Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يرقص الإيرانيون ويتحول الحزن إلى وسيلة مواجهة

داخل المقابر في مختلف أنحاء إيران، يكتسب الحزن شكلاً جديداً ولافتاً. وقد يكون الغناء والرقص مؤشرين على تحول عميق في طريقة تعامل أمة مع الحزن والخوف

حشود من المشيعين ترقص خلال تشييع أحد ضحايا الاحتجاجات الأخيرة (مواقع التواصل)

ملخص

تحول الرقص في الجنازات بإيران إلى لغة مقاومة، تُعبر بها العائلات عن حزن جماعي يكسر قيود الخوف والرقابة. ومع تراكم الخسائر وتراجع أثر الطقوس التقليدية، تصبح الحركة وسيلة لاستعادة حضور المجتمع وللتأكيد أن الموت لا يُسكته بل يدفعه إلى إعادة تعريف حضوره.

تشهد المقابر في جميع أنحاء إيران حدثاً غير متوقع.

ففي حين كان الحداد يقترن تقليدياً بارتداء ملابس سوداء وضبط النفس والصلاة، أصبحت العائلات الآن ترقص. إنهم يتمايلون بجانب القبور الجديدة. ويغنون. ويصفقون على إيقاع الموسيقى. وفي بعض الأماكن، تبدأ الحركات على استحياء - خطوات صغيرة على التراب. وفي أماكن أخرى، تبدو حركاتهم جريئة بشكل لا لبس فيه، بل حتى متألقة.

قد يبدو الأمر للمراقب الخارجي وكأنه إنكار للخسارة. فقد يظهر الرقص على القبر انتهاكاً لطقوس الحزن. لكن من الناحية النفسية والجماعية، ربما يتكشف شيء أعمق: إعادة صياغة جماعية للعقد الاجتماعي للحزن.

عاش الإيرانيون على مدى عقود ضمن حدود عاطفية ضيقة. ففي ظل ضغط الاستبداد المزمن، يتعلم الناس خفض أصواتهم، وتوقع الأخطار، وضبط أنفسهم قبل أن تُفرض عليهم الضوابط بالقوة. ومع مرور الوقت، يترسخ هذا الحذر في أجسادهم. تنحني أكتافهم. وتنكمش حركاتهم. ويضيق نطاق المشاعر التي يشعرون بالأمان في التعبير عنها.

عندما يكون الحزن منعزلاً، يمكن أن يستمر هذا الكبت. لكن عندما تصبح الخسارة جماعية - عندما تتكاثر الوفيات عبر المدن والأجيال - تبدأ قواعد الاحتواء القديمة في التعثر. والطقوس التي كانت تبدو كافية في السابق تصبح أصغر من حجم الحدث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الحزن ليس أمراً خاصاً أبداً؛ بل هو محكوم بالثقافة. لأن الثقافات تعلمنا كيف نحزن: ماذا نرتدي، إلى أي درجة يمكننا أن ننتحب، كم من الوقت نجلس، ومتى نقف. ولطالما اتسم الحزن في إيران بالجدية والصبر. إنه جماعي إنما كئيب، وتشكله طقوس دينية وتاريخ طويل من القمع السياسي. ينطوي الجسد الحزين على نفسه.

ما الذي قد يدفع آلاف الأشخاص، من مختلف المدن والمحافظات، إلى البدء في الرقص عند المقابر من دون تنسيق مركزي أو تعليمات رسمية؟

يكمن أحد التفسيرات في الطريقة التي تنتشر بها المشاعر الجماعية عبر المجتمع في أوقات الاضطراب. فعندما يصبح الحزن شائعاً وليس خاصاً، تتلاشى الحدود الفاصلة بين "خسارتي" و"خسارتنا". وترتسم معالم معنى جديد. لا يعود فيديو واحد لأم ثكلى ترقص على قبر ابنها محصوراً ضمن محيط ضيق. بل يصبح إشارة. يراه الآخرون ويدركون شيئاً قبل أن يتمكنوا من تسميته بالكامل: هذا أيضاً ممكن.

عندما يعيش المجتمع تحت ضغط مطول، فإنه يحصر نفسه من أجل البقاء. يضيق التعبير. وتقل القدرة على تحمل الأخطار. غير أن الأنظمة لا يمكن أن تبقى مقيّدة إلى الأبد. وعندما يتجاوز حجم الخسارة القواعد العاطفية القديمة، تظهر سلوكيات جديدة - ليس بسبب تخطيط أحد لها، بل لأن الأنماط السابقة لم تعد قادرة على تنظيم الواقع.

في هذا السياق، فإن الرقص ليس عشوائياً، ولا هو مدبر. إنه ناشئ. إنه ما يحدث عندما يبدأ كيان اجتماعي دفع إلى تجاوز حدوده، في إعادة تنظيم نفسه بشكل فوري.

وللأمر بُعد بيولوجي أيضاً. فالصدمة تضيق الجهاز العصبي. ونحن نجمد في ظل وجود الخطر. تتسارع أنفاسنا، وننكمش. في البيئات الاستبدادية، يصبح هذا الانكماش ثقافة بالإضافة إلى كونه حالة فسيولوجية. وتصبح العواطف العلنية خطرة.

أما الرقص فيفعل العكس تماماً. لأنه يوسع آفاق الجسد. ويحتاج إلى نَفَس وإيقاع وتنسيق. وتُظهر الأبحاث حول الحركة الجماعية - من المسيرات إلى الغناء - أن الحركة المتزامنة تُقوي الروابط وتُعيد الشعور بالقدرة على التصرف.

وفي المقبرة التي يُفرض فيها الموت السكون، تصبح الحركة أمراً رمزياً. فهي تدل على أن العلاقة مستمرة، والمجتمع باقٍ وأننا ما زلنا هنا.

وفي الفرح أيضاً شيء من التحدي الصامت. فالسلطة لا تعتمد على القوة فحسب، بل على السيطرة العاطفية - على تحديد ما يُسمح للناس بالتعبير عنه. وعندما يكون الحزن صامتاً ومكبوتاً، فإنه يتناسب تماماً مع تلك البنية. لأنه لا يخل بالنظام السائد.

ولكن عندما يصبح الحزن ظاهراً ومجسداً - بل إيقاعياً - يتغير العقد العاطفي.

قد يعتقد البعض أن الرقص يقلل من جدية الموت. لكن الحزن ليس أحادي البعد. لأنه يحمل بداخله الحب والغضب والإنكار والشوق في آن واحد. في مقاطع الفيديو المُلتقطة في المقابر الإيرانية، تنهمر الدموع على الوجوه التي تغني أيضاً. وتهتز الأكتاف بينما تتناغم الأقدام مع الإيقاع.

هذا ليس غياباً للحزن. إنه حزن يرفض أن ينطوي إلى الداخل.

تعتمد الأنظمة الاستبدادية على الانصياع الاستباقي، أي الحسابات الصامتة التي تبقي الناس في حالة من الخضوع. عندما تجتمع العائلات علناً وتتحرك بطرق لم تكن مقبولة من قبل، فإنها تختبر حدود تلك الحسابات.

وتحدث إعادة تقييم: لقد خسرنا بالفعل - فمم نخشى بعد ذلك؟

عندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن أفعالهم، حتى الرمزية منها، لها أهمية، يمكن أن يتحول الشلل إلى حركة. ويوسع المجتمع نطاق الممكن في نظره.

ليس من خلال التصريحات، بل من خلال أجساد تتحرك. من خلال أقدام تدق أرضاً كان يكتنفها الصمت في السابق. من خلال أيدي مرفوعة في تعبد أو تحدٍ.

إن الرقص على القبر لا يستخف بوقع الموت. بل قد يعني أن الخوف لم يعد يحدد نطاق الحركة بالكامل.

قد يعني أن الحزن يوسع أفق الأمة بدلاً من تضييقه.

الدكتورة بهاري صاحبي أخصائية في علم النفس السريري وأستاذة مساعدة في علم النفس السريري بجامعة نورثوسترن

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات