ملخص
عدَّ الوزير السوداني، إعلان (حميدتي) "لا يعدو أن يكون مجرد محاولة جديدة لـتلميع صورة شوهتها الحقائق والوقائع الميدانية"، مؤكداً أن "المجتمع الدولي يجب ألا يُستدرج إلى هذا الخطاب المضلل"، منوهاً بأن "تجارب عدة من الهدن السابقة، وعلى رأسها اتفاق جدة، أثبتت التزام الجيش السوداني بما وقع عليه، في حين استغلت الميليشيات تلك الهدن لإدخال أسلحة وذخائر وإمدادات لمرتزقتها".
لم يكد صدى صوت قائد قوات "الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو (حميدتي) يفارق الآذان وهو يعلن بمبادرة منه هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، حتى جددت قواته بعد أقل من 48 ساعة هجماتها المتكررة على مدينة بابنوسة وقصفت مسيراتها منطقة الظلطاية بجنوب كردفان.
بينما يشير الواقع الميداني إلى أن هجمات "الدعم السريع" وحصارها لمدن الدلنج وكادوقلي لم يتوقف، فكيف يفسر إعلان الهدنة من جانب حميدتي مع استمرار العمليات الحربية والهجوم علي بابنوسة مجدداً؟ وهل هي هدنة جادة أم مجرد مناورة تضاف إلى الرصيد المتنامي لتاريخ طويل من فشل أكثر من 10 هدن سابقة؟
تصدٍ للهجمات
في السياق أوضح مستشار قائد "الدعم السريع"، إبراهيم مخير أن "الاشتباكات والمواجهات الجارية في الميدان هي في غالبها عمليات تصدٍ للهجمات التي تقوم بها قوات الجيش التي لم تلتزم بموجهات المجموعة الرباعية وتود أن تفسد آمال السودانيين في تحقيق السلام"، مشيراً إلى أنه ليس جديداً علي الدعم السريع أن يعلن وقف إطلاق النار من جهة واحدة لأسباب إنسانية، كما ليس جديداً على الجانب الآخر في الجيش خرقها.
لفت مخير، في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن "الهدنة الإنسانية الأخيرة المعلنة من طرف قائد قوات (الدعم السريع) هدفت إلى تقليل معاناة المدنيين وتمكين منظمات الإغاثة من العمل بأمان واستقلالية، حتى لو استمرت بعض الاشتباكات في الميدان، باعتبار الهدنة خطوة ضرورية لتخفيف الضرر وفتح الطريق أمام معالجة أعمق للأزمة وقد اتفق معها العالم ونحن ملتزمون بالإرادة الدولية الصادقة تجاه السودان".
تابع "الهدف من الهدنة إنساني بحت وليس سياسياً بغرض خلق مساحة إنسانية تحمي تنقل الأبرياء وتسمح بوصول المساعدات الحيوية دون عوائق، غير أن مسؤولية حماية المدنيين تقع على جميع الأطراف ونحن نحث الطرف الآخر على التحلي بالوطنية ووضع مصلحة السودانيين فوق مستوى الطموحات الشخصية والحزبية في السلطة".
مناورة وخداع
في المقابل وصف وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، إعلان قائد قوات "الدعم السريع" عن الهدنة الإنسانية بأنه مناورة سياسية مكشوفة، تتناقض مع الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها قواته بحق المواطنين في عدد من المدن السودانية.
لفت الإعيسر إلى إن "الميليشيات التي تزعم الحديث عن هدنة إنسانية هي ذاتها التي حاصرت المدنيين وجوّعتهم وقصفتهم بالطائرات المسيّرة، وارتكبت فظائع شنيعة شملت تعليق مدنيين على الأشجار ودفن آخرين أحياء". وأشار إلى أن "أحدث هذه الجرائم وقع في مدينتي الفاشر وبارا، ما يجعل حديث قادتها عن الاعتبارات الإنسانية فاقداً لأي صدقية ومحاولة لخداع المجتمع الدولي".
وعدَّ الوزير السوداني إعلان (حميدتي) بأنه "لا يعدو أن يكون مجرد محاولة جديدة لـتلميع صورة شوهتها الحقائق والوقائع الميدانية"، مؤكداً أن "المجتمع الدولي لا يجب أن يُستدرج إلى هذا الخطاب المضلل"، منوهاً بأن "تجارب عدة من الهدن السابقة، وعلى رأسها اتفاق جدة، أثبتت التزام الجيش السوداني بما وقع عليه، في حين استغلت الميليشيا تلك الهدن لإدخال أسلحة وذخائر وإمدادات لمرتزقتها".
أمل أميركي
بدوره أعرب مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس عن أمله في أن يصمد هذا الإعلان وأن يلتزم الطرفان بوقف إطلاق النار بما يفتح الباب أمام مسار إنساني وسياسي جاد، مؤكداً أن واشنطن تابعت الإعلان الأحادي الجانب الصادر عن الدعم السريع في شأن وقف الأعمال القتالية.
جدد بولس تنديد الولايات المتحدة بالفظائع والانتهاكات التي ارتكبتها قوات "الدعم السـريع"، داعياً إلى محاسبة جميع المتورطين فيها وفق القانون الدولي، مشدداً على أن الرئيس دونالد ترمب يعتبر تحقيق السلام في السودان أولوية قصوى ضمن أجندة إدارته، معتبراً أن حماية المدنيين ووقف الانتهاكات يمثلان أولوية لا تحتمل التأجيل، لذلك تواصل الإدارة الأميركية اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية لدعم جهود إنهاء الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من عامين.
وتواجه مبادرة المجموعة الرباعية عدة تحديات، أبرزها رفض الجيش السوداني وتحفظاته على محتوى خريطة الطريق التي تقدمت بها للانخراط في المفاوضات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تعهد بناء على طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في واشنطن بالعمل على إنهاء الحرب في السودان وما تسببت به من فظائع ومأساة، الأمر الذي وجد ترحيباً محلياً ودولياً واسعاً وسط تأكيدات من قبل مجلس السيادة الانتقالي السوداني وقوات "الدعم السريع" بالاستعداد للتجاوب مع جهود واشنطن والرياض من أجل إنهاء الحرب.
أحادية الجانب
على نحو متصل أوضح الباحث في الشئون العسكرية فاروق عبدالماجد، أن الهدنة في المفهوم العسكري هي اتفاق لوقف العمليات القتالية بشكل موقت أو شبه دائم أحياناً، جوهره وقف للأعمال العدائية بين الأطراف المتحاربة بغرض إتاحة مرور المساعدات الإنسانية وإجلاء المدنيين والجرحى، أو حتى إتاحة الفرصة أمام التفاوض السياسي مع تثبيت خطوط الاشتباك، لذلك فهي تختلف عن وقف إطلاق النار من حيث التفاصيل.
يرى عبدالماجد أن الهدنة قد تكون أحادية الجانب عندما يعلن طرف واحد فقط وقفاً للعمليات القتالية من دون موافقة الطرف الآخر، غير أن ذلك لا يلزم الطرف الآخر عسكرياً أو قانونياً وقد يستغلها تكتيكياً ضد الطرف الذي أعلنها، بالتالي فهي في الغالب لا تقود إلى وقف كامل للقتال، ما لم يتبعها اتفاق على هدنة ثنائية.
أما الهدنة الحقيقية في العرف العسكري بحسب عبدالماجد، فهي الهدنة الثنائية أو متعددة الأطراف وهي التي تتسع أمامها الفرص للتطبيق الفعلي على الأرض بقبول الطرفين أو كل الأطراف المتحاربة بها، كما أنها تنطوي على ترتيبات مثل الضمانات وآليات التنفيذ وتحديد العقوبات عند الخرق، وهي الهدنة التي تكون ملزمة وقابلة للمراقبة.
يتابع، "في كل الأحوال فإن الهدنة من طرف واحد لا توقف الحرب كونها ليست اتفاقًا ملزماً، وأنها تستخدَم أحيانًا لأهداف سياسية أو للضغط السياسي أو الدبلوماسي أو التقاط الأنفاس وإعادة التموضع الميداني، ولا تغير قواعد الاشتباك من الطرف الآخر، لأنها لا تُلزِم إلا مَن أعلنها فقط لذلك فهي غالباً لا تؤدي إلى وقف القتال إلا إذا تحولت إلى هدنة مشتركة بموافقة الطرفين".
وكان قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) أعلن الإثنين الموافقة من جانبه على هدنة إنسانية تستمر ثلاثة أشهر، معرباً عن تطلعه أن تضطلع مجموعة الرباعية الدولية بدورها في دفع الطرف الآخر للتجاوب مع هذه الخطوة ومع الجهود الدولية الرامية لوقف الحرب.
أشار حميدتي في خطاب مصور إلى أن موافقتهم على الهدنة الإنسانية ووقف الأعمال العدائية لثلاثة أشهر بمراقبة دولية تجيء استجابة للجهود الدولية، وعلى رأسها مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومساعي مجموعة الرباعية التي تضم كل من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
الانتهاكات والعدالة
أكد قائد "الدعم السريع" في خطابه، أنه سيلتزم مساراً سياسياً يشارك فيه الجميع ما عدا "الحركة الإسلامية الإرهابية" و"الإخوان المسلمين" و"المؤتمر الوطني" بحسب عباراته، محملاً لهم "كل المأساة التي يعيشها شعبنا طيلة ثلاثة عقود".
وكان البرهان أعلن في صبيحة اليوم نفسه، رفضه لأي تسوية تعيد قوات "الدعم السريع" إلى المشهد السياسي السوداني، متهماً مستشار البيت الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بالانحياز لقوات الدعم السريع، والتحول إلى عقبة في سبيل تحقيق السلام بالسودان، بسبب محاولته فرض حلول بعينها على الحكومة.
ومنذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023، فشلت أكثر من 11 هدنة قصيرة الأجل بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكن تم خرقها كلها بشكل شبه فوري، من دون أن تنجح في وقف القتال أو تخفيف المعاناة الإنسانية.
بدأت أولى هذه الهدن في الـ16 من أبريل 2023، ثاني أيام الحرب، بمبادرة من الأمم المتحدة قضت بوقف القتال لمدة ثلاث ساعات يومياً لأغراض إنسانية من بينها إجلاء الرعايا الأجانب وإتاحة الفرصة أمام خروج آمن للمدنيين من مناطق القتال.
متلازمة عدم الثقة
وعلى رغم إعلان الجيش و"الدعم السريع" موافقتهما على تلك الهدنة، فإن العاصمة السودانية، مهد الشرارة الأولى للحرب، بمُدنها الثلاث، (الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري) ظلت تشهد تبادلاً كثيفاً للنيران، في أول الخروقات الواضحة للهدنة.
وظلت متلازمة انعدام الثقة العميق بين الجانبين تهدد كل الجهود المرتبطة بإقرار هدنة إنسانية جادة، ففي حين يعارض الجيش أي هدنة تتيح لقوات "الدعم السريع" التقاط أنفاسها، تتهم الأخيرة الجيش بعدم الجدية والتمسك بالتصعيد العسكري كخيار استراتيجي.
جاءت الهدنة الثانية في الـ18 من الشهر ذاته، عقب اتصالات مباشرة بين قيادة قوات "الدعم السريع" ووزير الخارجية الأميركي وقتذاك، أنتوني بلينكن، سعى خلالها إلى دفع الطرفين نحو تهدئة محدودة، وسط تشكيك واتهامات الجيش السوداني لقوات الدعم السريع بمحاولة استغلال الهدنة المقترحة للتغطية على هزيمتها، ومع حلول أول الساعات المقررة لدخول الهدنة حيّز التنفيذ، تجددت الاشتباكات، وتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاكها.
كانت الهدنة الثالثة في الـ19 من أبريل نفسه، لكنها أيضاً لم تختلف كثيراً عما حل بسابقاتها، حيث أعلن الطرفان وقفاً موقتاً لإطلاق النار، غير أن المعارك تواصلت على الأرض، من دون أن تسفر الهدنة عن تهدئة فعلية، تلتها هدنة رابعة في الـ21 من أبريل نفسه، بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، كانت هي الأطول باستمرارها لمدة ثلاثة أيام (72) ساعة، وعلى رغم أنها بدت أكثر تماسكاً من سابقاتها، فإنها لم تجد كل الالتزام باستمرار القتال المتقطع بشكل متفاوت في عدة مناطق.
منبر جدة
عقب إطلاق منبر جدة التفاوضي بواسطة السعودية والولايات المتحدة في مايو (أيار) 2023، ركزت المبادرة على هدنة إنسانية قصيرة واتفاقات لحماية المدنيين، وبالفعل وقع الطرفان المتحاربان اتفاق "إعلان الالتزام بحماية المدنيين" في 11 مايو، واتفاق "الهدنة قصيرة الأجل والترتيبات الإنسانية" في الـ20 من الشهر ذاته، ثم انخرطا في جولة ثانية من المفاوضات خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر(تشرين الثاني) 2023 بمشاركة منظمة (إيغاد)، غير أن الشواهد كانت تشير إلى الانهيار العملي باستمرار القتال على الأرض، وبقاء أرض الميدان مشتعلة بصورة عرقلت وصول المساعدات ومغادرة المدنيين لمسارح المعارك.
في الـ23 من أغسطس (آب) 2024، انعقدت مباحثات في جنيف بسويسرا على أمل إحراز تقدم أفضل في جانب بناء الثقة بين الطرفين بإقرار هدنة جديدة لكنها واجهت مصير سابقاتها، بعدما اشترط قائد الجيش انسحاب قوات "الدعم السريع" من الأعيان المدنية ومنازل المواطنين أولاً، لتنهار فرصة أخرى لبناء الثقة ووقف موقت لإطلاق النار.