ملخص
"كتاب الغرفة" هو كتاب صدر حديثاً للشاعر عقل العويط (دارنوفل – 2025)، ولعل السؤال الذي يطرح تلقاء: هل يمكن حقاً أن يكون للغرفة كتاب؟يأي ما الذي يتبدى في هذا المكان الذي اعتدنا العيش فيه من دون أن ننتبه إليه أو نضعه موضع سؤال، سقف وجدران وباب ونافذة وشرفة وسرير وكرسي ومكتبة وكتب وطاولة وحاسوب؟
أبعد من السكن، تختبئ خلف الغرفة مسالك مختلفة تقود الإنسان نحو تساؤلات وجودية. فالغرفة تسكن وتسكن ساكنها، وفي التماس معها يتفتح الكيان. هي زاوية تحتضن الإنسان، ملاذ يتيح له الانسحاب والاحتماء والعودة للذات، ولعلها تقوده إلى التفكير في العالم الذي يسعى باستمرار إلى الفرار منه، أو للعودة له. ولكن أي ظواهر تنبثق من فعل "السكن"؟ وكيف يشكل السكن الكائن، وكيف يتشكل المسكن به؟
هذا بالضبط ما يجيب عنه الشاعر والصحافي والأستاذ الجامعي عقل العويط في "كتاب الغرفة"، الذي يميل إلى تفكيك الأنواع الأدبية وخلخلتها، بحيث تتقاطع اليوميات والسيرة الذاتية مع الكتابة التأملية، ويتجاور السرد مع الخطاب النقدي، وتدخل التجربة الحياتية في نسيج النص بوصفها مادة للتخييل والتفكير. فالعويط لا يقدم كتاباً عن "الغرفة" بوصفها مكاناً مادياً فحسب، بل يكتب أيضاً نصاً ينتج فيه تمثيلاً وجودياً للذات عبر الزمان والمكان واللغة والعزلة ووظيفة الكتابة. إنه باعتراف الكاتب نفسه كتاب يتجاوز حدوده، "نص مفتوح" على تعدد الأنواع الأدبية، "محض حالة سردية"، نوع من "سيرة ذاتية، أو بعض محطات وشذرات منها"، بصيغة رواية شعرية، أقرب إلى مختبر وجودي تصاغ فيه التجربة الإنسانية في تداخل الحاضر بالماضي والمعيش بالمتخيل والذاتي بالعام. ولعله يشكل بنية أدبية مفعمة بالحميمية الفكرية والوجدانية، تذكر بتجارب الكتابة الذاتية في الأدب العالمي كما في نصوص رولان بارت وإميل سيوران، حيث الكتابة مكان المعنى ومساءلة الذات، وحيث اللغة بيت الكينونة على ما يقول هايدغر.
وبما أن الغرفة، عند العويط، ليست مجرد حيز مادي، بل هي بنية تتراكب فيها طبقات الوجود النفسي والفكري، وتتداخل في فضائها عناصر الحياة الباطنية، فإنها تصبح امتداداً للنفس وأداة لالتقاط ما لا يمكن التقاطه. إنها الجسد والحاضن العقلي الذي يتيح للكتابة أن تتشكل، والمسار الذي تعبد عليه تجربة الذات الكاتبة عبر طقوس الجلوس والسكينة والنوم والحلم والإنصات إلى الداخل. هكذا تغدو الغرفة مرادفاً للذات نفسها، تراقب الكاتب ويراقبها، ترمقه ويرمقها، في إشارة إلى أن الكتابة ليست فعلاً ذهنياً محضاً، بل حوار حي بين الكاتب وأشيائه، بين الذات والفضاء الذي يصوغها. ولعلها لا تدرك موضوعاً فقط، بل تقارب أيضاً بوصفها العدسة التي يرى الكاتب من خلالها العالم.
المرأة والمدفأة
يبدأ العويط نصه، الذي وصفته "امرأة المدفأة والنبيذ والجبنة الفرنسية"، بـ"النص المفتوح"، الذي شبهه هو نفسه بـ"الانهيار الثلجي"، بالحديث عن العزلة التي لا ينظر إليها الكاتب كابتعاد من العالم، بل كشرط لخلق حياة موازية، وصفاء معرفي، وتأمل داخلي. فالعزلة عند العويط تركيب مزدوج: عزلة داخل الغرفة، حيث تتجلى الكتابة، وعزلة داخل العالم الخارجي، إذ يختبر الكاتب هشاشة الوجود وقلقه. بهذا المعنى، تصبح الغرفة درعاً وكشفاً في آن، تمنح إمكان الانسحاب من الفوضى، وتسليط الضوء على أعماق النفس، بما فيها من رعدة ورغبة وشهوة.
ليست عزلة الكاتب في هذا السياق حالة سلبية ولا شكلاً من أشكال الهرب من الحياة، بل هي موقف وجودي يسمح له بأن يحيا "حياتين، حياة في الخارج تدار بضروراتها، وأخرى داخل الغرفة تدار بالكتابة والرؤيا في انسكاب وجداني يروي "فصول وملامح" من "لغته وأسلوبه وأناه، وذكريات حياته والحوادث والأزمنة والأمكنة، والتأملات والتداعيات والاستدعاءات والخواطر والمشاعر"، ولو توقفت هذه العزلة أحياناً لتقتسم الغرفة مع المرأة التي أحبها التي صارت حميميتها من حميميته، التي يصبح حضورها وحضور ابنه منها طاقة تحرك الوجود واللغة، في إشارة إلى لحظات الحب التي "كهربت وجدانه"، التي كتب خلالها قصائد مفتوحة على اللانهاية، علماً أن المرأة في هذا النص هي أيضاً قيمة شعرية ورمزية، تستدعي حال الكتابة وتغذيها، شرارة تطلق نهر الكلمات، وتلبس الجسد والروح ثوب المعنى.
وعلى رغم أن "كتاب الغرفة" يقوم على اختبار العزلة، فإن هذه العزلة لا يمكن فصلها عن مسرى حياة الكاتب في الصحافة والثقافة، التي تشكلت داخل جريدة "النهار" البيروتية، وفي كلية التربية في الجامعة اللبنانية، وفي "حركة الوعي" التي سعت، في مطلع السبعينيات، إلى احتضان حلم جيل بالحرية وترسيخ الممارسة الديموقراطية في المجالين الجامعي والثقافي قبل أن تقطع الحرب مسارها.
ازمة المثقف
من هذا المنطلق يتأمل الكاتب أزمة المثقف الذي يجد نفسه ممزقاً بين صورتين: صورة المنسحب إلى غرفته ليكتب ذاته، وصورة المنخرط في الحياة العامة عبر الصحافة والفكر والسياسة، أو ما يسميه "كائن الغرفة المعتزل" و"الكائن العمومي"، مؤكداً أن الذي يكتب على طاولة غرفته هو ذاته الذي نزل إلى الشارع، وبنى مواقفه وكلمته هناك. ذلك أن التجربة العامة لا تلغي التجربة الخاصة، بل تتممها. وكلاهما ينبع من شعور عميق بالمسؤولية تجاه الذات والآخرين.
ولأن الغرفة ليست انسحاباً من العالم، فإنها أيضاً محاولة لإنقاذ ما تبقى من معنى الحرية في بلد جعله السلاح "مستحيلاً". في مواجهة الانهيارات السياسية والاقتصادية والثقافية التي عصفت بلبنان، تتحول الغرفة بعرف العويط إلى حصن صغير للكرامة الفكرية، وإلى مبادرة فردية لحفظ إمكان التفكير بعيداً من الضجيج والخراب.
إن الغرفة كما تتبدى في هذا السرد الشعري ثورة هادئة، تمارس بفعل الجلوس والكتابة والصمت، وبإقامة الحرة بين الكتب واللغة والأشياء التي ينسج الشاعر معها علاقة وثيقة، التي بين باشلار في مقدمته لـ"جمالية المكان" قدرتها على الاستدعاء. فهي ليست مجرد مواد، بل وسائط اتصال بين الذات والذكرى والخيال. ولعلها تندرج في سياق تقليد فلسفي امتد من هايدغر و"الوجود-في-العالم" و"استبصار الأشياء" إلى والتر بنيامين، لا سيما في نصوصه عن المكتبة ورفوف كتبها.
يقرأ العويط الأشياء بلغة شاعرية حميمة، محولاً قطع الأثاث إلى رفاق. في نصه تتجاوز المكتبة مثلاً معنى وظيفتها الأدبية، لتصبح بيتاً فكرياً يحوي الكاتب ويؤنس وحشته. وهي إلى جانب كونها محفزاً لاستعادة ذكريات الطفولة في البلدة الكورانية، تراقب، ككائن حي، طقوس تحضير القهوة الصباحية، والجلوس قبالة البحر، وسماع صوت فيروز التي خصها الشاعر بنص رائع، ومشاهدة مباريات كرة القدم، فضلاً عن كونها "مكتبة للحب"، و"للخيالات التي تمعن في مراقصته، وتجديد حياته بالجنون والأمل".
السرير النحاس
من هذه الزاوية، نفهم قصة شراء السرير النحاس الذي أقامه الكاتب في الجهة الشرقية من الغرفة، وحديثه عن الشبابيك والشرفة المطلة على البحر والطاولات وألواح الزجاج وصوت زخات المطر والمدفأة والمرايا والأبواب والكتب والمكتب والصور العائلية والصور مع الأصدقاء واللوحات الفنية والمنحوتات والبطاقات البريدية، وتصعيدات الموسيقى الكلاسيكية والدينية والجاز والمعاجم، التي كلما ارتمت لمسة أو نظرة عليها "صارت تنمو مثلما تنمو الرئتان بخفقات الهواء وصهيل الأفكار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينسب عقل العويط للكتب التي قرأها والتي لم يقرأها روحاً، ويعتبر كتابها أصدقاء وشهوداً وحلفاء شهدوا على ولادة كل كتبه ودواوينه ومقالاته التي خطها يوم تولى مع الروائي الياس خوري إصدار "ملحق النهار الثقافي" بطلب من الصحافي والشاعر الكبير أنسي الحاج، فيعدد أسماءهم من المسيح إلى امرئ القيس فإلى بودلير ورامبو والحلاج ودانتي وشكسبير وبروتون وبيسوا وهايدغر وأنسي الحاج ومحمود درويش وشوقي أبي شقرا وجورج شحاده ورينه شار وبروست وهمنغواي وأمين معلوف وأنطوان دو سانت إكزوبيري، وسواهم من كبار الشعراء والأدباء والروائيين والمفكرين الذين كتبوا باللغتين العربية والفرنسية، "لغة الشعر مطلقاً".
ويفرد بعض المقاطع للحديث عن بعض الكتب، وعن زمن الكتابة وطقوسها في تفكر ميتاسردي، وعن الحب والعشق وعلاقته بالمرأة وبأصدقاء العمر أو "الفرسان الأربعة" والموت الذي غيب أحدهم وغيب الأخت الكبرى، وعن الصحافة في زمن الوصايات، معرجاً على انضمامه إلى كلية التربية في الجامعة اللبنانية ودورها الريادي، وإلى "حركة الوعي" ومشروعها التغييري، وإلى تجربته الصحافية في جريدة "النهار" و"الملحق" الذي خلق تياراً ثقافياً وفكرياً وسياسياً وطنياً، شكل محطة فارقة في عمر لبنان الثقافي حتى لحظة توقفه، يوم اشتدت على لبنان "العاصفة الوجودية" فترك "في مهب الجريمة، ليواجه مصيره القاتم بجسده الأعزل".
النهر والبحر
تنساب نصوص "كتاب الغرفة" كتدفق ماء النهر الذي أقام الشاعر في جواره ومشى على ضفافه قبالة البحر الأزرق، وتتدفق معها تجربة وجودية خلاقة، تكتب الحياة بغزارة الحبر والحروف والكلمات، علماً أن العويط استحضر في "كتاب الغرفة" "أطياف" كل الغرف التي سكنها حتى انتقاله إلى مكان إقامته الحالية في أشرفية بيروت. غير أن "الغرفة"، بطلة هذا الكتاب التي تتصدر صورتها هذا العمل، هي التي استحوذت على وجدانه، فغدت مركزاً تتقاطع فيه الذاكرة والحضور، ومسرحاً تتكثف فيه رؤيته للعزلة وللكتابة نفسها.
إن الكتابة عند عقل العويط امتداد للحياة نفسها، لا بل بديل عنها أحياناً. إنها الوجه الذي يعبر عن طبقات الكيان وعن الأفكار والعالم وعن محاولة بلوغ تلك البقعة التي تتقاطع فيها الذاكرة بالحلم، والحاضر بالماضي، والجسد بالفكر. إنها مزيج يخط تجربة النفس المرتطمة بالزمن، التي تعيد خلق نفسها، مستعيدة العالم كله من خلال غرفة واحدة تشتبك فيها الحرية بالعزلة، واللغة بالألم، والحب بالذاكرة. غير أنه في هذا الاشتباك يولد نص يتماهى بمسرى حياة الكاتب الداخلية، ومسرى اللغة، ومسرى الزمن، ومسرى الجسد العاشق في نشوته وانكفائه أحياناً بسبب المرض.
يعلن "كتاب الغرفة" أن الكتابة ليست سرداً لما حدث، بل خلق، وأن الغرفة ليست انسحاباً من العالم، بل عودة له من باب التأمل والتوغل في الحياة الداخلية التي تمنح الوجود معنى. ألم يقل قديماً باسكال: "إن كل تعاسة البشر مردها إلى أمر واحد، هو أنهم لا يطيقون الاعتكاف في غرفة"؟
يبقى أن الغرفة هي مسرح الوجود الفردي، ودلالة على الانفصال عن العالم المادي، وعلى النواة التي يتكثف فيها المعنى، وهي أيضاً من منظور فينومينولوجي فضاء التجربة الحسية التي تسهم في تشكيل الوعي وإنتاج التجربة الوجودية.
ختاماً، لا يقدم العويط سيرة ذاتية تقليدية، ولو استعاد على توالي صفحات كتابه، الذي لا يسير السرد فيه خطياً بل يتدفق كنهر واحد، ذكريات حياته العائلية وعلاقاته بأبويه وشقيقاته وأشقائه وأخواله وأعمامه والقيم التي تنشأ عليها، وعلاقته بالمرأة وبتجربة الموت، معيداً تشكيلها في حواره مع غرفته بلغة شعرية وتأملية، بقدر ما يقدم إسهاماً نوعياً في أدب التأمل العربي المعاصر، لا بسبب موضوعه، بل بسبب طرحه الفلسفي والجمالي واللغوي الذي يجعل من الغرفة فضاء لكتابة الذات كما لم تكتب من قبل.