ملخص
يأتي التوجه النووي متسقاً مع أهداف "رؤية السعودية" 2030 التي تستهدف بناء اقتصاد متنوع قائم على التقنية والصناعة، وتقليل الاعتماد على النفط في مزيج الطاقة، مع التركيز على مصادر قادرة على تلبية الأحمال الأساسية على مدار الساعة.
يدخل قطاع الطاقة في السعودية مرحلة تحول جديدة بعد توقيع اتفاقات مع الولايات المتحدة في مجال تطوير الطاقة النووية للاستخدامات المدنية، ضمن مسار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مجالات التقنية والطاقة المتقدمة.
وتسعى المملكة، وفق بيانات وزارة الطاقة، إلى توفير مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات تواكب التوسع في قطاعات تعتمد على استهلاك عال للطاقة، مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتعدين والحوسبة الفائقة.
ويأتي التوجه النووي متسقاً مع أهداف "رؤية السعودية" 2030 التي تستهدف بناء اقتصاد متنوع قائم على التقنية والصناعة، وتقليل الاعتماد على النفط في مزيج الطاقة، مع التركيز على مصادر قادرة على تلبية الأحمال الأساسية على مدار الساعة.
وبحسب باحثين في مجال الطاقة تحدثوا لـ"اندبندنت عربية"، تكتسب المفاعلات الصغيرة المعيارية اهتماماً متزايداً باعتبارها خياراً أكثر مرونة وملاءمة للمدن الصناعية والمناطق ذات الأحمال المرتفعة، إضافة إلى قدرتها على تعزيز استدامة مشاريع التقنية المتقدمة.
ويرى خبراء أن الاتفاق مع الولايات المتحدة قد يفتح المجال أمام نقل تقنيات نووية متقدمة وتطوير سلسلة توريد محلية تدعم الصناعات المرتبطة بالطاقة، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع مرتبط بإجراءات تنظيمية وتشريعية وضوابط أمان نووي يجري العمل عليها بصورة متوازية.
تحول اقتصادي
قال خبير شؤون الاقتصاد والطاقة عايض آل سويدان إن السعودية تتجه نحو مرحلة متقدمة من التحول الاقتصادي ترتكز على منظومة صناعية ورقمية حديثة تعزز تنافسيتها العالمية، مشيراً إلى أن التوسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتعدين يرفع مستويات الطلب على الكهرباء بصورة متسارعة، مما يجعل توفير مصادر طاقة مستقرة وموثوقة أمراً أساسياً لضمان استمرار النمو.
وأوضح آل سويدان أن الاتفاقات التي وقعتها السعودية مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة النووية المدنية تضع أسساً جديدة لتعزيز أمن الطاقة ودعم خطط التنمية الصناعية، مضيفاً أن الاستفادة من التقنيات الأميركية المتقدمة مثل المفاعلات الصغيرة المعيارية سيسهم في توفير قدرات طاقة قابلة للتوسع وتخدم مشاريع التقنية المستقبلية.
وجاء في بيان صادر من البيت الأبيض الأسبوع الجاري أن البلدين وقعا اتفاق تعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، ضمن مسار أوسع لتعزيز الشراكة الاقتصادية والدفاعية بين الرياض وواشنطن.
واعتبر آل سويدان أن التعاون النووي "لا يمثل مشروعاً طاقياً فقط"، بل يشير إلى تحول استراتيجي نحو بناء قاعدة علمية وتقنية راسخة تدعم مسار التنمية الاقتصادية بعيدة المدى.
وفي ما يتعلق بقطاع المعادن الحرجة، قال آل سويدان إن الاتفاق يدعم تطوير سلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات النووية، إضافة إلى توفير بيئة طاقية مناسبة للقطاعات التقنية المتقدمة، مما يعزز قدرة المملكة على بناء صناعة محلية مرتبطة بتقنيات الطاقة المتقدمة.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء في السعودية قد يتجاوز قدرات المصادر التقليدية في السنوات المقبلة، مؤكداً أن توسع البنية التحتية الرقمية والصناعية يتطلب إمدادات كهرباء مستمرة من دون انقطاع.
وقال آل سويدان إن مراكز البيانات والحوسبة الفائقة تمثل أحد أكبر مستهلكي الطاقة عالمياً، نظراً إلى اعتمادها على آلاف الخوادم وأنظمة تبريد عالية القدرة، مبيناً أن مشاريع الحوسبة الفائقة وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد على تشغيل دائم للطاقة، مما يجعل الدول التي توفر طاقة مستقرة ونظيفة أكثر قدرة على جذب هذه الاستثمارات.
التعدين.. صناعة تحتاج إلى طاقة مستقرة
وأضاف أن توفير طاقة نووية منخفضة الانبعاثات قد يمنح السعودية أفضلية تنافسية كوجهة إقليمية لمشاريع الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، خصوصاً في ظل توجه الشركات العالمية نحو مصادر طاقة مستدامة تدعم التشغيل المكثف.
قال آل سويدان إن قطاع التعدين الذي تخطو فيه المملكة خطوات واسعة ومتقدمة ليصبح أحد ركائز الاقتصاد الوطني، ومع زيادة الطلب العالمي على المعادن النادرة، تبرز أهمية توفير طاقة مستقرة ذات قدرة عالية. فالمصاهر ومرافق التكرير تحتاج إلى طاقة تعمل من دون توقف، كما أن العمليات الصناعية الثقيلة تستفيد بصورة مباشرة من الطاقة النووية، مؤكداً أن الربط بين الطاقة النووية والتعدين يعزز القيمة المضافة ويخلق صناعات تحويلية جديدة داخل المملكة.
الطاقة النووية.. دعم مباشر للإمدادات الأساسية
وواصل آل سويدان حديثه قائلاً إن أهمية الطاقة المتجددة واضحة، لكن طبيعتها المتقطعة تجعلها غير قادرة على تلبية الإمدادات الأساسية من دون دعم من مصادر مستقرة، مما يجعل الطاقة النووية خياراً محورياً في المرحلة المقبلة.
وأضاف أن مزايا الطاقة النووية ودورها في دعم القطاعات الحيوية يجعلانها الأنسب للقطاعات عالية الاستهلاك للطاقة في المملكة، ومن أبرزها استقرار الإمدادات، إذ توفر المحطات النووية طاقة ثابتة على مدار الساعة، وهو عنصر أساس لتشغيل البنية الرقمية الضخمة من دون أخطار الانقطاع.
وأشار إلى أن الطاقة النووية منخفضة الانبعاثات وتمثل خطوة مهمة نحو خفض الانبعاثات ودعم التزامات المملكة بالوصول إلى الحياد الصفري، مما يعزز جاذبية الاستثمار في الاقتصاد الأخضر.
وأكد أن الطاقة النووية تخلق تكاملاً مع الطاقة المتجددة، إذ يعد النووي داعماً للأحمال الأساسية، فيما تغطي الطاقة الشمسية والرياح الأحمال المتغيرة، في نموذج طاقي متوازن وفعال.
واختتم بقوله إن الطاقة النووية ذات جدوى اقتصادية طويلة المدى بعد مرحلة البناء، إذ تتمتع المحطات بتكاليف تشغيل منخفضة ومضمونة لعقود، مما يوفر استقراراً للمشاريع التقنية والصناعية الكبرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الطاقة النووية
أكد أستاذ المحاسبة في جامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجه أن مشروع الطاقة النووية في المملكة يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية ويفتح آفاقاً واسعة للتعاون المستقبلي بين السعودية والولايات المتحدة في مجالات الطاقة المتقدمة، وأوضح أن هذا المشروع يعكس توجه الدولة نحو تبني تقنيات حديثة تعزز موقع المملكة ضمن الاقتصادات الصناعية الكبرى وتمنحها قدرة أكبر على بناء شراكات نوعية مع دول رائدة مثل الولايات المتحدة الأميركية بما يدعم مسيرة التحول الوطني.
وأشار الدكتور باعجاجه إلى أن الاتفاقات النووية لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تحمل بعداً اقتصادياً مهماً يتمثل في تنويع مصادر الطاقة وتطوير منظومة متكاملة تدعم النمو الصناعي والرقمي، وأضاف أن المشاريع النووية تعتمد على مستويات عالية من الجاهزية والتنسيق بين الجهات المعنية، مما يسهم في بناء بيئة عمل احترافية وتطوير المهارات الوطنية القادرة على التعامل مع مثل هذه المشاريع الحساسة.
وبين أن إدخال الطاقة النووية إلى مزيج الطاقة سيتيح للمملكة فرصة الاستفادة من أحد أكثر مصادر الطاقة استقراراً وأماناً، بما ينسجم مع أهداف المملكة في تعزيز أمن الطاقة وتحقيق التنمية المستدامة. وفي ختام حديثه أكد الدكتور باعجاجه أن المشروع يمثل بداية مرحلة جديدة، تضع المملكة في موقع متقدم ضمن اقتصاد المستقبل.
دراسات وأبحاث
وفي سياق متصل، وبحسب دراسة صادرة عن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 2024 بعنوان "دراسة جدوى استخدام الطاقة النووية لإنتاج الهيدروجين في السعودية"، توصل الباحثون إلى أن استخدام الكهرباء المولدة من المفاعلات النووية في تشغيل تقنيات التحليل الكهربائي عالي الحرارة يحقق كفاءة أعلى من المصادر النظيفة الأخرى، ويوفر استهلاكاً أقل للطاقة يصل إلى نحو 26 في المئة مقارنة بالطرق التقليدية لإنتاج الهيدروجين. وترى الدراسة أن دمج الطاقة النووية في إنتاج الهيدروجين، يمكن أن يدعم الصناعات الثقيلة ويخفض الكلفة على المدى البعيد.
كما يؤكد تقرير صادر عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك" في فبراير (شباط) 2024 بعنوان "الطاقة النووية في السعودية: مقاربة استراتيجية لأمن الطاقة والاستدامة"، أن الطاقة النووية توفر مستوى عالياً من استقرار الشبكة الكهربائية وتمنح السعودية خياراً منخفض الانبعاثات وذا جدوى اقتصادية خاصة مع توسع استخدام التقنيات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ويرى التقرير أن دمج الطاقة النووية يعالج تحديات مرتبطة بندرة المياه، ويعزز أمن الطاقة على المدى الطويل، بما يتسق مع التحول الاقتصادي.
وتدعم هذه النتائج الرؤية القائلة إن الطاقة النووية ليست مصدراً بديلاً فحسب، بل جزءاً محورياً في بناء مزيج طاقة مستقر يخدم الاقتصاد الرقمي والصناعة المتقدمة، ويعزز موقع المملكة ضمن الاقتصادات الصناعية الصاعدة.