ملخص
تظهر بيليم كمدينة تنبض بتناقضاتها: واجهات ملونة تحيط بها أحياء فقيرة، وغرافيتي يحول الشوارع إلى لغة حية. يتداخل المطبخ الأمازوني مع نكهات التابيوكا وسمكة البيراروكو والفاكهة المتساقطة من أشجار المانغا المنتشرة في كل مكان، فيما تعيد المسيرة الحاشدة للسكان الأصليين كشف الحقيقة القاسية لصراعهم مع التعدين والظلم المناخي. وعلى رغم التعب والحرارة، تبقى بيليم مدينة تحتفل بالفن والرقص والسامبا، وتفتح أبواب الغابة بأصواتها ونكهاتها وجزرها المليئة بالسعادين، وفي النهاية يتبدى أن بيليم ليست رئة العالم فحسب، بل رئة للحياة نفسها.
لم أصل إلى بيليم، عاصمة بارا البرازيلية، كإعلامية تلاحق تفاصيل قمة مناخية (كوب 30)، ولا كناشطة تريد أن تملأ دفتر ملاحظاتها بتوصيات وأسماء وخرائط طريق، بل وصلت إليها كمسافرة تبحث عن مساحات جديدة للحياة خارج القاعات المكيفة والخطابات المعدة مسبقاً.
كان ذلك واضحاً منذ لحظة وقوع نظري عليها من نافذة الطائرة:
مدينة تبدو وكأنها خرجت من مسلسل مكسيكي قديم، بألوان واجهاتها المتعبة، وأحيائها الفقيرة الممتدة على حواف الخضراوات الهائل الذي يلفها، وبسطورها التي تذكرني بمشاهد من "ماريا مرسيدس" أو "روزاليندا" (مسلسل مكسيكي شهير تابعه آلاف اللبنانيين قبل عقدين من الزمن)، حيث تختلط العاطفة بالفقر، والفرح بحياة لا تخلو من القسوة.
كانت ساو باولو هي المحطة الأولى، مدينة عملاقة، حديثة، تختصر البرازيل الصناعية الصاعدة، لكن الرحلة الحقيقية بدأت عندما أقلعت بنا الطائرة الصغيرة لثلاث ساعات نحو الشمال.
هناك، حيث تنتهي المدن وتبدأ مناطق الأمازون، شعرت أنني أدخل عالماً لم تشبهه أية مدينة زرتها من قبل، عالماً يوشك أن يبتلعك برطوبته وبألوانه، وبقربه المذهل من الطبيعة.
منذ الخطوات الأولى داخل بيليم اكتشفت أن هذه المدينة لا تعرف الهدوء، كل شيء فيها يريد أن يتكلم الجدران، الأرصفة، النوافذ، وحتى الأسقف المعدنية التي تلمع تحت الشمس كأنها تصنع ضوءها الخاص.
الغرافيتي ليس زينة ثانوية هنا، بل لغة كاملة، عبر رسومات ضخمة تغطي الأبنية المتهالكة، رسائل سياسية للحركات الشبابية، وجوه سكان أصليين، أناشيد بصرية تتحدى الخراب والفقر. في بعض الشوارع لا تجد لوناً واحداً متروكاً لصدف الطبيعة، فكل شيء ملون، صارخ، متمرد، مكتوب ليقرأ.
بيليم ليست مدينة صامتة تتخيلها في الصور، بل كائن حي يرفض أن يؤطر في هدوء، مدينة تنبض وتهتف وتصرخ، كأنها تملك شهية زائدة للحياة.
ذاكرة الغابة وأطباق غريبة
كانت بداية الاكتشاف الحقيقي حين أخذتنا صديقتنا اللاتينية إلى مطعم صغير قرب الشقة التي سنقيم فيها.
هناك، تذوقت للمرة الأولى "التابيوكا"، تلك العجينة البيضاء المصنوعة من دقيق الكاسافا، التي تسكب على الصاج فتتماسك ببطء ثم تحشى بما يتوفر من أجبان وفاكهة واستوائيات تشبه المكان.
لم تكن مجرد وجبة، بل كانت مدخلاً إلى مطبخ يعيش بين النهر والغابة، وبعدها مباشرة قدم لنا طبق "الأساي"، الذي يعد من أشهر ما يأكله سكان الأمازون، ليس كحلوى كما نعرفه في العالم العربي، بل كطبق أساس يقدم بارداً، بلون بنفسجي داكن يشبه الحبر، وبمذاق ترابي يميل إلى المرارة الخفيفة، أقرب إلى طعم التوت الأسود لكن أكثر كثافة وعمقاً.
كانوا يضعونه في أوعية صغيرة، ويغمسون فيه قطع السمك النهري بدل الخبز، في مزيج غريب لكنه شديد الانسجام مع البيئة، وكأن النهر والغابة يلتقيان في لقمة واحدة.
بعدها وصلت سمكة النهر الشهيرة، وغالباً كانت من نوع "البيراروكو"، أحد أكبر الأسماك في العالم من المياه العذبة. نكهتها كثيفة ودسمة، تحمل شيئاً من طين النهر ورطوبته وقوة بيئته، وإلى جانبها اللحم البرازيلي المدخن (الستيك) الذي يفوح منه عطر النار البطيئة، وفطائر صغيرة محشوة بالخضراوات واللحوم، وعصائر استوائية بطعم فاكهة لم أسمع باسمها من قبل.
كان واضحاً أن المطبخ هنا ليس رفاهية، بل هو جزء من الهوية، وفيه طعام يخرج من الغابة والنهر أكثر مما يخرج من المتاجر.
وفي طريق العودة حدث ما لن أنساه، سقطت حبة مانغا على رأس صديقتنا، ضحكنا في البداية، لكن بعد خطوات قليلة اكتشفنا أننا نمشي في مدينة مليئة بأشجار المانغا لدرجة أن تفادي الثمار المتساقطة يصبح نشاطاً يومياً.
لم تعد المدينة تبدو كمدينة زرعت أشجاراً، بل كغابة استسلمت للحياة الحضرية فشقت طرقاً بين جذوعها. كنت أشعر أن الهواء يزداد حلاوة، وأن الأرض تفوح برائحة الفاكهة الناضجة. حدث ذلك مرات عدة، وكانت أمامنا مانغا على الرصيف، مانغا على مقدمة سيارة، مانغا أخرى على الطريق، كأن الطبيعة هنا مصممة على تذكيرك بأنها مركز الوجود، وأن المدينة ما زالت ضيفة لا تملك سلطة كاملة على الأرض.
صهيل الأرض ورموز تعود لهم
لكن اللحظة الأكثر تأثيراً في الرحلة كانت مشاركة مجموعات واسعة من السكان الأصليين في مسيرة ثقافية – اجتماعية عبروا خلالها عن ارتباطهم التاريخي بالأرض والغابة.
تقدموا بملابسهم التقليدية وألوانهم المميزة وطبولهم التي تعكس إرثهم العريق، في مشهد يظهر تمسكهم بهويتهم وحرصهم على نقل رسالتهم للعالم.
وفي هذا الحدث، التقيت أحد ممثلي الشعوب الأصلية، الذي تحدث عن التحديات التي تواجه مجتمعه مع توسع الأنشطة الصناعية في مناطقهم، مؤكداً أن "الحفاظ على الموارد الطبيعية هو مسألة حياة ومعيشة يومية بالنسبة إليهم"، وقد عكس حديثه "عمق البعد الإنساني في النقاشات البيئية، وأن تأثير القرارات الكبرى يظهر أولاً في حياة الفئات الأكثر قرباً من الأرض".
ولفتني أيضاً بعض الرموز التي حملها المشاركون، والتي قد تبدو للعين غير المتخصصة شبيهة بالعلامات التي ارتبطت في التاريخ الحديث بالنازية، غير أن أحد المشاركين أوضح لي أن هذا الرمز، وهو الصليب المعقوف، يعود أصلاً إلى حضارات ما قبل الكولومبية في أميركا اللاتينية، حين كان يستخدم منذ آلاف السنين باعتباره رمزاً للحياة والدورة الكونية وتجدد الطبيعة، وقد سبق وجوده كل دلالات القرن الـ20 السياسية، ويحتفظ في الثقافة الأمازونية بمعناه الإيجابي المرتبط بالقوة الروحية وحماية الأرض.
كان هذا التوضيح كفيلاً بفتح زاوية جديدة لفهم عمق الهوية الثقافية لدى السكان الأصليين، وكيف تسكن رموزهم التاريخية في صميم علاقتهم بالغابة وما تمثله لهم من معنى.
ومع تقدم النهار اشتدت الشمس إلى درجة جعلت كل خطوة عبئاً، احتميت بظل شجرة كبيرة قرب ساحة صغيرة، وفجأة شعرت أن الحرارة انخفضت كأنني دخلت غرفة مكيفة، كان المشهد اكتشافاً بحد ذاته، فهذه الشجرة التي تقف بلا ضجيج، بلا مطالب، بلا مناداة أو شعارات، تفعل ما لا تفعله أجهزة تبريد تستهلك عشرات الكيلوواطات.
هناك أدركت لماذا تطالب دول الجنوب بحملات تشجير واسعة كأحد الحلول المناخية، ليس الأمر "شجرة جميلة" أو "مساحة خضراء" في صورة سياحية، بل هو نظام تبريد طبيعي، ومنع للفيضانات، وحماية للتربة، وتنظيم للمناخ اليومي، الشجرة هنا ليست خضراء فقط، إنها ذكية وفعالة وضرورية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رقص الحياة وسط الألم
وعلى رغم تلك الجدية تبقى بيليم مدينة تحتفل حتى وهي تتألم. الفن فيها لا يختبئ في المعارض، بل يخرج إلى الهواء. أصوات السامبا تأتي من النوافذ والمقاهي والبيوت، الناس يرقصون، يغنون، يرسمون، يكتبون على الجدران، يتحدثون عن السياسة بالمزاج ذاته الذي يتحدثون فيه عن الطقس.
كل شيء فيها نابض، كأن الحياة هنا لا تعاش بنصف قلب. في المساء حضرنا سهرة موسيقية ضمن نشاطات المؤتمر، وكان الجو احتفالياً إلى حد يصعب تصديقه، الموسيقى التي دعيت إليها كانت من نوع "سامبا دو بريفيلجيو"، وهو نوع حديث يحبه الشباب.
وجدت نفسي، أنا العربية التي لا تتحرك إلا على أنغام الطرب، أتمايل مع الإيقاع من دون إرادة، ربما لأن المكان يفعل ذلك بك، أو لأن السامبا ليست مجرد موسيقى، إنها طريقة في مقاومة كل شيء، حتى الألم.
جزر "الأمازونيا"
بعد يومين، قررنا الانطلاق في رحلة داخل غابات الأمازون نفسها، قارب خشبي بسيط، مياه بنية ثقيلة، هواء مبلل برائحة الطين والنبات، وأصوات لا يمكن تمييزها بسهولة، صراخ طيور بعيدة، حركة حيوانات على الأغصان، خشخشة غامضة تأتي من الأعماق.
على متن هذا القارب قدم لنا الطعام التقليدي، رز ممزوج بأعشاب الغابة، سمك نهري مطهو ببطء، ثم فاكهة "الكابيواتسو" التي تبدو من الخارج كحبة كاكاو كبيرة، لكن قلبها الأبيض الكريمي بطعم يجمع بين المانغا والأناناس والشوكولاتة.
كانت أول مرة أذوق شيئاً لا يشبه أي شيء آخر، الغابة نفسها تملك نكهة وهذا هو طعمها.
ثم جاءت زيارة "جزيرة القردة"، وهي مساحة خضراء تبدو من بعيد هادئة، لكن ما إن يقترب الزائر حتى يسمع أولى علامات الحياة، صرخات خفيفة تأتي من بين الأغصان، حفيف أوراق يتحرك بلا ريح، وقع قفزات صغيرة على جذوع مبللة، ووشوشات يصعب معرفة مصدرها، كانت الأصوات أكثر حضوراً من المشاهد، فالغابة هنا لا تكشف كل أسرارها بسهولة.
كنت أسمع طيوراً لا أراها، وحركات حيوانات تختفي في الظلال، ونبضاً خفياً يوحي بأن المكان يعج بكائنات لا تحصى. الأمازون لا تظهر نفسها دفعة واحدة، إنها تتعمد الإخفاء، كما لو أنها تختبر قدرة الزائر على الإصغاء قبل النظر.
وسط هذا العالم السمعي ظهرت القردة وحدها في العلن، تتقافز فوق رؤوس الزوار بخفة مدهشة، تصرخ وتلهو، وتسرق الطعام بجرأة تضحك أكثر مما تفاجئ، كأنها تقول إن البشر ليسوا دائماً مركز الكون.
بين هذه الحركة والضوضاء الحيوية كان التنوع البيولوجي حاضراً بلا استعراض، نباتات تتشبث بالهواء الرطب، طيور تترك صدى أجنحتها فحسب، وحشرات تصنع موسيقاها الخاصة في الخلفية.
هناك، وسط هذا النبض غير المرئي جلست لأتذوق أشهى المأكولات البحرية، سمك نهري طازج، جمبري صغير بنكهة مركزة، محار يستحضر ملوحة بعيدة على رغم أننا في قلب النهر، موز مقلي، فاكهة استوائية بألوان تشبه لوحة لا تنتهي.
الحياة لا تتوقف عند "مقبرة"
عند عودتنا صادفت أحد المشاهد الأكثر غرابة، فيه مقبرة ضخمة، رمادية، قائمة في وسط المدينة،
شعرت لأول وهلة أنها لا تنتمي إلى هذا المكان، مكان يفيض بالأغاني والألوان والرطوبة والرائحة الحلوة، لكنها كانت موجودة، ثابتة، كأنها تقول إن التناقض جزء من حياة البشر، وإن المدن التي تحتفل لا تنسى موتاها، كان المشهد صادماً ومع ذلك طبيعياً، في بيليم تتجاور الحياة والموت بلا عداوة.
العالم الحقيقي موجود خارج القاعات
اختتمت الرحلة عند مرفأ المدينة، حيث المياه البنية التي لم أفهمها في البداية، لم يكن ذلك بحراً ولا شاطئاً، كان النهر العظيم، الأمازون، بكل ثقله، وعمقه، وامتداده. هناك تناولت مثلجات بنكهة جوز الهند، وكانت من أطيب ما تذوقت. وقفت أتأمل حركة القوارب الصغيرة، وصوت الأطفال، والضوضاء الممزوجة برطوبة الهواء، وشعرت أن المدينة تودعني بلطف.
عدت من بيليم وفي داخلي عالم كامل، عالم لا يشبه المدن التي نعرفها، ولا يتشابه مع أي ذاكرة سياحية مخزنة في ذهني. عدت بفكرة واحدة، وهي أن المدن التي تبنى بجوار الغابات لا تعكس الجمال فحسب، بل تعكس هشاشة العالم وقوته في آن واحد. بيليم ليست مدينة تزار، بل تعاش، ليست مكاناً للمشاهدة، بل للتعلم، إنها مدينة تعطيك درساً في التناقض، في الحياة الخام، في الفقر الذي لا يخفي نفسه، وفي الفنون التي لا تعتذر، وفي الطبيعة التي تقتحم المساحات على رغم كل شيء.
وربما… في زمن تتصارع فيه الدول على الغابات والموارد والمستقبل المناخي، كانت بيليم تذكيراً بأن العالم الحقيقي موجود خارج القاعات، في الشوارع، على المراكب، في ظل شجرة، في ثمرة مانغا تسقط على رأس أحدهم، في موسيقى تجبرك على الرقص حتى لو كنت تقاوم.
بيليم ليست رئة العالم في الهواء فحسب، بل في الحياة نفسها، مدينة تنفخ فينا معنى أن نعيش، لا أن نتنفس فحسب.