ملخص
خطة ترمب للسلام في أوكرانيا، التي تتماشى مع مصالح موسكو، تدعو كييف إلى التنازل عن أراضٍ وخفض جيشها، في ظل حرب وجودية تستنزف روسيا وأوكرانيا، بينما يسعى بوتين إلى تثبيت مكاسب موقتة، وأوروبا تبحث عن وقف إطلاق نار يضمن أمن أوكرانيا من دون خضوع كامل للشروط الروسية
ترك ترمب المشهد يتطور من غير أن تدخل، إذ بدا أنه يحاول إظهار نفسه مستقلاً عن الكرملين، مهدداً بفرض عقوبات على مستوردي الوقود الروسي وملقياً بعض الإهانات، لكن في النهاية، شد فلاديمير بوتين خيوط اللعبة بإحكام، وعاد الرئيس الأميركي يرقص على أنغام موسكو.
إنها خطوة يائسة لكنها فعالة من جانب روسيا لفرض شروط النقاش حول حرب تدرك أنها لا تستطيع كسبها.
وبحسب خطة من 28 بنداً للتوصل إلى سلام في أوكرانيا، كشف عنها للإعلام الأربعاء الماضي، وافقت الولايات المتحدة وروسيا على أن تتخلى كييف عن مساحة واسعة من شرق البلاد، وأن تخفض جيشها إلى النصف، وأن تتراجع عن طلب الانضمام إلى الناتو المنصوص عليه في دستورها، وأن تتخلى عن أي أسلحة يمكن استخدامها في الدفاع عنها مستقبلاً.
الخطة التي رفضها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فوراً، لا تختلف عن الطروحات الأميركية السابقة المتمحورة حول الرؤية الروسية، ولا تأخذ في الاعتبار رفض بوتين المستمر عرض أوكرانيا وقفاً فورياً لإطلاق النار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقوم الخطة على فرضية زائفة مفادها أن أوكرانيا غير قادرة على الانتصار في حربها الدفاعية، وأن التنازلات آتية لا محالة. ومن المقرر أن يناقش زيلينسكي المقترح مع ترمب خلال الأيام المقبلة.
لقد أسهم ترمب بحماسة في جهود الحرب الروسية عبر قطع المساعدات بالكامل عن أوكرانيا، باستثناء الدعم الاستخباراتي. ويعني ذلك، بكلام آخر، أن أوكرانيا ليست على طريق الانتصار. لكن الأمر سيان بالنسبة إلى روسيا.
في الوقت الراهن، تتعرض كييف لقصف ليلي، في سياق حملة روسية هدفها شل قطاع الطاقة الأوكراني وجعل حياة المدنيين مستحيلة في البلاد مع حلول فصل الشتاء. وعلى الجبهة، تتراجع أوكرانيا تكتيكياً في بوكروفسك، لكنها تمسك بزمام المبادرة شمالاً في كوبيانسك حيث تميل الكفة محلياً لمصلحتها.
أي محاولة روسية لاحتلال أوكرانيا بالكامل قد تحتاج إلى قرن وملايين الجنود. وقد أهدرت موسكو بالفعل أكثر من مليون قتيل وجريح منذ عام 2022.
أما الدول الأوروبية وكندا، الأعضاء في "الناتو"، فقد تدخلت لسد الفجوة في التمويل الأميركي لأوكرانيا بنحو 250 مليار يورو. ولو لم توقف واشنطن إمدادات السلاح، لكانت أوكرانيا اليوم في وضع أفضل بكثير، ولربما نجحت في تقويض قدرات الجيش الروسي ودفعته إلى الاندحار، كما حدث في صيف 2022 حين انسحبت القوات الروسية بصورة مفاجئة. لكن ترمب أضعف أوكرانيا، ثم طالب كييف بقبول الشروط الروسية لوقف إطلاق نار أو سلام طويل الأمد. وهو معروف بمحاولته الشهيرة الضغط على زيلينسكي داخل المكتب البيضاوي حين قال له إنه لا يملك أي أوراق رابحة.
واليوم، ترزح أوكرانيا تحت عبء فضيحة فساد، بعد اختلاس مزعوم لمبلغ 100 مليون دولار (76 مليون جنيه) من شركة الطاقة الحكومية. وعلى خلفيتها، وأرغم وزيران على الاستقالة، فيما فر آخرون مقربون من زيلينسكي إلى خارج البلاد.
كما أخفق زيلينسكي في إدارة ملف التجنيد الإجباري. فهناك تقديرات غير رسمية داخل برلمان كييف تفيد بأن عدد المتهربين من الخدمة يفوق عدد الجنود بنحو مليون شخص. وإلى جانب ذلك، يقال إن قرار السماح لمن تراوح أعمارهم ما بين 18 و22 سنة بمغادرة البلاد أدى إلى نزوح يقدر بنحو 100 ألف رجل من سن القتال. علماً أن الحد الأدنى لسن التجنيد هو 25 سنة.
ومع ذلك، لا تزال أوكرانيا صامدة في مواجهة روسيا.
تعاني أوكرانيا نقصاً في القوى البشرية. أما روسيا، التي لا تواجه حالياً هذه المشكلة بفضل الرواتب العالية للجنود في الخطوط الأمامية (نحو 3 آلاف دولار شهرياً)، فتعتمد على التفوق العددي الهائل. لكن أوكرانيا صمدت بفضل الابتكار والحافز. لقد نجحت الحرب المسيرة في تقليص ميزة روسيا المرتبطة بالتفوق العددي، لكن الوضع ما زال بالغ الهشاشة.
هذه حرب وجودية بالنسبة إلى أوكرانيا. فقد تسبب ستالين في مقتل ما يصل إلى 7 ملايين أوكراني خلال المجاعة التي عرفت باسم "هولودومور" في ثلاثينيات القرن الماضي. كذلك شهد القرن الـ20 مجاعتين أخريين بفعل الحكم السوفياتي، الذي حظر أيضاً اللغة الأوكرانية، واغتال الشعراء، وأعاد كتابة التاريخ. لذلك ليس مفاجئاً أن تصاغ كلمة "الإبادة الجماعية" في مدينة لفيف غرب أوكرانيا في أربعينيات القرن الماضي.
أما بوتين، فقد جند الاقتصاد الروسي برمته في سياق محاولاته لغزو أوكرانيا.
وفي سياق متصل، تشير تقديرات "مركز تحليل السياسات الأوروبية" Centre for European Policy Analysis إلى أن روسيا تنفق نحو 30 في المئة من أموالها الفيدرالية على الحرب. وفي روسيا، تراجع النمو الاقتصادي إلى نحو 1.5 في المئة، على رغم ارتفاع التضخم، بتحفيز جزئي من ارتفاع الرواتب في الصناعات الحربية التي تعاني نقصاً في العمالة.
ويدرك بوتين أن الحرب غير قابلة للاستدامة على الأمد الطويل. أما على الأمدين القصير والمتوسط، فسيزداد نفوذ الرئيس الروسي بفضل اقتصاد الحرب المدعوم من العائدات النفطية. بيد أنه في حاجة إلى النصر، وأوكرانيا تطور على جناح السرعة قدرتها على مهاجمة مواقع داخل روسيا، مما ينقل الحرب إلى أراضي "الوطن الأم" ويهدد بتراجع الدعم للمغامرة العسكرية خارج الحدود.
على المدى القريب، لن يمانع بوتين إيقاف القتال عند خطوط التماس الحالية، والسيطرة على التحصينات التي شيدتها أوكرانيا خلف جبهات القتال المدمرة والمروعة الممتدة على طول جبهة الـ800 ميل (1287 كيلومتراً).
ولا شك في أن نصراً من هذا القبيل سيخفف الضغط عن الكرملين، في حين تعاود روسيا التسلح وتستعد لجولة غزو جديدة تلو الأخرى، في أي توقيت تراه مناسباً.
في الوقت الراهن، تصيغ أوروبا خطة لوقف إطلاق النار. ولا تتمثل هذه الأخيرة باقتراح سلام طويل الأمد، بل ترتكز بصورة أساسية على ضمان أمن أوكرانيا المستقبلي في مواجهة الهجمات الروسية، بيد أن هذه الخطة تقوم، في صميمها، على فرضية ترفضها كييف، مفادها أن أوكرانيا ستكون مضطرة إلى تقديم بعض التنازلات لموسكو والتخلي عن بعض الأراضي التي ستبقى محتلة إلى الأبد.
بهذه الطريقة، يبقى بوتين هو من يحدد شروط النقاش، بالتعاون مع الدمى التي يحركها في البيت الأبيض وضمن التيارات اليمينية المتطرفة في أرجاء أوروبا.
الأجدى هو البحث عن شروط تساعد أوكرانيا على الانتصار وقطع الخيوط الروسية الممتدة إلى الساحات السياسية الغربية.
© The Independent