ملخص
تشير الوثائق إلى أن الفكرة الأولى لبناء الجسر المعلق ظهرت عام 1923 ضمن خطة فرنسية لربط الضفتين الشرقية والغربية للفرات بهدف تسهيل حركة الإدارة العسكرية والمدنية، خصوصاً أن دير الزور كانت حينها مركزاً مهماً للإمداد نحو الجزيرة السورية.
الجسر المعلق في دير الزور ليس منشأة هندسية أو معبراً يربط ضفتي الفرات وحسب، بل كان قلب المدينة النابض ورمزها الأبرز ومرآة هويتها. فمنذ أن شيد على يد المهندسين الفرنسيين بين عامي 1925 و1931، بقي هذا الجسر واحداً من أهم معالم الشرق السوري، بوصفه مركزاً للحياة الاجتماعية والدينية والتجارية ومقصداً يومياً للسياح ولآلاف السكان الذين اعتادوا أن يجعلوه جزءاً من يومهم وذكرياتهم. واليوم، بعد أكثر من عقد على تدميره بقصف مدفعية النظام السوري السابق في مايو (أيار) عام 2013، يعود الجسر للواجهة بوصفه واحداً من الملفات المطروحة في سياق إعادة الإعمار، وسط مطالب شعبية بإحياء ذاكرته الحجرية وإعادة ترميمه.
من يقف اليوم على ضفاف الفرات في حي الحويقة أو الحسينية لن يرى سوى بقايا خرسانية يتآكلها الصدأ، وأعمدة حديد ملتوية تشهد على يوم سقوطها، لكن من يغمض عينيه لوهلة تتدفق أمامه صور الماضي، فالجسر الذي كان ممتداً بخط مستقيم بين الضفتين، خشبه الخفيف يتأرجح تحت خطوات المارة، ونسمات المساء تحمل ضحكات العائلات التي اعتادت أن تقضي وقتها فوقه، بينما ينعكس غروب الشمس على مياه الفرات فيغرق المكان كله باللون البرتقالي.
وكان الجسر المعلق بالنسبة إلى أبناء دير الزور مكاناً للهروب من صخب المدينة وللتأمل في النهر وللقاءات الشباب والعشاق ولجلسات الطلاب الذين يفترشون خشبه لتبادل النقاشات والقصص. ولعل ما جعل الجسر جزءاً من الذاكرة أنه كان عنصراً ثابتاً في حياة الجميع من الطفل الذي يعبره إلى مدرسته، مروراً بالزوجين اللذين يلتقطان صور زفافهما فوقه، وصولاً إلى التاجر الذي يربط عبره بين السوق القديمة ومخازن الضفة المقابلة، وحتى الصيادون الذين يتخذون ظله مأوى لصنانيرهم.
من الفكرة إلى الافتتاح
بعد ثلاثة أعوام على دخول الفرنسيين إلى سوريا، تحديداً عام 1923، ظهرت فكرة إنشاء جسر على الطراز الفرنسي يربط بين ضفتي نهر الفرات في مدينة دير الزور، وسرعان ما تحولت الفكرة إلى واقع وبدأ العمل عليه عام 1925، وما هي إلا ستة أعوام حتى جرى افتتاحه رسمياً عام 1931، ليصبح أهم مَعلم حديث في المدينة. واستخدم الفرنسيون في بنائه الأسلوب الغربي في بناء الجسور المعلقة، وأشرف على عمليات البناء المهندس الفرنسي مسيو فيفو.
ويروي بعض كبار السن في دير الزور أن بعض أبناء المدينة مات أثناء أعمال بناء الجسر، ويضيفون أن شخصاً سقط داخل إحدى الكتل الخرسانية التي تحمل الجسر أثناء سكب الأسمنت ولا تزال جثته فيها حتى الآن، لكن لا يوجد مصدر موثق يؤكد أو ينفي تلك الحادثة.
وعند افتتاحه في مارس (آذار) عام 1931، كان يعد ثاني جسر معلق في العالم بعد جسر مشابه يقع جنوب فرنسا، وفي البداية سماه الأهالي "الجسر الجديد"، ولاحقاً اعتمد اسم "الجسر المعلق" الذي حافظ على اسمه حتى اليوم.
للجسر المعلق أربع ركائز حجرية باشقة، تربطها ببعضها قضبان معدنية فولاذية قاسية، ربط بعضها بعضاً بصورة محكمة وبأسلوب هندسي خلاب، ويبلغ ارتفاع كل ركيزة 36 متراً، فيما يبلغ طول الجسر 450 متراً بعرض أربعة أمتار، ووصلت كلفة بنائه إلى ما يقارب مليون و300 ألف ليرة سورية (ما يعادل 1 مليون دولار تقريباً في ذلك الوقت).
أعوام التغيير
عام 1947، أنير الجسر المعلق بالكهرباء للمرة الأولى، بعد أشهر قليلة من رحيل الفرنسيين من البلاد، وعام 1955 غُيرت ألوان ركائز الجسر إلى اللون الأصفر. وكان الجسر منذ إنشائه مخصصاً بصورة أساسية لعبور السيارات، لكن أيضاً يستخدمه المشاة، وكانت عملية مرور السيارات تنظم عبر استخدام الهاتف بين عاملين، كل منهما يتمركز في طرف من طرفي الجسر، يخبر أحدهما الآخر بمرور سيارة من جهته إلى الجهة الأخرى، فيمنع العامل الآخر مرور السيارات حتى وصول تلك السيارة إليه. وعام 1980 صدر قرار بمنع مرور السيارات والدراجات النارية عبر الجسر، وخُصص حصراً للمشاة، وتحول إلى معلم سياحي يرتاده الأهالي والزوار من باقي المحافظات والسياح الأجانب، وهو الجسر الوحيد من نوعه في سوريا.
لا شيء يصمد للأبد
بقي الجسر المعلق شامخاً طوال تسعة عقود، على رغم كل الحقب والتغيرات السياسية والعسكرية التي مرت بها سوريا. لكن هذا الصمود انتهى في الثاني من مايو عام 2013، عندما قامت مدفعية النظام السوري السابق بقصف الدعامة الثالثة بصورة مباشرة بالقذائف بهدف تدميره ومنع الجيش السوري الحر آنذاك من استخدامه، مما أدى إلى تدمير الأسلاك الحاملة للركيزة الثالثة وانهياره بالكامل وغرق نصفه في المياه، فيما بقيت أجزاء من ركائزه معلقة وكأنها تشهد على ما جرى، ولا تزال على حالها حتى اليوم.
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، بدأت عمليات جرد غير رسمية لما بقي من الجسر. ووفق تقديرات هندسية محلية، بقيت الكتلتان الأسمنتيتان في طرفي الجسر على رغم تعرضهما للشرخ، أما الأعمدة الحديد فتضررت بنسبة تصل إلى 70 في المئة، أما الجزء الأوسط من الجسر فهو مفقود تماماً، وعلى رغم ذلك يؤكد مهندسون من مدينة دير الزور أن عملية إعادة بناء الجسر ليست مستحيلة.
ارتباط عاطفي
يقول أبو مروان، وهو مدرس متقاعد يبلغ من العمر 62 سنة، وعاش كل حياته في حي الحميدية بدير الزور، إن "سقوط الجسر كان يوماً أسود لن ننساه، نحن أبناء المدينة كنا نعده أكثر من جسر، كان متنفسنا الوحيد ورمزاً لبيوتنا وأهلنا. حين كنا نريد وصف المدينة لأي غريب، كنا نقول له ’نحن من مدينة الجسر المعلق‘، لذلك عندما دمر شعرنا بأن جزءاً من هويتنا انمحى. اليوم بعد كل ما حدث في سوريا وبعد سقوط النظام السابق، لا نطلب شيئاً كثيراً، نريد فقط أن نستعيد ذاكرة فقدناها. الجسر بالنسبة إلينا ليس حجراً وحديداً، بل إنه عمر كامل، وإن أعادوه كما كان، فسنشعر بأن دير الزور بدأت فعلاً تستعيد نفسها".
ويضيف أبو مروان "عندما سقط الجسر شعرنا بأن الحرب استهدفت روح المدينة وليس مبانيها وحسب، كلنا نحلم باليوم الذي نراه فيه مرفوعاً فوق الفرات من جديد، أريد أن أمسك حفيدي من يده وأقول له ’هذا هو الجسر الذي كان جدك يعبره كل يوم‘، نحن لا نريد جسراً حديثاً من الزجاج والحديد اللامع، نريده كما كان، ببساطته وخشبه ودعاماته الحديد ونسماته".
خيارات إعادة البناء
بالنسبة إلى إعادة بناء الجسر أو ترميمه، يرى بعض الخبراء أنه من الضروري إعادة نسخة مطابقة للجسر الأصلي رفضاً لأي مساس بشكله التاريخي، بينما يفضل بعضهم الآخر تصميماً حديثاً يدمج بين الطابع القديم والبنية الهندسية الأكثر تطوراً لضمان سلامة المشاة والعبور. وهناك أيضاً مقترح ثالث يطالب بأن يبقى جزء من الجسر القديم مثل الأعمدة أو القواعد قائماً كتحفة تراثية، بينما يبنى فوقه جسر حديث، فيتحول بذلك الموقع إلى متحف مفتوح يجمع بين الماضي والحاضر. لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن الجسر يجب أن يعود، إذ إن الأهمية الاقتصادية لإعادة بنائه لا تقل عن أهميته الوجدانية، فمن الناحية التجارية، كان الجسر المعلق يختصر مسافات طويلة لربط مدينة دير الزور بريفها الغربي حيث تقع مناطق الإنتاج الزراعي.
وعلى رغم الحماسة الشعبية، لا يمكن تجاهل التحديات التقنية الكبيرة التي تواجه مشروع إعادة بناء الجسر المعلق، إذ إن نهر الفرات ليس من الأنهار الصغيرة التي يمكن بسهولة بناء جسر عليها، خصوصاً جسر معلق، كما أنه قد لا يكون من أولويات الحكومة ضمن مشاريع إعادة الإعمار. ومع ذلك، يصر كثرٌ من أبناء دير الزور على أن الجسر يجب أن يكون الخطوة الأولى، لكن قرار إعادة بناء الجسر لا يمكن عزله عن سلسلة مشاريع يجب أن تكون متزامنة مثل إعادة تأهيل الطرق الرابطة وتأمين شبكات الصرف والكهرباء واستعادة الخدمات العامة لأن إعادة جسر معلق تتطلب مقدمة لوجستية وبنائية لتأمين حركة المشاة والمواد والآليات خلال التنفيذ والحفاظ على الموقع بعد الافتتاح.
إعادة الإعمار... بين الحلم والواقع
المهندس المعماري السوري محمد العبدلله يقول إن "إعادة بناء الجسر المعلق ملف ستكون له أهمية كبيرة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، فبداية مشروع كهذا خير مثال على حال الاستقرار التي تعيشها البلاد، ويشجع أبناء المنطقة المغتربين أو اللاجئين على العودة. الموضوع بالفعل مطروح في بعض نقاشات الحكومة، وهناك خيارات عدة، يتمثل الأول في إعادة البناء بصورة مطابقة للأصل، بالتالي الحفاظ على التصميم الفرنسي القديم، وتقدر كلفته ما بين 12 و18 مليون دولار. وفي حال بدأ العمل عليه، سينتهي تنفيذ المشروع في فترة تراوح ما بين 18 و24 شهراً. والخيار الثاني إعادة تصميم الجسر من جديد، مما يعني بناء جسر يشبه القديم في الشكل العام لكنه يعتمد تقنيات متطورة. وهذا الخيار تبلغ كلفته ما بين 20 و25 مليون دولار، وينتهي تنفيذه في غضون عامين. ولا يستبعد أن تتجه الحكومة إلى خيار ثالث وفق رؤية هندسية أخرى، لكن المؤكد أن الحكومة معنية بإعادة بناء الجسر".
وفي ما يخص التحديات التي تواجه إعادة إعمار الجسر، يرى العبدالله أن "نهر الفرات واسع وسريع الجريان في الشتاء، ومنسوبه متقلب بفعل السدود التي تسبق وصوله إلى دير الزور، لذلك فإن أي مشروع لإعادة البناء يجب أن يأخذ في الاعتبار تغير مستوى المياه خلال العام، واحتمالات الفيضانات والتوافق البيئي مع الحياة النهرية. ومن التحديات الأخرى الكلفة الاقتصادية، إذ إن دير الزور مدينة تحتاج إلى إعمار آلاف المنازل المدمرة وإلى دعم القطاع الصحي وتحسين شبكات الكهرباء والمياه وإصلاح المدارس والمخابز، وسط هذا كله، لا يبدو الجسر المعلق أمراً ذا أولوية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ماذا يقول الأرشيف الفرنسي؟
وتكشف مراجعة الأرشيف الهندسي للانتداب الفرنسي على سوريا وما هو متاح من المنشورات الدورية للهندسة المدنية الفرنسية خلال عشرينيات القرن الماضي، عن سلسلة وثائق تتعلق بمشاريع البنى التحتية على نهر الفرات، ومن أبرزها مشروع الجسر المعلق في دير الزور. وبعض هذه الوثائق جاءت ضمن تقارير "الأشغال العامة في بلاد الشام"، الصادرة عن إدارة الأشغال العامة في دولة الانتداب التي كانت تنشر ملخصات سنوية عن الأعمال المنجزة في سوريا ولبنان. وتشير الوثائق إلى أن الفكرة الأولى لبناء الجسر المعلق ظهرت عام 1923 ضمن خطة فرنسية لربط الضفتين الشرقية والغربية للفرات بهدف تسهيل حركة الإدارة العسكرية والمدنية، خصوصاً أن دير الزور كانت حينها مركزاً مهماً للإمداد نحو الجزيرة السورية. وتذكر الوثيقة رقم 37TP لعام 1924 أن المشروع أدرج رسمياً في خطة البنية التحتية التي اعتمدها المفوض السامي آنذاك لتحسين الحركة اللوجستية ودمج المناطق الزراعية بالأسواق الفراتية.
أما عقد تنفيذ المشروع، فيظهر أنه أحيل عام 1925 إلى شركة "فوجرول" Fougerolle الفرنسية ، وهي إحدى الشركات التي كانت تعمل في مشاريع الجسور المعلقة والخنادق في المستعمرات الفرنسية. وتشير مذكرة فنية ضمن أرشيف الشركة (أعيد نشر جزء منها عام 1998 ضمن مشروع رقمنة أرشيف شركات البناء الفرنسية) إلى أن تصميم الجسر المعلق استُوحي من نماذج جسور المشاة العسكرية التي استخدمت في أوروبا أواخر القرن الـ19، مع تعديلات تسمح بزيادة طول الفاصل الرئيس. وتوضح نسخة من تقرير فني لعام 1927 أن القوات الهندسية الفرنسية أنجزت حينها صب القواعد الخرسانية على الضفتين واختبار قوة الشد، بينما أُرسلت مكونات الكوابل الفولاذية من مرسيليا إلى بيروت ثم إلى دير الزور. وبحسب وثيقة أخرى من تقرير عام 1930، تؤكد أنه "بعد اكتمال تركيب الأبراج المعدنية والكوابل الرئيسة واختبار الأحمال الديناميكية"، افتتح الجسر رسمياً عام 1931 بحضور ممثلين عن الانتداب ومخاتير دير الزور.
إذاً، يبدو الجسر المعلق أكثر من معلم اندثر في زحمة الحروب، فهو اختبار آخر لما بقي من قدرة السوريين على استعادة ما فقد، وعلى ترميم ما حاولت أعوام الحرب اقتلاعه. لقد ظل الجسر المعلق على مدى قرن تقريباً بوابة بين زمنين، زمن كانت فيه دير الزور مدينة مفتوحة على الفرات والحياة، وزمن آخر حاولت الحرب خلاله أن تغرق هذه الذاكرة في النسيان. ومع أن الأعمدة التي صمدت بحديدها المنحني لم تعُد تربط بين ضفتين، إلا أنها ما زالت تصل بين أجيال عاشت فوقه وجيل يبحث اليوم عن رموز يعيد بها بناء مستقبله. وبالنسبة إلى أهالي دير الزور ربما تختلف المقاربات حول الشكل الذي يجب أن يعود به الجسر، وقد تتباين الرؤى بين من يتمسكون بنسخته الأصلية ومن يريدون منه جسراً جديداً يليق بمرحلة إعادة الإعمار. لكن الأكيد أن عودة الجسر المعلق ستكون إعلاناً أن دير الزور بدأت تستعيد نبضها، وأن النهر الذي شهد حروبها وهجراتها ومآسيها قادر أيضاً على أن يشهد ولادتها من جديد، وهذا كله مرهون بموعد وضع اللبنة الأولى في عملية إعادة الإعمار.