ملخص
مع توسع رقعة القتال، يواجه "حزام الصمغ" التاريخي تهديداً غير مسبوق، إذ تتراجع قدرة المنتجين على جمع المحصول وتسويقه، ويصبح خطر اندثار هذه الثروة الاستراتيجية أكثر قرباً من أي وقت مضى.
على رغم أن إنتاج السودان من الصمغ العربي يُعد ضخماً جداً، ويفوق بكثير ما يصل إلى بورصة التصدير أو الأسواق المحلية، فإن كميات كبيرة منه تُهرب خارج البلاد عبر طرق معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والحدودية.
في ظل اشتداد المعارك بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في ولايات كردفان الثلاث، تتبدى ملامح مرحلة جديدة من الصراع ذات تداعيات عميقة تتجاوز المشهد العسكري إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها قطاع الصمغ العربي. ففي الأيام الأخيرة شهد شمال وغرب وجنوب كردفان مواجهات عنيفة أدت إلى نزوح عشرات الآلاف، بينما يتبادل الطرفان الإعلان عن السيطرة على مناطق استراتيجية مثل جبل أبو سنون وجبل عيسى والعيارة وأبو قعود، في وقت يواصل الجيش تأكيد إحراز تقدم نوعي في محاور القتال حول الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان ومدينة بارا. ويأتي ذلك في سياق خريطة نفوذ متحركة، إذ تفرض قوات "الدعم السريع" سيطرتها على ولايات دارفور الخمس تقريباً، مقابل بقاء أغلب الولايات الـ13 الأخرى تحت قبضة الجيش، بما فيها الخرطوم.
وسط هذا الاضطراب الأمني، يتعرض أحد أهم الموارد الطبيعية في السودان لضربة عميقة، الصمغ العربي، الذي يحتل السودان صدارتَه العالمية بإنتاج يتراوح بين 70 و80 في المئة من المعروض الدولي. ويعتمد أكثر من خمسة ملايين سوداني بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا القطاع، الذي يرتكز على أشجار الهشاب والطلح المنتشرة بكثافة في ولايات كردفان ودارفور والقضارف وأجزاء من النيل الأزرق وسنار. وقد شكل هذا المورد شريان حياة تاريخياً، تتقاطع في جذوره طرق التجارة القديمة مثل درب الأربعين ومسارات القلابات، قبل أن ينتقل التصدير إلى ميناء بورتسودان. وتغطي مزارع الصمغ نحو 500 ألف كيلومتر مربع عبر 13 ولاية، إضافة إلى أهميته العالمية، إذ تستورد الولايات المتحدة نحو ثلثي ما ينتجه السودان، وهو ما يفسر استثناء واشنطن للصمغ العربي من عقوباتها الاقتصادية على السودان في العقود الماضية.
أغلقت التحولات العسكرية الأخيرة فعلياً طرق النقل التقليدية التي تربط كردفان ببقية البلاد، كذلك عطلت الإمداد نحو بورتسودان، ما أدى إلى خنق سلاسل القيمة الخاصة بالصمغ العربي، وتقويض أحد أعمدة الاقتصاد الريفي في الإقليم. ومع توسع رقعة القتال، يواجه "حزام الصمغ" التاريخي تهديداً غير مسبوق، إذ تتراجع قدرة المنتجين على جمع المحصول وتسويقه، ويصبح خطر اندثار هذه الثروة الاستراتيجية أكثر قرباً من أي وقت مضى.
تحول جذري
شكل الصمغ العربي لعقود أحد الركائز الأساسية للاقتصاد السوداني، إذ كان السودان المنتج الأكبر عالمياً، مستحوذاً على الحصة الأكبر من الإمداد الدولي. غير أن الحرب التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، أحدثت تحولاً جذرياً في هذا القطاع الحيوي، بعدما حولت مساحات واسعة من أحزمة الإنتاج في كردفان ودارفور إلى ساحات مواجهة مفتوحة. هذا التدهور الأمني انعكس مباشرة على حجم الحصاد والأسعار، حيث سجل الصمغ ارتفاعاً في أسعاره تجاوز نحو 10 في المئة خلال العام الجاري، في ظل انخفاض المعروض وتراجع القدرة على الوصول إلى مناطق الإنتاج.
قبل اندلاع الحرب، كان الصمغ العربي يمثل أحد أعمدة الصادرات الزراعية للسودان، فقد بلغت قيمة صادراته عام 2022 نحو 183 مليون دولار، ليحل ضمن أهم 10 صادرات وطنية. وعلى رغم بعض المحاولات لإدخال أصناف محسنة من أشجار الهشاب وتطوير مشاريع التصنيع المحلي، ظل التقدم محدوداً بفعل غياب بنية تحتية قوية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ومع اشتداد القتال وتوسعه جغرافياً، تراجعت قدرات الإنتاج والنقل والتخزين على نحو غير مسبوق. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن إنتاج موسم 2023/ 2024 هبط إلى أقل من 40 ألف طن، مقارنة بمتوسط تراوح بين 80 و100 ألف طن قبل الحرب. كذلك يهرب ما يزيد على 40 في المئة من الإنتاج عبر دول الجوار، تشاد وجنوب السودان والسنغال، حيث يُعاد تصديره تحت تسميات منشأ مغايرة.
وبفعل الفوضى الأمنية، أصبحت عمليات الجني والنقل محفوفة بالأخطار، مع توسع ظاهرة النهب وفرض الإتاوات من مجموعات مسلحة تسيطر على مسارات التجارة. وتسببت هذه الظروف في توقف عدد كبير من الشركات المحلية والأجنبية وانهيار شبه كامل لسلاسل الإمداد، ما دفع الصادرات الرسمية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، لتقف البلاد على عتبة فقدان أحد أهم مواردها الطبيعية وأكثرها قدرة على جلب العملات الصعبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أزمة مركبة
يتعرض قطاع الصمغ العربي في السودان لأزمة مركبة تتشابك فيها التحديات الإنتاجية واللوجستية والاقتصادية، لتكشف عن فجوة متسعة بين القيمة الفعلية لهذا المورد في الأسواق العالمية وبين ما يتحقق فعلياً للاقتصاد المحلي. فمن قبل كانت أبرز التحديات تتمثل في القطع الجائر لأشجار الهشاب والطلح واللبان بسبب ارتفاع عائد الفحم مقارنة بعائد الصمغ، إضافة إلى التهريب وتأثيرات تغير المناخ، إلا أن الحرب دفعت بهذه التحديات إلى مستوى أعلى خطورة.
قال الباحث الاقتصادي عمر سيد أحمد "إن السودان يواجه اليوم صعوبات حقيقية في تحقيق القيمة المضافة من الصمغ العربي، على رغم مكانته المحورية في التجارة الدولية". وأفاد بأن "القيمة السوقية للإنتاج الخام قبل الحرب كانت تتراوح بين 120 و180 مليون دولار سنوياً، بينما يمكن أن تتصاعد إلى 600 – 800 مليون دولار عند تحويله إلى منتجات صناعية نهائية، تشمل المستحلبات الغذائية والمكملات الصحية ومستحضرات التجميل والصناعات الدوائية. وهو ما يعكس فجوة هائلة في العائدات المهدرة". وأورد أن الرسوم الداخلية الباهظة، التي تصل إلى 1300 دولار أميركي للطن، مقارنة بدول الجوار التي تفرض نحو دولار واحد فقط، دفعت كثيراً من المصدرين إلى الاعتماد على التهريب، ما يحرم الدولة من مئات ملايين الدولارات سنوياً".
ويضيف عمر أن تصدير 60 ألف طن من الصمغ الخام بعائد يقارب 180 مليون دولار، كان يمكن أن يحقق 600 مليون دولار عند التصنيع، ما يعني خسارة مباشرة تفوق 420 مليون دولار سنوياً. وأفاد بأن القيمة العالمية للطن الخام تتراوح بين 2500 و3800 دولار، بينما تقفز بعد التصنيع إلى 8000 – 12000 دولار، أي أربعة أضعاف السعر الأولي. ويرى أن تراجع الأسعار المحلية إلى أقل من 25 دولار لـ"القنطار" (يعادل 100 كلغ)، أفقد المنتجين الحافز، تزامناً مع نزوح واسع ضرب مناطق الإنتاج في شمال وغرب كردفان، وترك كثيراً من المزارع من دون رعاية، ما جعل الأشجار عرضة للقطع بغرض الوقود.
وفي الجانب الميداني، ينوه رئيس شعبة مصدري الصمغ العربي أحمد العنان إلى "أن عملية نقل الصمغ من الغابات إلى أسواق الريف ثم إلى بورصات الأبيض والنهود أصبحت شديدة الخطورة والتكلفة، إذ يضطر المنتجون إلى سلوك طرق طويلة لتجنب مناطق الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع". ويؤكد "أن معظم غابات الصمغ تقع داخل نطاق المواجهات، وأن المنتجين يواجهون ظروفاً قاسية ونزوحاً متصاعداً"، إضافة إلى تهديدات أمنية تعيق التحرك الحر للبضائع. وينفي العنان وجود أي استثناءات أو تنسيق رسمي لتسهيل نقل الصمغ، موضحاً أن كل ما يتم مجرد اجتهادات فردية من المنتجين وصغار التجار وشركات التصدير، في ظل غياب منظومة حماية أو دعم واضحة".
خطر التهريب
برز التهريب كأحد العوامل الأكثر تأثيراً في إضعاف موقع السودان كمورد عالمي رئيس لقطاع الصمغ العربي كمنتج استراتيجي. وعلى رغم أن إنتاج السودان من الصمغ العربي يُعد ضخماً جداً، ويفوق بكثير ما يصل إلى بورصة التصدير أو الأسواق المحلية، فإن كميات كبيرة منه تُهرب خارج البلاد عبر طرق معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والحدودية.
أوردت وكالة "رويترز" أن تجاراً في قطاع الصمغ العربي، الذي يدخل ضمن مكونات صناعات عالمية كبرى، أفادوا بأن عمليات التهريب تتزايد خصوصاً من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات "الدعم السريع" في كردفان ودارفور منذ أواخر 2024، وهو ما يعقد المساعي الغربية للإبقاء على سلاسل توريدها بعيدة من مناطق النزاع. وبحسب تلك المصادر، فإن جزءاً كبيراً من الصمغ ينقل إلى خارج السودان عبر تجار محليين يدفعون رسوماً لقوات "الدعم السريع" وبعض الميليشيات، قبل أن يشق طريقه نحو دول الجوار عبر معابر غير رسمية وأسواق حدودية متشابكة.
وفي المقابل، قال ممثل لقوات "الدعم السريع" إن "القوات قامت بحماية تجارة الصمغ وجمعت رسوماً ضئيلة فقط"، مضيفاً "أن الحديث عن انتهاكات أو استغلال موارد الدولة دعاية مضللة". كذلك حظرت القوات في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 تصدير 12 سلعة إلى مصر، منها الصمغ العربي، رداً على ما قالت إنه غارات جوية مصرية استهدفت مجموعات تابعة لها، الأمر الذي أعاد رسم خريطة الحركة التجارية عبر الحدود.
وقال الأستاذ في الجامعات السودانية محمد الناير إن "عمليات التهريب خلال الفترة الأخيرة أثرت بصورة مباشرة على وضع السودان في سوق الصمغ العالمي، بحيث لم يعد يلبي 80 في المئة من الطلب الدولي كما كان في السابق". وأفاد بأن تمدد الصراع إلى كامل الحزام الممتد من غرب السودان إلى شرقه أصاب القطاع بالشلل، وهو حزام يؤمن لقمة العيش لما لا يقل عن 5 ملايين شخص يعتمدون على تجارة الصمغ ومشتقاته. وأورد الناير "أن صادرات السودان خلال الأعوام الماضية لم تتجاوز 50–60 ألف طن بإيرادات تراوحت بين 120–130 مليون دولار، على رغم أن الإنتاج الكلي يفوق هذه الكميات بكثير، ما يعكس حجم التسرب عبر التهريب".
ويرى الناير "أن أخطر ما يهدد القطاع هو الطفرة الكبيرة في التهريب، في ظل انعدام الاستقرار الأمني وتفكك الرقابة"، مضيفاً أن الحل يكمن في قرار جذري يتمثل في منع تصدير الصمغ خاماً والسماح فقط بتصديره مُصنّعاً، خصوصاً مع توافر قدرات تصنيع محلية لإنتاج البُدرة الرذاذية المستخدمة في الصناعات الدوائية والغذائية والمشروبات الغازية والحلويات". ويتابع "هذا التوجه وحده كفيل بإغلاق منافذ التهريب ورفع قيمة العائدات وتحويل الصمغ العربي إلى مورد اقتصادي مستدام على رغم ظروف الحرب".
سيناريوهات محتملة
يقف قطاع الصمغ العربي في السودان عند مفترق طرق حرج، حيث تتقاطع آثار الحرب الممتدة مع هشاشة البنية الاقتصادية وضعف الحوكمة، ما يطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول، وهو الأكثر قتامة "استمرار الحرب"، فإذا استمر الصراع بين الجيش و"الدعم السريع" بلا أفق سياسي، ستتعمق خطوط التماس في إقليم كردفان، لا سيما في مدينة بابنوسة التي تحولت إلى محور استراتيجي بالغ الحساسية بوصفها نقطة وصل مركزية وخط إمداد يربط معظم مدن الإقليم، فضلاً عن إحاطتها بحقول النفط ومحطات النقل الحيوية. ويؤدي هذا الوضع إلى تحويل الصمغ العربي إلى سلعة خاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة، إذ تتحكم في مسارات نقله وجباياته، وتقيد قدرة المنتجين والتجار على الوصول إلى الأسواق. وفي ظل غياب الدولة وفقدان الأمن، يصبح إنقاذ القطاع مستحيلاً، إذ إن كل ما يتعلق بالإنتاج والتصدير وعودة النازحين واستعادة الثقة الدولية مرهون بوقف شامل للحرب وبسط سلطة القانون.
والسيناريو الثاني، احتمال تحقق استقرار نسبي، ويفترض هذا المسار نجاح الجهود الإقليمية والدولية في فرض هدنة، يسعى إليها شركاء "الرباعية" (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر). وعلى رغم أن الهدنة قد تعيد فتح طرق الإمداد تدريجاً، إلا أن التعافي سيكون بطيئاً ومحدوداً. فمن المتوقع فقدان السودان جزءاً من موقعه التنافسي الذي كان يحتفظ عبره بحصة تصل إلى 80 في المئة من السوق العالمية. كذلك سيواجه المنتجون تحديات إعادة بناء البنية اللوجستية وترميم الثقة التجارية واللحاق بقدرات الإنتاج والتصنيع التي باتت دول أخرى تطورها بسرعة. ربما يستعيد القطاع حيويته جزئياً، لكنه يخسر مركزه القيادي بالخريطة العالمية للصمغ.
أما السيناريو الثالث، فيتأسس على تدخل دولي منظم يستخدم الصمغ العربي كرافعة اقتصادية لإعادة الإعمار. فقد نشرت منظمة "الفاو" عام 2020 دراسة ضمن "برنامج السياج الأخضر العظيم"، أوصت بالتوسع في زراعة أشجار الصمغ للتكيف مع تغير المناخ، وأعلنت خطة عمل مشتركة مع الهيئة القومية للغابات وعدد من المنظمات. كذلك حصل السودان على مِنح من "البنك الدولي" و"الصندوق الدولي للتنمية الزراعية" و"الفاو" لإحياء حزام الصمغ العربي في الولايات الأكثر إنتاجاً. ويتقاطع هذا الاتجاه مع الاستراتيجية القومية للصمغ العربي 2020–2030 التي اعتُمدت عام 2021، واشتملت على تسعة أهداف و45 مشروعاً، أبرزها حماية الغابات وتحسين بيئة الإنتاج ودمج الأسواق وإزالة الرسوم المعيقة وتطوير آليات الطق والبحث العلمي، إضافة إلى دعم المجتمعات المحلية بخدمات التعليم والصحة مجاناً. في حال تفعيل هذه الحزمة من البرامج، يمكن للصمغ العربي أن يتحول إلى قاطرة إنعاش اقتصادي تعيد الحياة إلى المناطق المتضررة، وتضع أساساً متيناً لصناعة تحويلية مستدامة.