ملخص
وزارة الدفاع أصدرت أخيراً تعيينات عسكرية لضابطين منشقين هما اللواء سليم إدريس، قد أوكلت إليه مهمة "مستشار للأكاديمية الوطنية للهندسة العسكرية" (من أبرز الأكاديميات العسكرية بالمنطقة، ومقرها في مدينة حلب شمال سوريا)، بينما تسلم العميد حسن حمادة مهمة "نائب رئيس أركان القوى الجوية"، ويعرف عنهما قربهما من تركيا.
يراوح الجيش السوري الجديد مكانه، ولا خطوات سريعة لإنشاء جيش متماسك الأركان بعد، وبعد سقوط النظام السابق وتسريح العسكريين والأمنيين من ضباط وعناصر الشرطة بات من الضروري الإسراع بتشكيل جسم عسكري وأمني متكامل لملء الفراغ بعد قرابة عام من هرب بشار الأسد إلى موسكو.
وزارة الدفاع أصدرت أخيراً تعيينات عسكرية لضابطين منشقين هما اللواء سليم إدريس، قد أوكلت إليه مهمة "مستشار للأكاديمية الوطنية للهندسة العسكرية" (من أبرز الأكاديميات العسكرية بالمنطقة، ومقرها في مدينة حلب شمال سوريا)، بينما تسلم العميد حسن حمادة مهمة "نائب رئيس أركان القوى الجوية"، ويعرف عنهما قربهما من تركيا.
ويرجح مراقبون أنه قد يكون للتدخل الخارجي التركي تأثير في أمر تعيينهما في هذه المراكز الحساسة، بخاصة أن وزارة الدفاع في تعييناتها الأولى لجداول القادة في مرحلة ما بعد عملية التحرير في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 تضمنت ترفيعات ومنح رتب عسكرية لقادة فصائل مسلحة ومنهم أجانب، مع تغييب واضح لقادة وضباط رفيعي المستوى ممن انشقوا عن النظام البائد.
ويعرف عن اللواء إدريس اعتداله وعلاقاته الواسعة مع الأتراك والأميركيين، وتسلم وزارة الدفاع في الحكومة السورية الموقتة المدعومة تركياً ليستقيل عام 2021 من منصبه، وسبق ذلك انشقاقه عن جيش نظام الأسد عام 2012 في بداية اندلاع الصراع المسلح لينتقل إلى إسطنبول.
أما العميد حمادة فهو ضابط طيار حلق بطائرته (ميغ 21) روسية عام 2012 وهبط بها في أحد مطارات الأردن طالباً اللجوء السياسي، ومن ثم انتقل إلى تركيا، وتسلم عام 2021 منصب وزير الدفاع في الحكومة السورية الموقتة (المعارضة في ذلك الوقت لنظام الأسد)، وسبق له تأسيس الفرقة 101 مشاة وفصائل منها لواء يوسف العظمة.
الجيش الحر وضباطه
إذا بحثنا في تاريخ انشقاقات قادة وضباط من الجناح العسكري فلا يمكن لذاكرة السوريين نسيان الطيار السوري بسام العدل الذي فر بطائرته الحربية "ميغ 23" الروسية من الأجواء السورية إلى إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1989، كما انشق ضابط في الاستخبارات الجوية هو حسام العواك عام 2005، أي قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، ولعل استخدام السلاح والعنف المفرط من قبل الأمن وإخراج الجيش والقوات المسلحة من ثكناتها إلى الأحياء المدنية لقمع التظاهرات أسهم بصورة مؤكدة في قرار الانشقاق.
مع اندلاع المعارك بين قوات المعارضة وجيش النظام المخلوع كانت أول مؤسسة عسكرية تتبع لقوى المعارضة هي ما يعرف بـ"جيش سوريا الحر"، وهو أول جسم عسكري تأسس في يوليو (تموز) عام 2011 وفتح النار بوجه الأسد والموالين له، وقوامه من قادة وضباط وعناصر بالجيش السوري ممن انشقوا عنه رفضاً للعنف الذي صاحب قمع التظاهرات، وتلاشى "جيش سوريا الحر" بعد مرور عام من تأسيسه، وسرعان ما تشكلت فصائل مقاتلة على الأرض ذات نهج جهادي.
مع هذا تشير المعلومات إلى انشقاق قرابة 10 آلاف عنصر وصف ضابط في الحرب السورية عن جيش النظام، بينما تجاوز عدد الضباط المنشقين 4 آلاف، وينقسم هؤلاء إلى قسمين: الأول انشق وقاتل في ساحات المعارك، أما الثاني فغالبيتهم فضلوا الانشقاق والسفر إلى دول أجنبية وعربية.
يرى أحد الضباط المنشقين أن أسباب عدم عودة بعض الضباط إلى الجيش الجديد تتعلق بعدم رغبتهم في الاندماج بالحياة العسكرية بعد تراجع حالهم الصحية ولياقتهم البدنية، وأوضح وزير الدفاع مرهف أبو قصرة منذ فتح باب عودتهم أنها "لن تكون إلا بعد دراسة أوضاعهم".
ويجزم الضابط المهندس في سلاح الطيران والمنشق في زمن النظام السابق العقيد محسن حمدان، لـ"اندندبنت عربية" بأن "كل ضابط انشق عن العصابة فإن انشقاقه يعتبر فخراً ووساماً بحد ذاته، لأنه يعني حمله ورقة إعدام له ولعائلته، إذ تناسى مستقبل أولاده وضحى كثير من أفراد عائلته بدراستهم الجامعية ومستقبلهم"، بحسب قوله.
ويتابع حمدان "من يسأل اليوم عما قدمه الضباط المنشقون فليعلم أنهم هم من أعطوا الثورة شرعيتها، وكانت وسائل الإعلام تتسابق لنقل خبر انشقاق أي ضابط مهما كانت رتبته".
وينتاب حمدان الأسف "كون العدد الأكبر من هؤلاء الضباط ما زال خارج التعيين في وزارة الدفاع، ومن يعاد إلى موقعه لا يكون على أسس تراعى فيها شروط منها الأقدمية أو حتى التكليف، بينما أكثر من أعيدوا يعملون لمصلحة الكليات العسكرية، ومن دون خطة مدروسة، وكأنه من باب رفع العتب".
وأكد ضرورة وجود ضوابط لبناء مؤسسة عسكرية حديثة تعتمد على التأهيل والتدريب وأنظمة الخدمة، بما فيها المستوى العلمي والدورة العسكرية وخبرات التدريب والاختصاص والأقدمية العسكرية والترقيات، فضلاً عن العقيدة العسكرية التي يتم البناء عليها والتسليح، ويضيف "حتى اللباس أثناء الخدمة لا بد من معرفة ما هو شكله، وتأمين لباس واضح أثناء النزول إلى المدينة، وآخر خاص بالمراسم أثناء الزيارات والمناسبات الرسمية، لكن مع الأسف كل ذلك اليوم ما زال مبهماً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقدر الضابط المنشق محسن حمدان وجود ما بين 4 و5 آلاف ضابط منشق بمختلف الاختصاصات، ويطالب بضرورة تفعيلهم على المستوى الميداني، أقلها إيجاد الضابط البديل في مجالات المدفعية والصواريخ والدفاع الجوي، بخاصة أن هؤلاء الضباط كانوا مميزين في الجيش سابقاً، وانشقاقهم كان له وقع وفراغ كبير في جيش النظام على مستوى استخدام السلاح.
وأردف "هذا ما تكلم عنه نائب رئيس الحرس الثوري الإيراني عندما سئل عن جيش النظام السابق، فقال حينها (فقد الكفاءة بعد انشقاق ضباطه)، لذا فإن عودة الضباط يجب أن تكون من خلال دراسة ممنهجة، وعلى أسس عسكرية لا بصورة عشوائية، ومن الممكن أن تعمل عليها لجنة من كبار الضباط المنشقين، ومع ذلك نتمنى التوفيق والسداد لأصحاب القرار في العمل على بناء جيش قوي مؤهل لحماية سوريا والدفاع عنها وعن شعبها".
قوة الجيش
في المقابل، أعلن رئيس إدارة شؤون الضباط في وزارة الدفاع العميد محمد منصور، في وقت سابق من أغسطس (آب) الماضي عن استقبال طلبات عودة لضباط منشقين تجاوز عددهم 3 آلاف طلب.
وتشير المعلومات الأولية عن تشكيل لجان متخصصة بغية تنظيم البيانات، ودراسة الطلبات وفق معايير محددة، إلى جانب استدعاء المنشقين والمسرحين لأسباب أمنية وسياسية، وخصصت الوزارة رابطاً إلكترونياً دعت جميع الراغبين للتسجيل عبره من أجل تنظيم عودة الضباط المنشقين وإعادة دمجهم بالجيش الجديد.
وصنف موقع "غلوبال فاير باور" وضع الجيش السوري خلال تصنيف يعود لعام 2022 في المرتبة السادسة عربياً، أما في التصنيف العالمي فقد احتل المركز 47 من أصل 138 جيشاً وفقاً لـ50 مؤشراً من بينها القوة العسكرية واللوجيستية.
وما زاد من تأزم وضع الجيش السوري الحالي، الضربات الجوية الإسرائيلية التي دمرت قرابة 80 في المئة من قدرات جيش سوريا الاستراتيجي عبر نحو ما يزيد على 1000 غارة، فضلاً عن التوغل البري الحاصل في الجنوب السوري بمحافظات حدودية في درعا والقنيطرة، والاقتراب بصورة كبيرة من ريف العاصمة دمشق.
في غضون ذلك يظل الباب مفتوحاً أمام عودة كثير من الضباط المنشقين مراعاة لظروفهم الخاصة، ولهذا لم يغلق باب العودة إلى الجيش من جديد كون كثير منهم مسافراً في دول اللجوء، ويحتاج إلى وقت حتى يتمكن من ترتيب أوضاعه قبل العودة، أخذاً في الاعتبار أن الحاجة ماسة إلى ضباط وقادة من مختلف الاختصاصات.
ويعتقد ضابط منشق (فضل عدم الكشف عن هويته) أنه بحسب المعلومات المتوافرة لديه تم قبول وعودة ما يتجاوز 70 في المئة من الضباط المنشقين، لكن هناك نسبة منهم لا يفضلون العودة لأسباب شخصية وذاتية، إذ يريدون البقاء في الدول الأجنبية بعد استقرار أحوالهم وأسرهم، ومنهم من تجاوز العمر المناسب للعودة إلى الجيش، وآخرون باتوا يفضلون الحياة المدنية على العسكرية حتى لو عادوا إلى بلادهم.
في الأثناء ما زال يدور في فلك الحياة السياسية والعسكرية اسم مناف طلاس، أحد أبرز ضباط الحرس الجمهوري في زمن النظام السابق، الذي كان انشقاقه ضربة قوية لرأس النظام بشار الأسد منذ بدايات الصراع المسلح، كونه قريباً من عائلة الأسد وتربطهما علاقات عائلية متينة، فوالده وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس الصديق المقرب لحافظ الأسد وبيت أسراره.
ظهور مناف طلاس من جديد كخليفة محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع أو كرئيس حكومة أو وزير دفاع سيمنح نسبة كبيرة من المنشقين أملاً بالوصول إلى عودة مؤكدة في مراكز رفيعة وحساسة، وهذا ما طالب به علانية في محاضرته الأخيرة التي ألقاها في العاصمة الفرنسية باريس، بتسريح كل الفصائل المسلحة وصرف الأجانب الذين أصبحوا جزءاً من المنظومة العسكرية والأمنية، وإعادة 10 آلاف ضابط من الجيش السابق إلى الخدمة، منهم ضباط رفيعو المستوى وبرتب لواء وعميد في وزارتي الدفاع والداخلية والأمن، علاوة على إخلاء سبيل الضباط والعناصر من الجيش السوري السابق ممن أجروا تسوية بحسب ما طلبت السلطات الحالية.