Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيدة الأولى... الوجه الناعم للسلطة بين الرمزية والنفوذ

كانت المرأة الكلمة الفصل في مستقبل الأمم وقلب القرار ثم جاءت الجمهوريات الحديثة لتعيد ترتيب المشهد كله

إذا ألقينا نظرة على التاريخ الحديث سنجد أن أول سيدة فاعلة ومؤثرة عُرفت قبل تكريس لقب السيدة الأولى هي أبيجيل آدامز (اندبندنت عربية)

ملخص

السيدة الأولى ليست منصباً لكنها وظيفة رمزية تدار بدقة: شعر، وابتسامة، وفستان، وصمت يقول أكثر من بيان، والوجه الناعم للسلطة لا يقل انضباطاً عن قبضتها، ولقب السيدة الأولى ليس بريئاً دائماً: حين يغيب التعريف الدستوري وتمنح المنصة بلا تفويض، تتحول القرابة إلى نفوذ، وقد يصبح العمل الخيري واجهة لشبكات مصالح،

كثيراً ما كانت المرأة في تاريخ السلطة الطويل فاعلة تترك بصماتها على صفحات المجد، من ملكات رسمن مصائر ممالك وإمارات، إلى وصيات أدرن الدول بحنكة وذكاء، وكن الكلمة الفصل في مستقبل الأمم، وقلب القرار، ثم جاءت الجمهوريات الحديثة، لتعيد ترتيب المشهد كله، فالزعيم أصبح في الواجهة، وتراجعت المرأة إلى الخلف، صوتاً خافتاً يكاد لا يسمع، هكذا انتقلت المرأة من موقع السلطة المباشرة إلى موقع التابع الرمزي، حضور مطلوب كي تكتمل الصورة، وصوت مسموح به بقدر ما يزين الحكم، وليس بقدر ما يناقشه، وقد يكون لقب السيدة الأولى جاء بمثابة جائزة ترضية هشة، أو تفعيلاً لتلك المقولة "وراء كل رجل عظيم امرأة".

 

أول سيدة أولى

إذا ألقينا نظرة على التاريخ الحديث سنجد أن أول سيدة فاعلة ومؤثرة عرفت قبل تكريس لقب السيدة الأولى هي أبيجيل آدامز، زوجة الرئيس الأميركي الثاني جون آدامز التي مارست الدور قبل أن يوجد الاسم، ففي زمن لم يكن فيه للمرأة موقع سياسي معترف به، كانت حاضرة في قلب القرار كشريكة فكرية حقيقية، وليست مجرد ظل، وتكشف رسائلها إلى زوجها، المحفوظة اليوم في الأرشيف الوطني الأميركي، امرأة تناقش القوانين وتبدي رأياً في شكل الدولة الناشئة وتحذر من استبداد السلطة، وتطالب صراحة بحقوق النساء بعبارتها الشهيرة عام 1776 "تذكروا النساء"، لم تكن هذه جملة عاطفية وشعبوية، كانت موقفاً سياسياً مبكراً في لحظة تأسيسية من تاريخ الجمهورية، والأهم أنها لم تكن تابعة، فقد كانت عقلاً موازياً في زمن لم يسمح للنساء حتى بالتصويت.

وعلى رغم أنها لم تظهر في المناسبات العامة ولم تتقن لعبة الصورة، فإنها أثرت بعيداً من الكاميرات في المراسلات والنقاش وصياغة الوعي السياسي داخل البيت نفسه، ولهذا ينظر إليها المؤرخون باعتبارها نموذجاً سابقاً على مفهوم السيدة الأولى، ودليلاً على أن نفوذ زوجات الزعماء لم يولد مع البروتوكول ولا مع الاعلام، إنما سبق التسمية والاعتراف.

من القرار إلى الواجهة الناعمة

بعد أبيجيل آدامز جرت إعادة صياغة دور زوجة الرئيس، وانتقل النفوذ من مساحة التفكير والمراسلات إلى مساحة الصورة والتمثيل، ومع توسع الدولة الحديثة وصعود الصحافة ثم الإعلام، صار مطلوباً من زوجة الرئيس أن تكون واجهة ناعمة للنظام، من دون أن تظهر شريكة في القرار، وتحول الدور تدريجاً من عقل فاعل في الظل إلى حضور علني مضبوط بالإتيكيت والعمل الاجتماعي.

في الولايات المتحدة، حيث استقر لقب السيدة الأولى في نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، أدى الإعلام دوراً محورياً في تكريس هذا التحول، ارتبط اللقب بالأناقة والاستقبال والرعاية وتقديم صورة إنسانية للسلطة، هذا التثبيت فرغ الدور من مضمونه السياسي المباشر، وربطه بوظيفة رمزية تمنح النظام قبولاً اجتماعياً أوسع.

من دون شراكة

وعلى رغم هذا التحول وسعت بعض النساء الهامش المتاح، وأعدن تحميل الدور مضامين أعمق، كما فعلت إليانور روزفلت بين عامي 1933-1945 حين ربطت حضورها بقضايا الحقوق والعدالة الاجتماعية، لم تكتف إليانور بالعمل الاجتماعي، فكتبت عموداً صحافياً يومياً وألقت مئات المحاضرات ودفعت بالدور إلى مساحة صوت سياسي مواز داخل الإدارة، ثم شاركت لاحقاً في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، في انتقال نادر من رمزية البيت الأبيض إلى نفوذ دولي يتجاوز صفة زوجة رئيس، لكن هذه الحالات بقيت استثناء يؤكد أن الدور سمح بالحركة ما بقي ضمن حدود لا تهدد بنية السلطة، ومما لا شك فيه أن فكرة السيدة الأولى لم تنشأ تكريماً للمرأة، إنما كحل سياسي يوازن بين حضور يمنح السلطة وجهاً مدنياً، وضبط يحول دون تحول هذا الحضور إلى شراكة معلنة في القرار. في النموذج الأميركي، الذي سيصدر لاحقاً فكرة السيدة الأولى إلى العالم، لا وجود لهذا المنصب في الدستور، ولا يحظى بتعريف قانوني ولا صلاحيات، ولا توصيف رسمي، لكن الواقع السياسي فرض دوراً ثابتاً لزوجة الرئيس بوصفها واجهة اجتماعية للدولة، فتظهر في الاستقبالات الرسمية والمناسبات العامة، وتحمل الرسائل الأخلاقية، وتشكل إدارة بصورة ناعمة للسلطة، وهكذا فإن الدور تبلور قبل أن تتشكل التسمية، وصار اللقب لاحقاً اعترافاً اجتماعياً بوظيفة تمارس فعلياً منذ عقود.

ولادة اللقب

أما تسمية السيدة الأولى نفسها، فلم تولد دفعة واحدة، في القرن الـ 19 لم يكن هناك لقب موحد لزوجة الرئيس، فكانت الصحافة تستخدم تعابير مختلفة مثل السيدة أو زوجة الرئيس أو حتى السيدة الرئيسة، ويرجح كثر أن أول استخدام لعبارة السيدة الأولى كان عام 1849 في سياق الحديث عن دوللي ماديسون زوجة الرئيس الأميركي الرابع جيمس ماديسون، لكن لا يوجد نص موثق يثبت ذلك بصورة قاطعة، فالمصطلح كان صحافياً واجتماعياً وليس رسمياً، وكرس بالتداول وليس بالقانون.

سيدة أولى ليست زوجة رئيس

اللافت أن أول من حملت الدور الكامل لما سيسمى لاحقاً السيدة الأولى لم تكن زوجة رئيس أصلاً، فلقد كانت هارييت لاين، ابنة أخ الرئيس الأميركي الأعزب جيمس بيوكانان، التي أدت دور مضيفة البيت الأبيض، ومثلت الدولة اجتماعياً في غياب زوجة للرئيس، مما يكشف عن أن السيدة الأولى بدأت بوصفها وظيفة تمثيل اجتماعي للسلطة، وليس مجرد علاقة زوجية، وأن الدور كان أهم من الصفة بحد ذاتها.

مع نهاية القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، استقر المصطلح تدريجاً في الخطاب الإعلامي، بخاصة مع توسع الصحافة وتحول الحياة السياسية إلى عرض دائم أمام الجمهور، وتحولت السيدة الأولى، مع الوقت، من ظل بروتوكولي صامت إلى عنصر أساس في سردية الحكم، سواء عبر العمل الاجتماعي أو إدارة الصورة أو أداء أدوار أكثر عمقاً خلف الكواليس.

تمايز وتميز

ومع هذا تركت كل سيدة أولى بصمتها الخاصة، فجاكلين كينيدي زوجة الرئيس الأميركي جون كينيدي جسدت نموذج السيدة الأولى بوصفها مشروعاً بصرياً متكاملاً، لم تكن جاكي فاعلة سياسية بالمعنى المباشر، لكنها أدارت صورة الرئاسة الأميركية بذكاء ثقافي وإعلامي بالغ، فلقد أعادت ترميم البيت الأبيض وربطته بالتراث والفن والتاريخ، وقدمت الرئاسة كرمز حضاري وليس كمجرد سلطة تنفيذية.

أما هيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأميركي بيل كلينتون فقد دفعت الدور إلى حدوده القصوى حين دخلت ملف الإصلاح الصحي، لتصبح أول سيدة أولى تمارس دوراً سياسياً تنفيذياً شبه معلن، هذا الخروج عن القالب أثار ردود فعل عنيفة كون المجتمع السياسي والإعلامي لم يكن مهيأً لتقبل امرأة غير منتخبة تشارك في صناعة السياسات، تجربتها هذه كشفت التناقض البنيوي في الدور، إذ يسمح للمرأة بالتأثير كثيراً ما بقي غير مرئي، ويعاقب حين يصبح رسمياً.

وأعادت ميشيل أوباما صياغة الدور ضمن حدود أكثر حذراً، لكن أكثر عمقاً، فاختارت قضايا الصحة والتعليم وتمكين الفتيات، واستخدمت خطاباً شعبياً عالي التأثير، من دون أن تتورط في ملفات تشريعية مباشرة، فأدت دوراً مركزياً في بناء صورة الرئاسة كسلطة قريبة متعددة الهويات وأكثر حساسية للبعد الاجتماعي.

لقب غير بريء

في الواقع لا يعد لقب السيدة الأولى لقباً بريئاً، إنه نتاج حاجة السلطة إلى وجه مدني دائم يرافقها ويخفف حدتها ويمنحها بعداً إنسانياً، وحين تمتلك المرأة الذكاء والأدوات والظرف السياسي المناسب، لا تعود مجرد زوجة رئيس، إنما تصبح شريكة في صناعة الهيبة، وربما في صياغة القرار أيضاً، فلا تعمل من داخل الدستور، إنما من خارجه، وبالطبع لا تحكم استناداً للقانون، إنما باسم القرب والرمز والتمثيل، وتكشف التجارب عن أن هذا الدور يتسع أو ينكمش بحسب شخصية المرأة وهشاشة النظام وحاجة السلطة إلى شرعية إضافية.

ولقب السيدة الأولى لم يعد مجرد لقب بروتوكولي أو امتداداً عاطفياً للرئيس، فلقد تحولت في كثير من التجارب إلى موقع مصلحة، وأحياناً إلى بوابة فساد منظم غير معلن، فحين تغيب الصفة الدستورية، يصبح القرب العائلي أحد أخطر أشكال النفوذ السياسي، حينها تمارس السلطة باسم العائلة بدل القانون، وتدار الدولة عبر الروابط الشخصية والمكاتب الخلفية والجمعيات المسماة خيرية التي تعمل كواجهات مالية بدلاً من أن تدار عبر المؤسسات.

في السياق يتقاطع دور السيدة الأولى مع منطق توظيف العائلة، أي المحسوبية العائلية، إذ تتحول الزوجة أو الأبناء أو الأصهار أو الكنات وأولاد العمومة والأخوال إلى لاعبين اقتصاديين وسياسيين من خارج أي إطار رقابي، ويظهر التاريخ تجارب كثيرة أن هذا القرب سمح بتوسيع شبكات المصالح والتحكم بالعقود العامة وتوجيه الاستثمارات، وأحياناً بتهريب الأموال إلى الخارج تحت غطاء العمل الإنساني أو الاجتماعي، ولا يتورط الرئيس رسمياً بأي شكل من أشكال الفساد، لكن الباب الخلفي الذي يشكل العائلة يفتح مصراعيه للاستفادة والفساد قدر الإمكان.

استغلال اللقب

مثلت حال إيفا بيرون، زوجة الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون، في منتصف القرن الماضي مثالاً مبكراً على تسييس العمل الاجتماعي، إذ تحولت "مؤسسة إيفا بيرون" إلى أداة تعبئة شعبية واقتصادية ضخمة، واستخدمت خطاب المظلومية والعدالة الاجتماعية لبناء شرعية موازية لشرعية النظام نفسه، فلم تظهر السيدة الأولى ظلاً للرئيس، وشكلت جسداً سياسياً قائماً بذاته، وإن ظل خارج الإطار الدستوري.

ولكن على رغم شعبيتها، فلقد أشار مؤرخون إلى غياب الشفافية المالية وتداخل العمل الخيري بالولاء السياسي، مما جعل المؤسسة جزءاً من منظومة السلطة.

وبعد انهيار الأنظمة الشيوعية، برزت في أوروبا الشرقية نماذج لزوجات رؤساء أدين أدواراً غير رسمية في إدارة شبكات المال والنفوذ خلال مرحلة الخصخصة، إذ تحول الانتقال السياسي إلى فرصة لإعادة توزيع الثروة داخل دوائر ضيقة مرتبطة بالعائلة الحاكمة، وليس بالمجتمع.

مثل ناينا زوجة الرئيس الروسي بوريس يلتسن في التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ شكل القرب العائلي مظلة حماية سياسية لشبكات الخصخصة، فتحول الانتقال الاقتصادي إلى إعادة توزيع للثروة داخل الحلقة الحاكمة.

كما ارتبط اسم ليودميلا زوجة الرئيس الأوكراني ليونيد كوتشما بنخبة اقتصادية وإعلامية استفادت من خصخصة الصناعات الثقيلة، إذ عمل النفوذ العائلي كجسر بين رأس المال والسلطة.

وفي صربيا مثلت ميرجانا ماركوفيتش، زوجة الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش، نموذجاً صارخاً لتسييس العائلة الحاكمة للاقتصاد، إذ شاركت مباشرة في توجيه شبكات المال والإعلام خلال مرحلة الانتقال والعقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العالم العربي

لم يكن المشهد مختلفاً في العالم العربي، فلقد ظهر هذا التداخل بصورة أكثر وضوحاً، نظراً إلى ضعف الفصل بين الدولة والعائلة، إذ تحولت السيدة الأولى في بعض الجمهوريات إلى جزء من البنية الاقتصادية للنظام، ولا يخفى على أحد أن دور ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لم يكن رمزياً على الإطلاق، إذ ارتبط بشبكات نفوذ مالي وتجاري واسعة، كشفتها تقارير دولية بعد سقوط النظام، وتضمنت استحواذاً على قطاعات كاملة وتهريب أموال إلى الخارج عبر شركات واجهة وحسابات مصرفية دولية، بخاصة أن حكمه دام نحو 23 عاماً، ووجود ليلى كسيدة أولى نحو 19 عاماً كان كافياً لإلمامها ولمها ما تيسر من مقدرات الدولة.

وفي مصر، مثل صعود نجل الرئيس في عهد حسني مبارك نموذجاً صارخاً لتوظيف العائلة في إعادة إنتاج السلطة، إذ تداخل دور الزوجة سوزان والابن والدائرة المحيطة، في رسم المسار الاقتصادي والسياسي للدولة، فأضيف على دور السيدة الأولى جزء من منظومة شرعنة الوريث، وتطبيع فكرة الحكم العائلي داخل جمهورية اسمياً.

وقبلها مثلت جيهان السادات زوجة الرئيس المصري أنور السادات نموذجاً للسيدة الأولى التي تحول حضورها الاجتماعي إلى نفوذ تشريعي، عبر رعايتها قوانين الأحوال الشخصية المعروفة باسم "قوانين جيهان"، وهي تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية بهدف تعزيز حقوق المرأة المطلقة والأم في الحضانة والمسكن، في سابقة عربية واضحة لدور غير منتخب يؤثر مباشرة في البنية القانونية.

أما في سوريا فلم يكن دور السيدة الأولى تفصيلاً بروتوكولياً، كان جزءاً بنيوياً من منظومة الحكم العائلي، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، أدت زوجته أنيسة مخلوف دوراً غير معلن لكنه حاسم، إذ شكلت مركز ثقل داخل العائلة، وأسهمت في حماية نفوذ آل مخلوف وضبط توازنات الوراثة السياسية والاقتصادية، بعيداً من الإعلام، لكنها كانت داخل قلب القرار، فلم تظهر في الزيارات الرسمية والمناسبات العامة، كانت امرأة الظل بامتياز، ومع انتقال السلطة إلى الرئيس المخلوع بشار الأسد، ظهرت أسماء الأخرس بوجه مختلف، سيدة أولى عصرية، تتقن لغة التنمية والحوكمة الناعمة وتقود مؤسسات خيرية تحمل خطاب الحداثة، تحول هذا الدور بعد عام 2011 إلى أداة لإدارة الواجهة الاجتماعية للنظام والمشاركة في إعادة تشكيل شبكات النفوذ الاقتصادي داخل الدائرة الضيقة، بعد تفكيك أو تحجيم مراكز قوى قديمة، فانتقل المشهد من سلطة عائلية صامتة إلى سلطة ناعمة معلنة، بغاية واحدة تثبيت حكم العائلة، وتنفيع المقربين بدل تمثيل المجتمع.

وفي حالات أخرى، استخدم العمل الخيري الذي ترعاه زوجات الرؤساء كقناة لتبييض الصورة وتبييض الأموال وبناء شبكات ولاء داخل المجتمع، من دون خضوع هذه المؤسسات لأي رقابة حقيقية، مما جعل الوجه الإنساني للسلطة يصبح غطاء ناعماً لاقتصاد سياسي مغلق تتحرك فيه الأموال والنفوذ داخل العائلة، وهكذا فإن لقب السيدة الأولى ليس تفصيلاً شكلياً، إنما مؤشر إلى طبيعة النظام نفسه، فكلما توسع دور العائلة خارج أي إطار قانوني تقلصت الدولة وسلطتها، وصار الفساد بنيوياً، لكن السيدة الأولى، في هذه القراءة، ليست سبب الفساد بالضرورة، لكنها كثيراً ما تكون الواجهة التي يمر عبرها نفوذ بلا صفة ومال بلا محاسبة.

ويمكن القول إن لقب السيدة الأولى لم يكن بريئاً، ولا نسوياً بطبيعته، إنه حل سياسي ذكي، يسمح بإدخال المرأة إلى مشهد الحكم من دون الاعتراف بها كشريكة رسمية، يمنحها مساحة تأثير، ثم يطالبها بالانضباط داخلها، ويفتح لها الباب، ثم يذكرها دائماً بأنها ضيفة، وليست صاحبة بيت أو قرار، وتتأرجح السيدة الأولى بين صورتين، امرأة تستخدم لتلطيف السلطة، وامرأة تستثمر موقعها لإعادة تشكيلها، وبين هذين الحدين، تكتب واحدة من أكثر قصص النفوذ النسائي تعقيداً في التاريخ السياسي الحديث.

سيدات العالم العربي

أخذ لقب السيدة الأولى وقته للوصول إلى العالم العربي والتربع في قصور الحكم، ويبدو أن أول استخدام له كان في مصر مع عائشة لبيب، زوجة محمد نجيب، أول سيدة أولى عربية بالمعنى الجمهوري عام 1953، في دور بروتوكولي صامت يعكس ولادة مؤسسة الرئاسة أكثر مما يعكس نفوذاً فعلياً.

وشهد لبنان انتقالاً مشابهاً مع زلفا شمعون خلال رئاسة كميل شمعون (1952-1958)، إذ مثلت أول حضور علني مقصود لزوجة رئيس في لبنان، وأدت دوراً اجتماعياً نشطاً في الاستقبالات والتمثيل الدبلوماسي، وعكست عبر أسلوبها وحضورها حاجة السلطة إلى واجهة مدنية أنيقة تمنح الرئاسة قبولاً أوسع.

وقد تكون من أبرز السيدات الأول في لبنان منى الهراوي زوجة الرئيس إلياس الهراوي (1989-1998)، التي شكلت علامة فارقة وحالاً استثنائية في دور السيدة الأولى في لبنان، إذ تجاوز حضورها الإطار البروتوكولي إلى توظيف الإعلام والدراما في خدمة الرسائل العامة، حتى إنها ظهرت عام 1998 في مسلسل محلي في إطلالة تمثيلية رمزية هدفت إلى "التوعية الاجتماعية والأخلاقية"، بما يعكس فهماً مبكراً لدور الصورة الفنية في تشكيل الوعي العام، وارتبط اسمها بالدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأسهمت في الدفع نحو إقرار قانون حقوق المعوقين، وأدت دوراً داعماً في ملف "التلاسيميا" من خلال رعاية جمعيات معنية بالمرض والمساهمة في رفع الوعي.

وبوصفها آتية من خلفية مهنية كرئيسة البروتوكول والعلاقات العامة في الجامعة اللبنانية - الأميركية، عرفت نعمت عون زوجة الرئيس اللبناني الحالي جوزاف عون كيف تمارس دور السيدة الأولى باحتراف، جامعة بين الحضور البروتوكولي والعمل الاجتماعي، فقد حرصت على الوجود المنتظم في أهم المناسبات الوطنية والفعاليات الثقافية والإنسانية، وعلى أداء تمثيلي يعكس صورة الدولة من دون خروج عن الإطار الرسمي للدور مما يظهر فهماً واعياً لوظيفة السيدة الأولى كجسر رمزي بين المؤسسة الرئاسية والفضاء الاجتماعي.

ملكة وشيخة وأميرة

في العالم العربي لم يتخذ دور السيدة الأولى مساراً واحداً، فلقد تكيف مع طبيعة النظام السياسي بين جمهوريات تبحث عن واجهة مدنية، وملكيات تسمح بهوامش أوسع للنفوذ الرمزي والمؤسساتي، ففي السياق الملكي، إذ لا ينظر إلى زوجة الحاكم بوصفها تهديداً لبنية السلطة، برزت نماذج أعادت تعريف الدور من مجرد حضور بروتوكولي إلى فاعل ناعم في السياسة العامة.

تمثل الملكة رانيا العبدالله مثالاً واضحاً على ذلك، إذ نجحت في تحويل موقعها إلى منصة إقليمية لقضايا التعليم وحقوق المرأة والطفل، مستخدمة الإعلام العالمي والدبلوماسية العامة لإعادة صياغة صورة الأردن كدولة حداثية منفتحة.

وبأسلوب مختلف، جسدت الشيخة موزة بنت ناصر، في قطر، نموذج السيدة الأولى - الأميرة التي تمارس نفوذاً مؤسساتياً مباشراً، عبر رعايتها مشاريع كبرى في التعليم والبحث العلمي والتنمية.

في الإمارات، قادت الشيخة فاطمة بنت مبارك زوجة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مسار تمكين المرأة والعمل الاجتماعي عبر مؤسسات رسمية، وربطت الشيخة سبيكة بنت إبراهيم في البحرين الحضور الرمزي ببرامج وطنية للأسرة والمرأة.

أما في المغرب فقد حولت الأميرة لالة سلمى موقعها إلى منصة صحية عامة عبر قيادة ملف مكافحة السرطان.

في هذه الأمثلة لا يبدو لقب السيدة الأولى زينة رمزية، إنما أداة قوة ناعمة تعمل داخل النظام وليس على هامشه.

سيدات يخلقن الجدل

من الدور المرافق تتحول بعض السيدات الأول إلى إحراج أزواجهن الرؤساء، وأول من يخطر بالبال عند التحدث عن الإحراج بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فلقد شكل فارق السن الكبير بينهما إذ تكبره بنحو 24 عاماً جدلاً طويلاً، إلا أن ضبطها وهي تصفعه أثناء فتح باب الطائرة جعلها تسجل واحدة من أكثر اللحظات الجدلية والمحرجة في آن.

من جهتها لم تبخل ميلانيا ترمب زوجة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من إحراجه أكثر من مرة أثناء تفاديها الإمساك بيده في المناسبات الرسمية، مما فسر كرسالة صامتة تقول كثيراً في حركة واحدة.

أما في الفيليبين ورومانيا، فقد كان الجدل أكثر بنيوية، حيث شكلت إيميلدا ماركوس زوجة الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس حالاً من البذخ المفرط المرضي والفساد، خصوصاً في مجموعتها الشهيرة التي ضمت آلاف الأحذية، حتى أصبحت الأناقة نفسها دليل إدانة سياسياً بعد سقوط النظام.

الأغرب قد تكون إيلينا تشاوشيسكو زوجة الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو التي اشتهرت بفرض نفسها كعالمة نووية مرموقة ونشر مقالات علمية من دون مؤهلات حقيقية، ورصيد علمي حقيقي.

العشيقات والقرار الحميمي

في سياق موازٍ لم تكن عشيقات الزعماء هامشاً رومانسياً في التاريخ السياسي، فلقد كان بعضهن فاعلات غير رسميات في بنية السلطة، يعملن في الظل حيث لا تصل البروتوكولات ولا تسجل المحاضر، في هذا الحيز الرمادي، تتقاطع الحميمية مع النفوذ، ويصبح أحياناً الجسد قناة للقرار، وتكون الكلمة الهامسة أبلغ من خطاب علني، وتظهر دراسات التاريخ السياسي والأنثروبولوجيا أن وجود "المرأة غير الشرعية" قرب مركز الحكم كان غالباً وسيلة لتجاوز القيود المؤسسية وخلق مساحات تفاوض موازية، سواء عبر التأثير في مزاج الحاكم، أو في خياراته، أو في شبكات الولاء المحيطة به.

من أبرز الأمثلة في التاريخ مدام دو بومبادور محظية الملك لويس الـ15 في البلاط الفرنسي، التي كانت فاعلة سياسية وثقافية، وشاركت في تعيين وزراء ودعمت تحالفات وأدارت شبكات نفوذ داخل القصر، إلى حد اعتبرها كولين جونز في كتابه Madame de Pompadour: images of a mistress الذي نشر عام 2002 "مؤسسة غير مكتوبة" داخل الدولة الملكية، فالقرب الجسدي ليس تفصيلاً خاصاً، بعدما تحول إلى موقع سلطة غير معلن يدار بمنطق الحميمية من دون أي مسوغ قانوني.

وتكشف حال إيفا براون، عشيقة أدولف هتلر وزوجته ليوم واحد، نموذجاً آخر لدور العشيقة، إذ لم تمارس نفوذاً سياسياً مباشراً، وأدت وظيفة نفسية ورمزية، أسهمت في تثبيت صورة إنسانية مختلقة للزعيم، لتلطيف قسوته في المخيلة العامة من دون التأثير في قراراته الاستراتيجية، هذا التباين يظهر أن موقع العشيقة يتأرجح بين التأثير الفعلي والدور التمثيلي، بحسب بنية النظام وطبيعة الزعيم نفسه.

وفي الأنظمة السلطوية الحديثة، فإن العلاقات غير المعلنة تستخدم أحياناً كقنوات خلفية للوساطة، أو كأدوات ابتزاز سياسي، أو كوسيلة لإعادة إنتاج الذكورية السلطوية، إذ تختزل المرأة إلى أداة قرب لا شريكة شرعية، ومن الجدير ذكره أنه لا يمكن قراءة عشيقات الزعماء بوصفهن حكايات فضائح، أكثر من كونهن مواقع قوة هشة بلا اعتراف، وتأثيراً بلا مساءلة، تكشف كيف تدار السياسة حين تخرج من العلن إلى غرفة النوم بحسب مقال لجوان سكوت نشر عام 1986 بعنوان Gender: A Useful Category of Historical Analysis. 

قفص السيدة الأولى

أخيراً، على رغم المنصب غير المقونن فإن السيدة الأولى تعد حالاً مدروسة بعناية، تبدأ من الشعر قبل الخطاب، ومن الابتسامة قبل البيان، إذ طول الفستان مدروس، وأحياناً العلامة التجارية، والابتسامة محسوبة، والتسريحة مفصلة بإتقان، كل تفصيلة في حضور السيدة الأولى تخضع لقواعد غير مكتوبة، أناقة لا تحرج السلطة وأنوثة لا تربكها، وحميمية تكفي لتلطيف الصورة من دون أن تقترب من القرار، تمشي نصف خطوة خلف الرئيس، لكن صورتها غالباً تتقدم عليه، بخاصة إذا كان حضورها لافتاً، تتقن فن المصافحة والصمت، وفن الظهور الذي يبدو عفوياً وهو في الحقيقة قد يكون بروفة طويلة، لا تدلي بمواقف كبيرة، لكنها قد تقول كثيراً باختيار الأكسسوار وباللحظة التي تبتسم فيها أو تحجب ابتسامتها.

هكذا تمارس البروتوكولات الكبرى بلا خطابات، وبأناقة تعرف متى تطمئن الجمهور، ومتى تذكره أن للسلطة وجهاً ناعماً قد يخفي أكثر مما يظهر.

المزيد من تحقيقات ومطولات