ملخص
قصة شركة ناشئة باعت وهماً باسم الذكاء الاصطناعي وجمعت مليار دولار تكشف عن ثقافة وادي السيليكون القائمة على الجشع والخوف من تفويت الفرص، وتثير الشكوك حول ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي حقيقة أم مجرد فقاعة جديدة ستنفجر قريباً.
هناك حكاية تتداول اليوم تختصر ما يمكن وصفه بـ"فقاعة الذكاء الاصطناعي" بكل وضوح.
إنها قصة شركة ناشئة روجت نفسها باعتبارها صاحبة ذكاء اصطناعي "عبقري" قادر على تسجيل اجتماعات الفيديو، وكتابة محاضر كاملة ترسل بعد دقائق من انتهاء الاجتماع.
هذا ما زعمته الشركة.
أما الحقيقة، فكانت أبسط بكثير، ففي بدايات المشروع، لم يكن هناك ذكاء اصطناعي، بل مجرد رجلين ينضمان إلى الاجتماع ويشاركان فيه بصورة صامتة، ويجلسان ويدونان الملاحظات بخط اليد، ثم يرسلان محضراً "منشأ بالذكاء الاصطناعي" بعد 10 دقائق.
لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك إذ اعترف سام أودوتونغ، الشريك المؤسس لشركة "فاير فلايز إيه أي" Fireflies AI، بذلك صراحة الأسبوع الماضي في منشور على موقع "لينكدإن"، "أخبرنا العملاء بأن هناك ذكاء اصطناعي سيحضر الاجتماع. في الواقع، كنت أنا وشريكي فقط، نشارك في المكالمة بصمت ونسجل الملاحظات يدوياً".
ويضيف "بعد كتابة محاضر أكثر من 100 اجتماع – غفونا في كثير منها – تمكنا أخيراً من دفع إيجار غرفة صغيرة في سان فرانسيسكو بقيمة 750 دولاراً، عند هذه النقطة قلنا: ’يكفي، حان وقت الأتمتة‘".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واليوم تقدر قيمة الشركة بمليار دولار، وفق آخر جولة تمويل.
تذكرنا هذه القصة بأجواء فيلم "كيمي" "Kimi" لستيفن سودربرغ، إذ يتولى موظفون بشريون الاستماع إلى مستخدمي التطبيق، لصقل قدراته المفترضة على فهم أصوات البشر.
ولا نعرف بعد إن كانت هذه الحكاية مؤشراً على بداية انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع بيع "سوفت بنك" اليابانية جزءاً من أسهمها في "إنفيديا"، الشركة التي تعد شرائحها أساس كل ما يبنى في هذا المجال. إلا أن "سوفت بنك" تعتزم إعادة استثمار الأموال، في مزيد من مشاريع الذكاء الاصطناعي طبعاً، وهي مشاريع تتطلب من التمويل، مما يجعل حتى ثروة إيلون ماسك البالغة تريليون دولار تبدو متواضعة، في حين أن العوائد المحققة حتى الآن لا تزال محدودة للغاية.
الحقيقة أن وادي السيليكون يقوم على مزيج بدائي من الجشع والخوف، الجشع مفهوم، أما الخوف فهو من تفويت "الفرصة الذهبية" التالية، كالتي يشعر المستثمرون بها في كل مرة يرون مساعداً تنفيذياً يقود سيارة "بورش" بعد أن باع أسهم "غوغل" كان قد اقتناها عندما لم يكن اسم الشركة معروفاً.
هذه العقلية قادت مستثمرين أثرياء و"أذكياء" إلى حفر ثقوب سوداء بأنفسهم، خذ مثلاً الذين ضخوا ملايينهم في "ثيرانوس" Theranos ووعدها الكاذب بتغيير عالم التحاليل الطبية، أو هؤلاء الذين يلهثون خلف تقييمات فلكية قبل أن يصرخ أحدهم: "الأمر برمته خدعة".
وربما لذلك يندفع مؤشر "فوتسي 100" نحو مستويات قياسية تقارب 10 آلاف نقطة، بفضل مجموعة من الشركات المملة، ولكن الموثوقة التي تدفع أرباحاً ثابتة ولديها منتجات مثبتة (وإن لم تكن دائماً أخلاقية – نعم، نتحدث عن شركات النفط الكبرى والتبغ). كثيراً ما اعتبرت هذه السوق ملاذاً دفاعياً لأولئك القلقين من انفجار الفقاعات أو تدهور الأوضاع العالمية.
وعلى رغم أن قطاع التكنولوجيا لا يزال "الأكثر جاذبية"، سيظل هناك دائماً مكان للبنوك التي تقدم فوائد على الودائع وتمنح قروضاً عقارية، ولمتاجر "تيسكو" التي تتقن بيع البقالة، ولـ"أسترازينيكا" التي تبيع أدوية يعتمد الناس عليها فعلاً.
في هذه الأثناء، سيقضي الرئيس التنفيذي لشركة "فاير فلايز"، كريش رامينيني، أياماً صعبة وهو يجيب عن اتصالات المستثمرين القلقين من أن تكون شركته قصة فشل جديدة. والمستثمرون عادة حساسون جداً تجاه هذا النوع من الفضائح.
ولا نعرف حتى الآن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي هو الثورة التي وعدنا بها، تمهيداً لعوالم شبيهة بالتي رسمها الكاتب ويليام جبسون بـ"نيورومانسر" Neuromancer وكل ما فيه من ذكاء خارق، أو أنه مجرد مثال جديد على المبالغة في الدعاية التكنولوجية.
لكن المؤكد أن قصصاً كهذه تمنح المشككين ذخيرة لا تنفد.
© The Independent