ملخص
المتابع للساحة الفنية يدرك جيداً مئات الفرص التي ضاعت لتصوير أفلام عالمية كبيرة في مصر بسبب التشديدات الخانقة التي تبدو وكأنها أسلوب "تطفيش" وهو وضع قائم منذ عقود طويلة، فرحلة التصاريح في مصر كانت مرهقة ومعطلة ومحبطة وفقاً لشهادات كثيرة، لكن على ما يبدو أنه وبالتزامن مع الصحوة السياحية التي تعيشها البلاد أدركت الحكومة أخيراً أهمية التخلص من البيروقراطية الخاصة بتصوير الأعمال الأجنبية في مصر، وفتحت الملف معلنة عن تطويرات طال انتظارها
شجون وأزمات تصوير الأعمال الأجنبية في مصر تمتد عقوداً طويلة، إذ تمتلئ القوائم بعشرات الأفلام والمسلسلات والبرامج ذات الصبغة العالمية التي هربت من العوائق، واستبدلت الأماكن الأثرية والشوارع في مصر بديكورات تحاكيها في دول أخرى تمنح تسهيلات حقيقية، وتمنح صناع الفن مميزات شتى، لتشجعهم على العودة مرة أخرى. وعلى مدى أعوام طويلة أصبح من يعملون في المجال يعلمون أن على المخرج الطموح المتمسك بالتصوير في المواقع الأصلية المصرية أن يكون صبوراً وأن يتحمل تأخير تصوير عمله حتى يحصل على الموافقات اللازمة.
لكن على ما يبدو هناك أخيراً توجه رسمي قوي لنسف كل هذه السردية وفتح صفحة جديدة، إذ احتفى المهتمون بالصناعة والاقتصاد أيضاً أخيراً بتصديق مجلس الوزراء على لائحة تنظيم التصوير الأجنبي في مصر، حيث ستكون منوطة به جهة وحيدة تذلل العقبات وتجذب الطواقم، لتوطين تلك الصناعة بصورة مستحقة عن طريق موقع إلكتروني موحد يتلقى الطلبات، ويدرسها من دون تعطيل لمنح الموافقات.
إجراء يبدو بسيطاً للغاية، لكنه استغرق عقوداً وعقوداً، واللافت أن محاولات الوصول إلى هذه الصيغة الأخيرة استغرقت بحد ذاتها نحو 10 أعوام، فمنذ حكومة رئيس الوزراء إبراهيم محلب في 2014، والوعود تترامى حول هذه المسألة من دون إنجاز حقيقي، في حين بدأت الإرهاصات الأولى لإيجاد حل فعلي منذ أعوام قليلة للغاية بالتزامن مع تأسيس لجنة مصر للأفلام التي يقع على عاتقها هذا الملف بالكامل، فالحراك الذي قامت به اللجنة على استحياء منذ ثلاث أو أربع سنوات توج أخيراً بدفعة رسمية شديدة الوضوح، تعلن انتهاء البيروقراطية وتدعو الصناع إلى فتح صفحة جديدة بعد عشرات الأعوام من الميراث السلبي في هذه الناحية.
تراخيص سريعة وإعفاءات ضريبية
تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في ملف صناعة الفنون كانت إيجابية، وعلى رغم تحفظ كثرٍ حول نية الحكومة إنشاء مدينة تصوير جديدة بمعايير عالمية، ولا سيما أن هناك مشروعاً قائماً منذ أعوام بالفعل هو مدينة الإنتاج الإعلامي الذي يمكن تطويره بدلاً من إرهاق الموازنة بمزيد من الإنشاءات، فإن الجزئية المتعلقة بملف التصوير الأجنبي في مصر حظيت باهتمام أكبر وثناء ملحوظ.
ونشرت اللائحة بناء على قرار مجلس الوزراء الذي يحمل رقم 4330 لعام 2025 في الجريدة الرسمية، ومفاده بأن هناك نافذة رقمية واحدة تتولى مهمة تلقي طلبات التصوير من الخارج، فيما تدير لجنة مصر للأفلام التابعة للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي هذا الموقع والإشراف عليه واتخاذ الإجراءات اللازمة ومناشدة الجهات المعنية للحصول على التصاريح والموافقات والتراخيص التي من شأنها أن تسهل وتسرع من عملية تصوير أي عمل أجنبي في مصر.
وإضافة إلى تيسير الضوابط الفنية والتأمينية بطبيعة الحال، فما الذي تغير على وجه التحديد ويبدو باعثاً على التفاؤل، بخاصة أن لجنة الفيلم المصري بالفعل قائمة وتمارس عملها بصورة طبيعية، فما الجديد؟
يقول مستشار رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي للتعاون الدولي الدكتور هاني أبو الحسن إن اللجنة وإن كانت تعمل بكل جهدها، وجرى تصوير عشرات الأعمال على مدى الأعوام الماضية بتسهيلات كبيرة للغاية لم تكن متاحة من قبل، إلا أنه كانت هناك حاجة ماسة إلى أن يقوم مجلس الوزراء بالتصديق على بنود اللائحة بصورة رسمية.
وفقاً للعاملين في هذا الحقل، فإن دولاً كثيرة في المحيط العربي باتت وجهة لتصوير الأعمال الفنية من كل مناطق العالم، والسبب الأساس يعود للإجراءات المشجعة وليس فقط للتسهيلات اللوجستية، إنما كذلك في الحوافز المالية، وهي أمور باتت موجودة أيضاً في مصر بالنسبة إلى طواقم التصوير غير المصرية، وفقاً للقرارات الجديدة، ويؤكد أبو الحسن أن طلبات شركات الإنتاج المعتادة أُخذت في الاعتبار، وهي الحوافز الإنتاجية واستعادة نسبة من الضرائب مقابل الفائدة متعددة الجوانب، بينها المادية بطبيعة الحال التي تجنيها البلاد المستهدفة من هذا التعامل.
وتابع، "نقدم تسهيلات كبيرة وإعفاءات ضريبية وتسهيلات على دخول المعدات من الجمارك، وخصومات على بعض أماكن التصوير وتسهيلات مالية أخرى في المطارات والفنادق والسيارات، فضلاً عن بند الترفيه والانتقالات والخدمات الإضافية التي يتطلبها بعض المشاهير، فبعضهم يطلب عدم نشر خبر وجوده تماماً مثل ناتالي بورتمان، إذ حرصت إدارة أعمالها على إخفائها تماماً، وعدم التقاط أية صور لها خلال تصويرها فيلم ’نافورة الشباب‘ في مصر لمصلحة ’أبل تي في‘".
تجارب ناجحة
وهذه المرونة النوعية التي من شأنها أن تحفز الصناع على مستوى العالم على التصوير في مصر بعد أعوام طويلة من العزوف، جاءت بعد مناشدات كثيرة كانت لا تلقى أي صدى من المهتمين بالصناعة في البلاد ممن وضعوا أفكاراً عملية مراراً أمام المعنيين من دون جدوى، بخاصة أن التجربة المغربية ليست بعيدة، وهي تعد من الأكثر نجاحاً في المنطقة في ما يتعلق باستقطاب طواقم التصوير.
ويشير أبو الحسن إلى أن هناك بالفعل عدداً كبيراً من المغاربة الماهرين يعملون في هذا القطاع سواء كانوا متخصصي ديكور أو مصورين أو مديري الإنتاج، لافتاً إلى أن هناك أيضاً وسطاء يعملون بنشاط ودأب منذ عقود طويلة لتيسير هذه الأمور، مما يشدد عليه المؤلف والممثل والمخرج والمنتج أحمد عامر الذي شارك في إنتاج فيلم "البحث عن أم كلثوم" بطولة ياسمين رئيس وإخراج الإيرانية شيرين نيشات عام 2017، ويشير إلى أنه على رغم أن غالبية الأحداث تدور في القاهرة، نظراً إلى أن الفيلم يتناول ولع مخرجته الإيرانية بسيرة كوكب الشرق أم كلثوم وتأتي إلى مصر للبحث عن شبيهتها، فإنها فضلت التصوير في المغرب، حيث كان لديها موقع تصوير.
وأضاف عامر، "على رغم أننا أجرينا معاينات في مصر من دون أزمة، لكن على ما يبدو أنها كانت مرتاحة في التعامل مع الطاقم المغربي حينها لأن تسهيلات التصاريح والإجراءات كانت تأتي في وقت قياسي، والحقيقة أن التعديلات التي أجريت أخيراً في مصر في هذا الجانب من شأنها أن تحدث نقلة نوعية في هذا المجال، نظراً إلى أن لدينا أطقم إنتاج محترفة، ولديهم خبرات متراكمة منذ عقود".
وفي ما يتعلق بالتسهيلات المالية، يؤكد عامر أنه من واقع خبراته، فهذا بند تترتب عليه قرارات كثيرة في أي عمل فني، قائلاً "إعادة نسبة من الضرائب لفريق الإنتاج باتت أمراً شائعاً حتى في دول كثيرة، بالتالي فاختيار بلد التصوير يكون مرتبطاً عادة بمدى التوفير في الموازنة، وفي حال تطبيقه في مصر سيكون عاملاً مشجعاً للغاية سواء للفنانين الأجانب أو العرب، بسبب جاذبية الأماكن مثل نهر النيل والمعمار حوله والإسكندرية والبيوت القديمة والآثار وغيرها. والحقيقة أنه خلال عملي في الولايات المتحدة، فإن تشغيل الخدمات والمحال التجارية خلال فترة تصوير أي عمل يرتفع بصورة لافتة، ولهذا هو مصدر دخل مهم للغاية لمدينة مثل نيويورك على سبيل المثال حيث عملت، بخاصة أن التصوير يكون مجانياً بلا أية رسوم تدفع إلى أية إدارة رسمية، والاعتماد كله يكون على التشغيل وتوفير فرص العمل".
ميراث البيروقراطية
بالعودة لما حدث في فيلم "البحث عن أم كلثوم"، فهو سيناريو متكرر للغاية، وقد ظل هو الوضع الطبيعي، حتى وقت ليس بعيداً، إذ كان هناك ميراث سلبي في التعامل مع طلبات التصوير الأجنبي، وبعض الصناع تحدثوا عن وجود تضييقات وروتين وسلسلة إجراءات طويلة الأمد حول تصوير أي عمل فني غير مصري في البلاد، مما تحدث عنه المخرج محمد دياب الذي اضطر إلى السفر إلى المجر لتصوير مشاهد مسلسله العالمي "فارس القمر" بطولة أوسكار إسحق، إذ أشار حينها إلى أن مصر خسرت ملايين الدولارات بسبب تعطيل تصاريح التصوير، وأنه انتظر وفريقه طويلاً الحصول على الأوراق اللازمة ليتمكن من التقاط مشاهد عدة في مصر وشوارعها، لكن لم يكُن بداً من إنشاء ديكورات تحاكيها في بعض الدول.
واللافت أن هناك كثيراً من الدول التي تقدم تسهيلات شتى إلى صناع الأعمال الأجنبية منذ أعوام طويلة، فنجحوا في تنظيم هذا الملف مبكراً، وبينها الأردن وتركيا وتونس والمغرب، والأخيرة تحديداً تمتلك طواقم شديدة الاحترافية تتعامل مع المنتجين الأجانب وتسهل عملية الانتقال والتصريح، وكثير من الأعمال العالمية البارزة صورت بين هذه الدول وبُنيت بلاتوهات تصوير ضخمة وديكورات للآثار المصرية بما فيها الأهرامات للإيحاء بأن المشاهد بالفعل في مصر.
ومن أبرز الأعمال التي اضطر صناعها إلى تنفيذها خارج البلاد، فيلم "المريض الإنجليزي" 1996 الذي صور في تونس، بينما غالبية أحداثه تدور في مصر وقد نال تسع جوائز "أوسكار"، إضافة إلى أفلام أخرى مثل "عودة المومياء" و"مهمة كليوباترا" الذي صور بين المغرب والأردن، كذلك فيلم خواكين فينيكس "نابليون" الذي عرض قبل عامين، إذ لم يصور في مصر على رغم تضمنه مشاهد عند الأهرامات، لكن جرت الاستعاضة عنها بديكورات في صحراء المغرب.
لا مغالاة
الخطوات الحاسمة للقضاء على معوقات تصوير الأعمال الأجنبية في مصر لم تحدث إلا بشق الأنفس، فكان من أبرزها تعدد الجهات التي يتعامل معها صناع الأعمال الراغبين في السفر إلى مصر وتضمين أعمالهم كثيراً من المشاهد التي تظهر معالمها بصورة واضحة، إذ قد تصل إلى ست أو سبع جهات، مع كل ما يتضمنه هذا من روتين يطيل مدة الحصول على التصاريح اللازمة، وكذلك مع كل ما يعنيه من كلفة كبيرة للغاية تثقل كاهل المنتجين، كذلك تحدث كثرٌ عن التعنت الرقابي في وقت من الأوقات، فضلاً عن بعض العقبات الأمنية، بخاصة في ما يتعلق بالتصوير ضمن الأماكن الأثرية مثل المعابد، فالإجراءات الطويلة والمكلفة كانت كفيلة بأن يفزع صاحب أي مشروع فني، ناهيك عما إذا كان هذا المشروع محدود الموازنة وليس لدى أصحابه فائض لدفع كلف مبالغ فيها، وفي حال تطبيق اللائحة كما ينبغي من المفترض أن تغلق صفحة كثيراً ما أزعجت المهتمين بالشأن السينمائي والباحثين عن حلول عملية وسهلة لمصادر الدخل القومي في البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يرى أستاذ الإخراج المسرحي والمسؤول عن هذا الملف هاني أبو الحسن أنه فضلاً عن أهمية العائد الاقتصادي هنا، لكن الدعاية الإيجابية تعد المكسب الحقيقي الذي سيضمن استمرارية هذه الصناعة على المدى البعيد، ولفت إلى أن مصر لديها فرصة في الاستثمار الثقافي والحضاري في البلاد، بسبب امتلاكها مناطق ليس لها بديل، إضافة إلى طقس ملائم، منوهاً إلى أن استخراج التصاريح بات مهمة سهلة للغاية أمام الراغبين في التصوير بمصر، إذ إن كل وزارة معنية ملزمة التعاون والتسهيل، وأنه يجري تحديد الرسوم بلا أية مغالاة وفقاً لمتطلبات كل عمل، فيجري تقييم كل حال، سواء كانت برنامجاً أو دراما، وأوضح أن حلقة برنامج "مستر بيست" الشهيرة نفذت من الأهرامات من دون أية عوائق، وحققت في رأيه عوائد مهمة جداً في ما يتعلق بالدعاية السياحية لمصر.
سؤال الرقابة
لكن في ما يتعلق بالدراما، فلا أحد ينكر القلق من "الرقابة"، ولا سيما أن سقف الأعمال غير العربية عادة يكون مرتفعاً في النقد على أكثر من مستوى، وهنا يشير أبو الحسن إلى أن المرفوض رقابياً بالطبع هو التشويه المتعمد، لكنه يلفت إلى نقطة مهمة كذلك وهي أن هناك حرصاً على الدقة، فلا تتحول هذه العبارة إلى تعبير مطاط يستعمل بصورة سلبية، فالمعايير واضحة في هذا الجانب، من وجهة نظره. ويلفت إلى أنه بعد افتتاح المتحف الكبير وتحول مدينة الجيزة إلى منطقة جاذبة كموقع تصوير فريد لا يضاهى، زادت طلبات التصوير بمعدل 100 في المئة، وتحدث أبو الحسن عن مسلسل "استجواب الرئيس" من إخراج ليزلي غريف الذي ظل صناعه يصورون في مصر على مدى ثلاثة أشهر بسلاسة تامة، وهو العمل الذي سيعرض قريباً ويتناول قصة استجواب جون نيكسون ضابط الاستخبارات الأميركية لصدام حسين بعد اعتقاله.
كذلك، لا يبدو المؤلف أحمد عامر صاحب أفلام مثل "ريش ـ كولونيا ـ بلاش تبوسني"، قلقاً حول ملف الرقابة على الإطلاق، ويلفت إلى أنه يعلم أن هناك قدراً من الذكاء والانفتاح لدى المعنيين، ويرى أن من يأتي للتصوير في أي بلد يعلم جيداً خصوصيته ويدرك طبيعته ولهذا سيكون عمله مراعياً لهذه النقاط.وعن المفارقة بين تسهيلات التصوير للطواقم الأجنبية في المعالم الشهيرة والأماكن المفتوحة بصورة عامة، مقابل ارتفاع الكلف وصعوبات التصاريح بالنسبة إلى الأعمال المصرية، يرى أحمد عامر أنه بتطبيق المعايير الجديدة من الطبيعي أن يتأثر مناخ الفن كله على نحو إيجابي، في ما يتعلق بظروف العمل ككل وبينها التصوير في الأماكن العامة، ويختتم كلامه بالقول "هذه أمور من شأنها تقوية الصناعة ككل، وستفتح فرص عمل كبيرة للغاية، وأنا في الحقيقة متحمس لهذه التحديثات لأن لدينا كنزاً كبيراً أهملناه لوقت طويل، ومن شأنه أن ينشئ منظومة صناعة موازية متكاملة".