ملخص
تحول الولايات المتحدة نحو السلطوية وخطة ترمب التي ترجح كفة روسيا وتجبر أوكرانيا على الاستسلام، يضع أوروبا أمام خيار حاسم يتمثل في الاستقلال عن واشنطن عسكرياً واستخباراتياً، وسط مخاوف من انهيار الديمقراطية الأميركية وتزايد نفوذ المصالح الاقتصادية على حساب الأمن الدولي.
قد يبدو المشهد وكأننا أمام شرخ في الزمكان: في عالم ما تقاد أميركا بواسطة رجل يتصرف كملك متوهم، يستغل غزو حليف لتحقيق المكاسب، ويكذب ويخدع ويطعن أقرب شركائه، وفي عالم موازٍ يصر حلفاء واشنطن على أن الولايات المتحدة لا تزال قوة خيرة تدافع عن النظام الدولي.
لكن الحقيقة واحدة، وحان وقت الاعتراف بها.
أميركا لم تعد تقود الغرب، ناهيك بالعالم. صحيح أنها لا تزال تملك أضخم جيش واقتصاد، وأوسع نفوذ ثقافي شهدته البشرية، لكنها ديمقراطية تتداعى، وقد وقعت في قبضة جماعة من الانتهازيين الجهلة.
وهؤلاء يتحالفون مع نخبة من المهووسين في عالم التكنولوجيا، يؤمنون بأن بإمكانهم التحكم بالإعلام وتوجيه العقول، بل وصناعة طبقة "متفوقة" تحكم العالم بقبضة التكنوقراط.
وفي هذه الأثناء، يجتمع قادة أوروبا في جوهانسبورغ لحضور قمة الـ20، ويعقدون جلسات مغلقة لبحث كيفية التعامل مع أحدث خطة يطرحها دونالد ترمب، وهي خطة تصب مباشرة في مصلحة روسيا وتدعو عملياً إلى استسلام أوكرانيا... مع فتح الباب أمام تحقيق أرباح للأعمال الأميركية، وربما لمنظمة ترمب نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السؤال الذي ينبغي على القادة الأوروبيين طرحه على أنفسهم اليوم هو: هل ما زال مجدياً الاستمرار في التملق والحرص على عدم إثارة حنق الرئيس الطفل ودخوله في نوبة غضب كبيرة؟
أما الجواب، وفقاً لمصدر غربي رفيع المستوى مرتبط بصورة وثيقة بالأمن الفعلي لأوروبا والمملكة المتحدة، فهو "قولوا له ببساطة أن يذهب إلى الجحيم". هذا التصرف مغرٍ للغاية، بالطبع.
والمصدر محق حين يشير إلى أن الوقت تأخر كثيراً على أوروبا وكندا والمملكة المتحدة وغيرها من الحلفاء لكي يؤسسوا استقلالهم العسكري والاستخباراتي عن الولايات المتحدة.
لماذا؟ لأن أميركا منشغلة اليوم بتمزيق ديمقراطيتها من الداخل، لدرجة أنها خلال عام واحد ستصبح أقرب إلى نسخة من روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، منها إلى أي ديمقراطية غربية مألوفة.
جرد ترمب النظام الدستوري الأميركي من أوراقه واحدة تلو الأخرى. القضاء والمحامون، والأجهزة الأمنية والعسكرية، وحزبه الجمهوري، والبنك المركزي، والإعلام... جميعها تساق لخدمة مشروع سلطوي سيبقى حياً بين ورثته، سواء كانوا سياسيين أم أفراد عائلته.
طبخت خطة ترمب المؤلفة من 28 بنداً "للسلام" في أوكرانيا، بين ستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط، وموسكو. ويتكوف هذا ساذج لدرجة أنه يستخدم هاتفه الشخصي في رحلاته إلى موسكو وتل أبيب، حيث تسرق بياناته على الأرجح لحظة بلحظة.
أما خطته التي ترجح الكفة الروسية فقد جرى التوصل إليها بالاتفاق مع كيريل ألكساندروفيتش دميترييف، رجل الأعمال الروسي الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي الذي يمتلك 10 مليارات دولار في الأقل من أموال الدولة الروسية بهدف "إعادة استثمارها" في الاقتصاد الروسي. ودميترييف خاضع لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية، والتعامل معه غير قانوني لأي أميركي، لكن جاريد كوشنر، صهر ترمب، كان حاضراً هناك أيضاً.
إن الجانب الأميركي من هذه الصفقة هو نفسه المسؤول عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. لم يتوقف إطلاق النار في غزة، لكن الاتفاق الذي صيغ بالتنسيق مع إسرائيل ومن دون أي مشاركة فلسطينية سيؤدي، إذا كتب له النجاح، إلى تحويل إدارة الاحتلال الإسرائيلي لغزة — أو السيطرة عليها — إلى جيوش أجنبية، من دون أي أفق حقيقي للسلام لا للإسرائيليين ولا للفلسطينيين.
لا أحد يواجه ترمب بهذه الحقيقة. ولمعرفة السبب، تكفي عينة مما قاله ويتكوف خلال جلسة استعراضية لمجلس الوزراء الأميركي في أغسطس (آب) الماضي:
"إن أقل ما يقال عن فريقك هو أنه مذهل، وأتمنى شيئاً واحداً فحسب، وهو أن تعود لجنة نوبل إلى رشدها وتدرك بأنك وحدك أفضل مرشح يمكن أن يتلقى جائزة نوبل للسلام منذ أن وجدت، وأكثر من يستحقها".
"نجاحاتك تغير قواعد اللعبة في العالم اليوم، وآمل أن يستيقظ الجميع يوماً ويدرك ذلك. شكراً سيدي".
ويتكوف يعتقد أنه يعرف كيف يتعامل مع ترمب.
لكن بقوله إن الرئيس الـ47 مرشح أفضل من نيلسون مانديلا والدالاي لاما وإيلي فيزل والأم تيريزا، هو يأمل في أن يضمن لنفسه دوراً في وسط كل القضايا، مهما بلغت قلة فهمه بهذه القضايا. وهو يعلم أن ما يريده ترمب، إلى جانب المديح، هو أن يرى مكسباً.
خطة أوكرانيا تقضي بأن يحصل بوتين على الخطوط الدفاعية الجاهزة التي أقامتها أوكرانيا في حزامها الحصين بمناطق دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، من دون إطلاق رصاصة واحدة.
في المقابل، تتخلى أوكرانيا عن أسلحتها بعيدة المدى وتقلص قواتها المسلحة إلى النصف وتتخلى إلى الأبد عن الانضمام إلى "الناتو" وتقبل بأن تكون دولة تابعة مثل بيلاروس، تحت مظلة الكرملين.
أما الإضافة الجديدة في قائمة المطالب الروسية القديمة فهي منح الشركات الأميركية 50 في المئة من أرباح صندوق إعادة الإعمار البالغ 100 مليار دولار لأوكرانيا، باستخدام الأرصدة الروسية المجمدة.
وذلك فوق الصفقة الجائرة الخاصة بالمعادن التي وقعها زيلينسكي مع إدارة ترمب، والتي تمنح الأميركيين السيطرة على 50 في المئة من أرباح الموارد المعدنية غير المستغلة بعد في أوكرانيا.
البندان ممتازان لروسيا، ولأصدقاء ترمب من رجال الأعمال. موسكو تدمر، أميركا تعيد البناء، وأوكرانيا تدفع إتاوة حماية لواشنطن إلى الأبد.
ترمب حدد الخميس المقبل موعداً لتوقيع أوكرانيا على الاتفاق. ومن غير الواضح ما هو "التهديد" المقابل، فواشنطن لم تعد تزود أوكرانيا بالسلاح أصلاً.
صحيح أن واشنطن تقدم الدعم الاستخباري لكن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وجهات أخرى يعملون بجد على إعداد أوكرانيا لليوم الذي ينقطع فيه هذا التدفق الحيوي من المعلومات، لأن أميركا لم تعد شريكاً يمكن الوثوق به.
رئيسة وزراء إستونيا السابقة [مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية الحالية]، كايا كالاس، طرحت مقاربة أذكى للتعامل مع خطة ترمب التي تهدف إلى تحقيق أرباح من استسلام أوكرانيا، من دون أن تذكر الرئيس الأميركي بالاسم.
وقالت "لم يتغير موقفنا. إن نجاح أي خطة سلام مرهون بتأييد أوكرانيا وأوروبا لها. إن كانت روسيا تريد السلام حقاً، كانت لتقبل بعرض وقف إطلاق النار غير المشروط الذي طرح بالفعل في مارس (آذار) الماضي".
وأضافت أن "الهجمات الهجينة الروسية في أوروبا تزداد جرأة. روسيا تمارس إرهاباً ترعاه الدولة"، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي، على رغم عدم امتلاكه قوات، لديه "طرق كثيرة للرد".
وينبغي أن يكون أحد هذه الطرق عدم إخبار ترمب بأن يذهب إلى الجحيم. فكما يعلم كل والد، عندما يكون الطفل الصغير على وشك الدخول في نوبة غضب، فإن أفضل طريقة لإعادته إلى الواقع هي... تجاهله.
© The Independent