسد وروسيا فقط وليس لسوريا".
ويقول الخبير الروسي سيرغي كوتونيوف "نحن نناقش مشاركة الشركات الروسية في إعادة تأهيل الموانئ السورية مثل طرطوس... روسيا مستعدة أيضاً لتقديم الخبرة في إنتاج النفط، نظراً إلى أن الحقول السورية على الفرات تحتاج إلى تحديث"، ويضيف "نحن مستعدون لإعادة النظر في الاتفاقات السابقة لتكييفها مع الظروف الجديدة".
أزمة معلقة
صحيح أن الأسد صار بعيداً من الساحة السياسية، وأن موسكو لا تعلق أي آمل على احتمال أن يقوم بدور سياسي ما في مستقبل سوريا لاحقاً، إلا أن الصحيح أيضاً أن وجوده في موسكو تحت حماية الكرملين يشكل عقبة على طريق استعادة العلاقات الروسية- السورية لمجراها الطبيعي. ففي منتصف أكتوبر الماضي، التقى الشرع بوتين في الكرملين للمرة الأولى منذ تسلمه الحكم وطلب من موسكو تسليم الرئيس السابق ليواجه العدالة الانتقالية في البلاد، لكن الكرملين التزم الصمت ولم يقدم إجابة واضحة على هذا الطلب.
لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف صرّح في الـ13 من أكتوبر الماضي بأن الأسد وأفراد عائلته موجودون في روسيا لأسباب إنسانية بحتة، بعد أن تعرضوا لتهديدات بالعنف الجسدي. وبحسب الدبلوماسي، لا يواجه الأسد أية مشكلة في العيش في موسكو.
وأشار الكرملين مراراً وتكراراً إلى أن اللجوء منح للأسد لأسباب إنسانية وليست سياسية بهدف ضمان سلامة الرئيس السابق وعائلته.
وفيما يبقى مصير الأسد غامضاً لأن وجوده وطاقمه في المنفى في روسيا يظل قضية شائكة، حيث ترفض موسكو تسليمه علناً، إلا أن ملفه قد لا يكون "ورقة تفاوضية حاسمة" لدى الكرملين في علاقته مع الحكم الجديد في سوريا، فالعلاقات بين البلدين ليست فقط تاريخية وعريقة، بل ضرورية أيضاً مع اعتماد الجيش السوري على الأسلحة الروسية واستمرار الضربات الإسرائيلية التي دمرت غالبيتها، وعجز واشنطن أو عدم رغبتها في وقفها، مما يعني أن الملفات الاستراتيجية الحيوية والبراغماتية السياسية تطغى على ملف العدالة الانتقالية في المدى المنظور.
لذلك من المرجح أن تسعى روسيا إلى ضمان أقصى قدر من الأمن للأسد وأفراد عائلته الذين قد يصبحون أهدافاً لخصومهم، والتعتيم على وجود الأسد في موسكو وتحركاته وإقامته جزء لا يتجزأ من هذا الأمن الذي يكفله الكرملين للأسد، حتى لا يواجه الرئيس المخلوع المصير الذي لقيه معمر القذافي في ليبيا، ولا تظهر أجهزة الاستخبارات الروسية كما لو أنها تتهاون في تنفيذ المهمة التي أوكلها إليها الكرملين في حماية الأسد وعائلته وتأمين سلامتهم على الأراضي الروسية.
لقد تلاشى الصراع السوري منذ زمن طويل من عناوين وسائل الإعلام الروسية الرئيسة، لكن هذا لا يعني اقتراب نهايته، وروسيا لا تزال ترى نفسها لاعباً رئيساً في سوريا، مما أكدته الزيارات المتبادلة لمسؤولين من البلدين خلال الأشهر الأخيرة.
موسكو تستضيف الأسد وترحب بخصومه
وذكرت صحيفة "كوميرسانت" الروسية الواسعة الانتشار أن السلطات السورية الجديدة بدأت بتحويل وتعزيز سفارتها في موسكو بعد 10 أشهر من تغيير السلطة في دمشق. وفي البداية، أطلقت وزارة خارجية الجمهورية العربية السورية حملة توظيف لموظفين جدد في القسم القنصلي بالبعثة الدبلوماسية لتبسيط إجراءات إصدار جوازات السفر والتأشيرات. وقالت "كوميرسانت" إن دمشق تعتزم إجراء تغييرات جذرية في طاقم البعثة، بل إيجاد مقر جديد لها في العاصمة الروسية. واكتسب هذا التحول زخماً عقب زيارة الوفد السوري المشترك إلى موسكو التي بدأت في الـ28 من أكتوبر الماضي، وعينت دمشق ماهر الشرع، شقيق الزعيم الحالي ومدير مكتبه، للإشراف على العلاقات الروسية - السورية.
وأكدت الصحيفة أن وزارة الخارجية السورية بدأت بإصلاح سفارتها في موسكو التي كانت شبه مجمدة منذ الثامن من ديسمبر عام 2024. وصرح مصدر سوري مطلع على المحادثات إلى صحيفة "كوميرسانت" بهذا. ووفقاً للمصدر، بدأ المكتب المركزي للوزارة بإجراء تغييرات جوهرية في طاقم البعثة، وعملية اختيار الموظفين المكلفين الخدمات القنصلية مفتوحة حالياً.
وأوضح مصدر لـ" كوميرسانت" أن الأمر الأهم بالنسبة إلى السلطات الجديدة في سوريا الآن هو أن يتمكن الناس من الحصول على جوازات سفر ووثائق جديدة".
وبحسب قوله، فإن دمشق تدرس حتى نقل البعثة إلى موقع آخر، فمنذ عام 1960 يقيم الدبلوماسيون السوريون في قصر تاريخي، وهو مبنى سكني لبيتر لوسكوف في شارع مانسوروفسكي.
ومن المرجح أن يعين سفير جديد وفريقه لاحقاً، وكان الرئيس السابق للبعثة الدبلوماسية بشار الجعفري الذي عيّن خلال عهد الأسد استقال في أبريل (نيسان) الماضي بعدما أمره المكتب المركزي لوزارة خارجية الجمهورية العربية السورية بالعودة لدمشق. ووفقاً لمصادر صحيفة "كوميرسانت" في الشتات السوري، رفض الجعفري العودة لدمشق خوفاً من اعتقاله والتحقيق الداخلي معه بموجب نظام "العدالة الانتقالية"، أي محاكمة كبار الشخصيات في إدارة الأسد. ولهذه الأسباب اختار الدبلوماسي السابق تجاهل الأوامر والبقاء في روسيا.
وكما يشير مصدر "كوميرسانت"، فإن تحويل السفارة السورية بعد ما يقارب 10 أشهر من انهيار النظام السابق، كان جزءاً من جهود أوسع نطاقاً تبذلها دمشق لبناء اتصالات مع موسكو.
وهكذا، وبحسب ما أوردت الصحيفة، أصبحت لدى وزارة الخارجية السورية الآن إدارة كاملة مسؤولة عن العلاقات مع روسيا ودول أوروبا الشرقية. ووفقاً لصحيفة "كوميرسانت"، يشرف على تطوير العلاقات الروسية - السورية على مستوى أعلى ماهر الشرع، الشقيق الأصغر للرئيس الشرع الذي يترأس الديوان الرئاسي، وهو ليس غريباً على روسيا، فهو خريج جامعة "ن ن بوردينكو" الطبية الحكومية في مدينة فورونيج الروسية، وهو طبيب نسائي في مستشفيات فورونيج، وزوجته مواطنة روسية.
وكان شقيق الشرع من قاد وفداً كبيراً من مختلف الوكالات بدأ سلسلة اجتماعات في موسكو في الـ28 من أكتوبر الماضي. وضم الوفد مشرف أبو قصر، وزير الدفاع في الحكومة الجديدة الذي استقبله نظيره الروسي أندريه بيلوسوف في الـ28 من أكتوبر. وصرح الوزير الروسي خلال المحادثة، في إشارة إلى زيارة أحمد الشرع الأولى إلى موسكو في الـ15 من أكتوبر "التقينا أخيراً خلال اجتماع رئيسي بلدينا. ووجودنا هنا مجدداً على طاولة المفاوضات يثبت أن الاتصالات بين قادتنا السياسيين ودوائرنا العسكرية ذات مغزى حقيقي ومثمرة، وتنطوي على إمكانات هائلة".
وأوضح الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية كيريل سيمينوف لصحيفة "كوميرسانت" أن سوريا مهتمة بروسيا لعدد من الأسباب، مشيراً إلى أن "دمشق، أولاً، لا تزال تنظر إلى موسكو على أنها لاعب عالمي رئيس يمكن أن يكون له رأي حاسم داخل المنظمات الدولية".
ثانياً، لا تزال سوريا تعتمد على دعم روسيا لاستعادة القدرة القتالية لقواتها المسلحة، ومن الصعب حالياً تحديد كيفية حدوث ذلك، لكن التلميحات الواردة من الجانب السوري تشير إلى طلب كهذا.
ثالثاً، إن رغبة دمشق في الحفاظ على العلاقات مع الجانب الروسي يعززها النشاط العسكري الإسرائيلي الذي يواصل شن ضربات دورية على الأراضي السورية.
وبحسب كيريل سيمينوف، كان من الممكن أن تكون موسكو القوة التي نجحت إلى حد ما في كبح جماح حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على عكس تركيا "التي وضعت نفسها كأقرب حليف لسوريا"، لكنها لم تتمكن من الضغط على إسرائيل لتقليص نشاطها وضرباتها.
وفي ما يتعلق بالقواعد الروسية في سوريا، ووفقاً لمصدر صحيفة "كوميرسانت"، يركز الحوار الثنائي على تحويلها إلى مراكز لوجستية مدنية. وأضاف سيمينوف "لكن هذا يعني في جميع الأحوال إمكان استخدامها عند الضرورة لدعم عمليات مكافحة الإرهاب وغيرها". ولفت في الوقت نفسه إلى ضرورة عدم إهمال مشاريع البنية التحتية والنشاط التجاري والاقتصادي بين البلدين. فخلال عهد بشار الأسد، واجه هذا النشاط التجاري عراقيل بسبب صرامة القوانين السورية والفساد على مختلف المستويات. وخلص الخبير إلى أن "روسيا، بدعم تشريعي وأمني مناسبين، مستعدة للمشاركة بفاعلية في سوريا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أمن الأسد ومصالح روسيا
منذ فراره من سوريا، ظل الأسد بعيداً من الأضواء الإعلامية إلى حد كبير. ومع ذلك، فقد تطايرت إشاعات عدة حول تعرضه للاغتيال والتسميم في موسكو. وترى موسكو أن هذه الإشاعات لا تطاول الرئيس السوري السابق الذي منحته حق اللجوء الإنساني، بل تستهدف النيل من السلطات وأجهزة الأمن الروسية، لذلك تعتقد بأن الحفاظ على أمنه وسلامته يتعلق بكرامة البلاد ووفائها لأصدقائها السابقين وعدم تركهم لمصيرهم في الملمات العصيبة.
ومع ذلك، يرى الكرملين أن الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين ليست مجرد زيارات دبلوماسية روتينية، وإنما تحول استراتيجي يمثل إعلاناً روسياً رسمياً ضمنياً عن نهاية حقبة وولادة أخرى، تعترف فيها موسكو بشرعية كيان سياسي جديد في سوريا قد يتمتع بإرادة تفاوضية مستقلة.
فقدرة روسيا على التكيف مع المشهد الجيوسياسي المتغير في الشرق الأوسط، وقدرة سوريا ما بعد الأسد على تحرير نفسها من إرث التبعية، تمثلان حجر الأساس الأول بين "سوريا الجديدة" وروسيا بهدف إعادة بناء العلاقة بين البلدين على نحو سليم، مع تحديد مستقبل القواعد الروسية في سوريا.
وصحيح أن دمشق تطالب بعلاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل ومراجعة الاتفاقات السابقة مع موسكو، وتطالب أيضاً بتسليم الأسد ومسؤولين سابقين، إضافة إلى مساعيها للعدالة الانتقالية والانفتاح الدولي، إلا أن وجود الأسد في موسكو وإقامته فيها بحماية الكرملين لن يشكلا عقبة أمام استئناف العلاقات التاريخية المميزة بين موسكو ودمشق، خصوصاً أن روسيا ترحب بالإصلاحات السورية وتدعم جدياً وليس كلامياً وحدة سوريا وتعافيها.
العلاقة بين روسيا وسوريا تمر بمرحلة اختبار، تتجنب خلالها دمشق القطيعة مع موسكو بسبب حاجتها إلى الدعم الروسي واستمرار العلاقة العسكرية مع روسيا لأنه الخيار الأكثر واقعية وفاعلية للحكومة الجديدة، وكذلك على الساحة الدولية وفي كل المجالات بما في ذلك داخل مجلس الأمن، ولن يبقى مستقبل العلاقات مرهوناً بمصير الأسد وما يفعل أو لا يفعل في موسكو، بل بمصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا، وموقف روسيا من التطورات على الأراضي السورية.
لكن هل تستطيع إدارة الشرع التخلص من إرث التبعية والدم خلال إعادة بناء علاقاتها مع موسكو؟
العلاقات الروسية- السورية ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي شبكة متداخلة من المصالح والروابط الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والمعرفية... فالسوريون درسوا في روسيا وتزوجوا روسيات، وأنجبوا أبناء يحملون الجنسية الروسية مثل ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري. ولم تعرف المدرسة العسكرية السورية سوى العقيدة الشرقية الروسية، فحتى الذين عارضوا النظام كانوا يقاتلون بأسلحة روسية وبعقيدة شرقية.
لذلك فإن المفاوضات التي بدأت خلف الكواليس منذ أوائل العام الحالي، وفقاً لتقارير روسية، تدور حول ملفات شائكة تشكل جوهر إعادة تعريف العلاقة، وأبرزها مستقبل القواعد العسكرية الروسية والديون الروسية واستعادة الأموال السورية المجمدة في روسيا، وليس حول موقف موسكو من الأسد والمسؤولين السابقين المقيمين لديها.
ويرى خبير مجلس العلاقات الخارجية في موسكو سيرغي كريمينيوف أن قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية تمثلان الشريان الحيوي للاستراتيجية الروسية العالمية، ويقول إن "القواعد العسكرية الروسية في سوريا تبقى عنصراً مهماً من عناصر الاستقرار في المنطقة"، كاشفاً عن أن "وزارة الدفاع الروسية تعمل بنشاط على تحسين الإطار القانوني الذي ينظم وجود قواتها العسكرية في سوريا"، بما في ذلك "استئناف الدوريات في المناطق الرئيسة مثل القامشلي في الشمال الشرقي والمناطق الجنوبية لمنع تصعيد التوترات مع إسرائيل" وأن مسألة إيواء الأسد لأسباب إنسانية بحتة ليست مسألة معترضة أو قابلة للنقاش في الوقت الراهن.