ملخص
"الأزمة ليست مادية فحسب، بل نفسية أيضاً، فالمراهقون الذين قابلناهم يتحدثون عن شعور عميق بالفقد، فقدوا منازلهم، ومدارسهم، وأصدقاءهم، وفي حالات كثيرة فقدوا أحد الوالدين. فهذا الإحساس بالعجز، مع غياب أي أفق للمستقبل، يجعل خيار الهجرة يبدو لهم أقل خطورة من البقاء. وبالنسبة إليهم الحياة داخل السودان لم تعد حياة".
منذ اندلاع حرب السودان في أبريل (نيسان) 2023 تحول البلد إلى ساحة نزوح جماعي غير مسبوق على مستوى دول العالم، إذ يقدر عدد النازحين داخل البلاد بنحو 12.7 مليون شخص معظمهم نزح مرات عدة وبات بلا مأوى.
في حين فر أكثر من 2.7 مليون إلى خارج الحدود بحثاً عن الأمان والحياة، منهم أعداد ضخمة لجأت إلى دول الجوار، بخاصة مصر وأوغندا وتشاد وإثيوبيا.
من بين هؤلاء مراهقون غامروا بحياتهم في "رحلات الموت" عبر المتوسط أو عبر الصحراء هرباً من جحيم الحرب وما صاحبها من انهيار للدولة. ففي عام 2023 فحسب، وصل نحو 5887 سودانياً إلى إيطاليا عبر البحر، وهو رقم يعكس تزايد الهرب عبر المسارات البحرية، بحسب تقارير لمنظمات دولية.
الصبي السوداني آدم (16 سنة) حاول العبور من ليبيا إلى أوروبا قبل أن يعاد إلى السودان عبر إحدى عمليات الترحيل، قال "سافرت من نيالا بإقليم دارفور إلى الحدود الليبية مع سبعة فتيان في مثل عمري، حيث قضينا يومين بلا ماء في الصحراء، وكان المهرب يقول لنا إن الماء باهظ الثمن. وعندما وصلنا إلى المخزن قرب الزوارة، كانوا يضربون الناس بالعصي، وكنا نسمع الصراخ طوال الليل. صحيح كنت أعلم أن الطريق صعب، لكنني لم أتوقع أن يكون قريباً من الموت إلى هذا الحد".
تجربة آدم هي نموذج لآلاف الصبيان والشباب الذين يقعون في فخ مهربين يرسمون لهم أحلاماً وردية للعيش في دولة أوروبية بعيداً من نكد الحياة في بلاد مثل السودان، حيث لم تمنع حوادث الغرق المتكررة في البحر الأبيض المتوسط هؤلاء المغامرين من تجنب ركوب قوارب الموت.
موت بطيء
يقول المتخصص في شؤون الهجرة والاتجار بالبشر الهادي بشارة "رقعة الحرب في السودان واتساع الانهيار الخدمي دفعت آلاف المراهقين إلى الهرب، إلا أن المسارات التي يسلكها المراهقون السودانيون اليوم ليست طرق هجرة، بل هي ممرات خطرة تمزج بين العنف، والاستغلال، والموت البطيء. فمعظمهم يخرج عبر ثلاثة محاور رئيسة هي: مسار دارفور – ليبيا وصولاً إلى المتوسط، ومسار يبدأ من شرق السودان إلى مصر، إضافة إلى طريق تشاد - النيجر والذي ازداد نشاطاً منذ بداية الحرب. فكل هذه الطرق تتقاطع في مناطق خارجة تماماً عن سيطرة الدولة، وتخضع لشبكات تهريب متشابكة مع جماعات مسلحة".
وأضاف بشارة أن "القُصّر يواجهون أخطاراً متراكمة منذ اللحظة الأولى للمغادرة، ونحن نتحدث عن أيام طويلة من الجوع والعطش داخل الصحراء، واحتجاز داخل مخازن مكتظة، وعنف جسدي، وطلب فدية من الأسر، وانتهاء برحلات بحرية غير آمنة، إذ كثيراً ما تتحول إلى مقابر مفتوحة. فالمهربون يستغلون المراهقين تحديداً، لأنهم الأقل قدرة على التفاوض والأكثر استعداداً للمخاطرة". وأشار إلى أن البيانات الدولية تكشف عن قفزة لافتة في محاولات العبور خلال العامين الأخيرين، "ففي عام 2023 وحده، وصل أكثر من 5 آلاف و800 سوداني إلى السواحل الإيطالية، ونسبة ملحوظة منهم كانوا دون الـ18. هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة، فهناك آلاف المحاولات التي انتهت في عمق الصحراء أو لم يسجل وصولها إلى أي نقطة. نحن نرى فقط من نجحوا في الوصول، ولا نرى من ابتلعتهم الطرق".
ويمضي المتخصص في شؤون الهجرة والاتجار بالبشر قائلاً، "المراهقون الذين يخوضون هذه التجارب لا يبحثون عن أوروبا فحسب، بل عن منفذ للحياة. هم جيل فقد المدرسة، وفقد الأمن، وفقد البيت، وأصبح يشعر أن البقاء داخل السودان أشبه بالموت البطيء. لذلك، على رغم كل الأخطار، لا تزال هذه الطرق تستقبل موجات جديدة من الشباب الذين لا يملكون خياراً آخر".
دوافع الهرب
الباحث الاجتماعي المتخصص في قضايا النزوح والهجرة سليم طارق يقول "خروج المراهقين السودانيين عبر طرق غير نظامية بات انعكاساً مباشراً لانهيار البيئة الحياتية داخل البلاد، فخلال العامين الأخيرين انهارت المنظومة التعليمية في معظم مناطق السودان، وتوقفت آلاف المدارس عن العمل بالكامل، مما ترك أعداداً كبيرة من المراهقين خارج أي إطار حماية أو تعليم. كثير منهم يعيشون اليوم في مخيمات نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان والاستقرار، ويشهدون العنف بصورة يومية. فهذه البيئة وحدها كافية لدفع أي فتى للبحث عن مخرج، حتى وإن كان عبر الصحراء".
وتابع طارق "الأزمة ليست مادية فحسب، بل نفسية أيضاً، فالمراهقون الذين قابلناهم يتحدثون عن شعور عميق بالفقد، فقدوا منازلهم، ومدارسهم، وأصدقاءهم، وفي حالات كثيرة فقدوا أحد الوالدين. فهذا الإحساس بالعجز، مع غياب أي أفق للمستقبل، يجعل خيار الهجرة يبدو لهم أقل خطورة من البقاء. وبالنسبة إليهم الحياة داخل السودان لم تعد حياة". وواصل "قصص الهجرة الناجحة قليلة لكنها مؤثرة تؤدي دوراً محفزاً، فهناك روايات كثيرة يتداولها الشباب عن أقارب أو أصدقاء وصلوا أوروبا وبدأوا حياة جديدة. وعلى رغم أن الواقع مختلف تماماً، فإن هذه القصص تخلق وهماً جماعياً بأن الطريق القاتل قد يكون فرصة ذهبية. وبعض الأسر، تحت ضغط الفقر وانعدام الأمان، تشجع أبناءها على المغادرة أملاً في دعم لاحق".
وأردف، "ما نراه اليوم ليس مجرد هرب، بل انهيار عام لشعور الأمان وانعدام البدائل. لكن السؤال لم يعد لماذا يهرب المراهقون؟ فالسؤال الحقيقي هو ما الذي تبقى لهم ليبقوا من أجله؟".
وبين الباحث الاجتماعي أنه "حين يفقد الفتى مدرسته وطفولته ومستقبله في وقت واحد، يصبح الطريق الأخطر أقل رعباً من الواقع الذي يعيشه. وهذا هو جوهر مأساة الهجرة الحالية بين المراهقين السودانيين".
فقر ويأس
من جانبه أوضح الباحث في شؤون الهجرة محمد عبدالهادي يقول إنه، "مع تفاقم الحرب وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من السودان، ازدهرت شبكات التهريب المنظمة وغير المنظمة، مستغلة فراغ القانون والفقر واليأس لدى السكان، خصوصاً المراهقين. فهذه الشبكات تعمل في مناطق معقدة أمنياً، وتتعاون أحياناً مع جماعات مسلحة لتأمين المرور، أو تفرض رسوم عبور باهظة وأحياناً تنتهك حقوق القاصرين جسدياً ونفسياً".
واستطرد عبدالهادي، "بحسب تقارير منظمات حقوقية، تتنوع أشكال الاستغلال، بدءاً من دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل العبور، وصولاً إلى الابتزاز الجنسي أو الاستغلال في أعمال شاقة، إضافة إلى التعرض للعنف في المخازن أو أثناء التنقل عبر الصحراء. فكل ذلك يجعل الرحلة أشبه بممر موت أكثر من كونها طريقاً". وزاد "ما نراه في السودان اليوم ليس مجرد تهريب للهجرة، بل صناعة متكاملة للاستغلال. فالشبكات تستهدف القصر على وجه الخصوص، لأنهم أكثر عرضة للضغط، وأقل قدرة على المطالبة بحقوقهم. وفي بعض المناطق يعمل المهربون بالتنسيق مع مسلحين محليين أو عناصر من الميليشيات لتأمين المرور، ويصبح المراهق رهينة لأي خطأ صغير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبيَّن أن الرحلة تبدأ غالباً بوعد وهمي بحياة أفضل في أوروبا، لكنها تتحول بسرعة إلى سلسلة من الانتهاكات، وحرمان من الطعام والماء، والضرب، والحبس داخل مخازن مكتظة، وحتى الابتزاز الجنسي. فكل خطوة في الطريق تحمل خطورة حقيقية على حياة الفتى أو الفتاة.
ولفت الباحث في شؤون الهجرة إلى أن "هذه الشبكات لا تعمل في فراغ، فهي جزء من اقتصاد الحرب داخل السودان. فكل حادثة وفاة أو اختفاء لقاصر تضيف قيمة لمن بقي منهم على الطريق. وللأسف، حتى المنظمات الإنسانية لا تستطيع دائماً التدخل بصورة مباشرة في مناطق السيطرة غير الرسمية، مما يترك المراهقين عرضة للخطر من البداية وحتى النهاية.
مستقبل الهجرة
مع استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، يبقى سؤال: إلى متى تستمر موجات الهجرة؟ فالبيانات الدولية تشير إلى استمرار خروج آلاف المراهقين سنوياً، بينما تتفاوت إجراءات الدول المجاورة وأوروبا في الحد من التدفق.
وعلى رغم تشديد مراقبة الحدود في مصر وليبيا، وزيادة عمليات ترحيل طالبي الهجرة غير الشرعية، فإن الواقع يشير إلى أن المراهقين يجدون طرقاً بديلة، غالباً أخطر لعبور الحدود. ويؤكد المتخصصون في هذا المجال أن توقف النزوح يتطلب أكثر من سياسة أمنية، بل حلولاً سياسية واقتصادية وإنسانية داخل السودان أكثر من الحلول الأمنية مثل توفر الحماية، والتعليم، واستقراراً للأطفال والشباب.
المتخصص في شؤون الهجرة حسام الدين أحمد يقول "حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات إلى تراجع موجات الهجرة غير الشرعية طالما النزاع لا يزال مستمراً، فضلاً عن عجز الدولة عن توفير الأمن والخدمات الأساسية، بالتالي سيواصل المراهقون المخاطرة بحياتهم للبحث عن الأمان، إذ إن الهجرة بالنسبة إليهم ليست اختياراً، بل حل موقت للهرب من موت بطيء".
وتابع أحمد "البدائل الممكنة محدودة، مثل تأهيل المخيمات، وإيجاد برامج لحماية القصر، وتوفير فرص تعليمية واقتصادية محلية، فكلها خطوات حاسمة، لكن من دون اتفاق سياسي شامل يوقف الحرب، فإن كل إجراءات ضبط الحدود ستكون مجرد حلول موقتة، ولن توقف تدفق الشباب المراهقين".
وأردف المتخصص في شؤون الهجرة "الأرقام الحالية لا تعكس سوى الجزء الظاهر من المشكلة. فآلاف المراهقين لا يصلون إلى أي من وجهتهم المقصودة، حيث يختفون في الصحراء أو البحر. لذلك، كل خطة لمعالجة الهجرة يجب أن ترافقها خطة إنسانية داخل السودان، تضمن حياة وأمان هؤلاء الأطفال قبل التفكير في منعهم من التحرك".