ملخص
"زنقة مالقة" لا يعد فيلماً خاصاً بجدة المخرجة مريم توزاني، بل تجربة إنسانية تخص السيدات في مرحلة الكبر، ويعبر عن المشاعر الإنسانية التي مهما طال الزمن تظل متمسكة بالحب والهوية والأمل وعشق الحياة الذي لا ينتهي. وعلى رغم الإيقاع الدرامي البطيء لكن طبيعة القصة والحبكة تتناسب تماماً مع وتيرة العمل الذي يعبر عن التأمل والحنين والمشاعر والذكريات
تتـقن المخرجة المغربية مريم توزاني تجسيد مشاعر المرأة وقضاياها وهمومها العاطفية ومعاناتها في المجتمع بطريقة شديدة النعومة والعمق وبصورة سينمائية تنفرد بها، وفي الفيلم المميز "زنقة مالقة" تتوالى إبداعات توزاني في عالم المرأة بتقديم معاناة النساء في سن الشيخوخة والصراع بين العقل والقلب وقضية الهوية وجحود الأبناء والحب المتأخر والأمل في مستقبل جديد، ولو في عمر الـ80.
الفيلم من بطولة الإسبانيتين كارمن مورا ومارتا إيتورا والمغربي أحمد بولان، وتأليف مريم توزاني بالتعاون مع زوجها المنتج والمخرج المغربي الشهير نبيل عيوش. تدور أحداث العمل الذي أثار الجدل فور عرضه بمهرجان القاهرة السينمائي حول ماريا، سيدة مسنة ولدت في الجالية الإسبانية في طنجة، وتبلغ من العمر 79 سنة، وتعيش في مدينة مولدها نفسها. واستقرت ماريا بطنجة شمال المغرب منذ ثلاثينيات القرن الماضي عقب الحرب الأهلية في إسبانيا، وتزوجت وأنجبت ابنتها الوحيدة كارلا.
تعاني ماريا الوحدة بعد وفاة زوجها وانتقال ابنتها الوحيدة للعيش في إسبانيا، ومع الوقت تتأقلم على الحياة بمفردها، وتملأ وقتها بالحب وتجمعها الصداقة مع أبناء الحي والجيران ومشاركة ذكرياتها وماضيها في المدينة، ولا تنسى ماريا زيارة قبر زوجها الذي دفن في الجوار، ليكون قريباً حتى وهو غائب عن الحياة من كل الذين شاركوه أيام حياته الجميلة.
تحول متأخر
تعيش كارلا ابنة ماريا في إسبانيا، وتعمل ممرضة بدخل متواضع بعد زواجها وإنجابها طفلين، وتنقلب الأحداث عندما يتوفى زوج ماريا وتجد نفسها تعول صغيرين وسط ظروف مادية طاحنة. تتوجه كارلا لطنجة لتزور أمها وتفاجئها بطلبها بيع شقتها التي عاشت فيها كل حياتها وتحمل ذكرياتها، وهنا تشعر ماريا بصدمة كبيرة من موقف ابنتها الرافض كل الحلول والمتمسك فقط ببيع العقار ورحيل الأم معها لمقر إقامتها في إسبانيا تغلباً على الأزمة المادية.
ترفض الأم هذا العرض، لكنها تصطدم بجحود الابنة وإصرارها على نزع والدتها من الجذور في أيامها الأخيرة على رغم توسلاتها. ومع الضغط الشديد ترضخ ماريا لطلب ابنتها مع التمسك بالبقاء في طنجة في أي وضع، وتقرر كارلا وضع أمها في دار لكبار السن بالمدينة، لأنه المكان الوحيد المتاح.
تترك الابنة الشقة لسمسار عقارات حتى يعثر على مشتر جيد، وتترك بعض المال لأمها، وتحاول ماريا التأقلم على الحياة وسط دار المسنين، لكنها تشعر بحزن شديد وتفشل في مواءمة الوضع فتقرر ترك المكان، والعودة لشقتها من دون أن يعرف أحد.
تتوالى الأحداث وتتصارع الذكريات داخل ماريا، وتصر على استعادة أثاث شقتها الذي باعته الابنة لأحد التجار بثمن زهيد، ومن هنا تتعرف ماريا على ذلك التاجر العجوز عبدالسلام، وتبدأ بينهما صداقة وقرب ينتهي بشعور عاطفي بين اثنين على مشارف الثمانينيات من العمر.
تحاول ماريا كسب قوت يومها لتستطيع العيش في أيامها الأخيرة، ويساعدها الجيران والأصحاب. وتدرك في تلك اللحظات أنها وبعد هذا العمر تعيش مرحلة جديدة، وربما مستقبل مختلف عن الأعوام الـ80 الماضية من حياتها، فتنبض بالمشاعر والحب والأحاسيس الدافئة كأنها فتاة في بداية حياتها، وتكتشف أن القدر لا يكف عن منح الفرص والمشاعر واللقاءات العاطفية السعيدة مهما تأخر الوقت.
تتوطد علاقة الثنائي ماريا وعبدالسلام ويقرران بدء رحلة جديدة في حياتهما، ويحاولان استعادة أثاث الشقة الذي جرى بيعه لآخرين. وينجح الاثنان في المهمة ويحصلان على كل الأثاث حتى آخر قطعة، وهو جهاز غرامافون. وبعودة الآلة الموسيقية الكلاسيكية تشعر ماريا أنها عادت للحياة وتتصاعد الموسيقى داخل روحها، وعلى أنغامها تمتزج المشاعر والأحاسيس المفعمة بالأمل والسعادة.
يتوتر الموقف بصورة مؤسفة عندما تكتشف الابنة ما فعلته الأم بداية من عودتها للشقة محل النزاع، إضافة إلى علاقتها العاطفية مع عبدالسلام. تحدث مواجهة مؤلمة بين كارلا وماريا، وترفض الأولى مغادرة بيتها مهما كانت العواقب.
تتوحد مشاعر الجميع مع ماريا وإصرارها المستحق للحفاظ على بيتها وحياتها ومستقبلها، ويضع الفيلم المشاهدين في موقف إنساني ينتصر للحب والمشاعر والحفاظ على الجذور، مهما كان المقابل المادي مجزياً أو كانت الدوافع مقنعة.
يتوغل الفيلم في منطقة فنية خصبة، وهي حياة المسنين ومشاعرهم ومشاعر النساء في سن الـ80، ويغزل حالة من التعاطف حينما يفكر الجميع في أنه قد يقع يوماً في موقف مشابه لماريا في مرحلة الكبر، ويواجه تعنت الأبناء وجحودهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هموم النساء
احترفت مريم توزاني تقديم هموم النساء في مواجهة نظرة المجتمع وأحكامه وتقاليده، لكنها استفاضت هذه المرة في وصف مشاعر سيدات في ضعف عمرها، واستوحت القصة كما أكدت من قصة حقيقية ووضعتها في قالب سينمائي درامي شاعري. وقالت إن جدتها إسبانية وتأثرت بها كثيراً، وقررت تقديم عمل يعبر عن مرحلة هذه السيدة العمرية ومثيلاتها من النساء.
وعلى رغم أن الشخصية الأساسية للعمل انعكاس غير مباشر لجدتها قالت توزاني إن تسلسل الأحداث والقالب الدرامي استوحته عندما توفت والدتها ودهمها ألم شديد عند جمع متعلقاتها الشخصية من مدينة طنجة، وهذه المشاعر أيقظت داخلها كثيراً من ذكريات الطفولة، وأشارت إلى أنها تنتمي وعائلتها إلى مدينة طنجة الساحرة، التي بمجرد وجودها فيها شعرت بحنين كبير فقررت تقديم عمل يعبر عن جدتها وآلام لفقد والحنين للمدينة والتمسك بالهوية في الوقت نفسه.
ولأن جدتها كانت تنبض بالحياة حتى اللحظات الأخيرة قررت تقديم فيلم يحمل الأمل للمسنين، ويعبر عن مشاعرهم التي لا يمحيها التقدم في السن، فجاء العمل ليعبر عن حب الحياة حتى اللحظات الأخيرة. وقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، وأحدث تأثيراً مميزاً لدرجة أنه رشح لتمثيل المغرب في أوسكار لعام 2026. وعرض العمل في المسابقة الدولية للدورة الـ46 لمهرجان القاهرة السينمائي، ليكون أكثر الأفلام التي تركت صدى جيداً بين الجمهور والنقاد.
وجسدت دور ماريا الممثلة الإسبانية المخضرمة كارمن مورا، التي اشتهرت بشخصية ألمودوفار الشهيرة في أفلام مثل "عادات مظلمة" (1983) و"قانون الرغبة" (1987) و"العودة" (2006). ونجحت كارمن بموهبتها المتفردة في تجسيد الدور بإجادة لا غبار عليها، وعبرت المخرجة وكاتبة السيناريو عن كثير من النقاط، وأهمها ارتباط طنجة أو شمال المغرب الوثيق بإسبانيا.
وكشفت عن أنها صورت المشاهد في الشوارع الحقيقية، وتعمدت ترك أصوات الشارع والناس بصورة طبيعية لتكون جزءاً واقعياً من العمل لتضفي صدقية ودفئاً غير مصطنع على السياق بالكامل.
وعلى رغم جدية الأحداث واقترابها من الدراما القاتمة تخلل العمل كوميديا الموقف التي خففت من الألم أحياناً، وجعلت المشاهد أكثر تأثيراً وعمقاً، بخاصة مشاهد هرب ماريا من دار المسنين، وحكاياتها عن تجاربها السابقة وعلاقتها الحميمة.
وكانت أكثر المشاهد الكوميدية هي التي جمعت بين ماريا وأختها الراهبة المتدينة، التي كانت تفاجئها بحكايات جريئة تصدم الأخت المتزمتة دينياً، وتعكس روح ماريا المرحة التي لا تزال تضج بالحياة والرغبة.
"زنقة مالقة" لا يعد فيلماً خاصاً بجدة المخرجة مريم توزاني، بل تجربة إنسانية تخص السيدات في مرحلة الكبر، ويعبر عن المشاعر الإنسانية التي مهما طال الزمن تظل متمسكة بالحب والهوية والأمل وعشق الحياة الذي لا ينتهي. وعلى رغم الإيقاع الدرامي البطيء لكن طبيعة القصة والحبكة تتناسب تماماً مع وتيرة العمل الذي يعبر عن التأمل والحنين والمشاعر والذكريات. وأخيراً، جاء الفيلم معبراً عن رسالة للأبناء والمعاملة التي يجب أن يعاملوا بها أمهاتهم مع تقدم العمر بهن.