ملخص
بعض من المصريين يعبرون عن القلق من مساحات "الأوكسجين" الثقافي والإعلامي والحواري التي يقوم مثقفون وإعلاميون وكتاب بمد أصحاب الأفكار الدينية المتشددة المنعوتة بالملتزمة لدى محبيها بها.
"كان يوم أسود يوم ما وافقت ألبس طرحة"، أحدث عناوين "اللقاء القنبلة"، و"الحوار المشكلة"، و"القضية المعضلة" التي هزت السوشيال ميديا في مصر، وشغلت بال القاصي والداني.
ياسمين الخطيب، التي تقدم نفسها باعتبارها فنانة تشكيلية وكاتبة ومذيعة، استضافت "بلوغر" تدعى أمنية حجازي قبل أيام في برنامج تقدمه على قناة فضائية مصرية، لتتحدث عن أزمة مع من تقول إنه زوجها، وهو الداعية المثير للجدل عبد الله رشدي، وأنه لا يسأل عنها أو عن "ابنتهما"، لا سيما بعد ما خاض كثر في عرضها وشرفها (على حد قولها)، ونشروا لها صوراً قبل ارتدائها الحجاب ثم النقاب، وأن زوجها الداعية الشهير يرفض الإعلان عن زواجهما عبر السوشيال ميديا.
الخطيب كانت كتبت تدوينة هجومية ضد رشدي بعدما سمعت عن تنكره لـ"زوجته"، "مدفوعة بتعاطفها مع المستضعفين والمظلومين عامة، والنساء خاصة، ويقين بأن نصرة هؤلاء واجب شرعي وإنساني"، على حد قولها.
وبعد ظهور "الزوجة" في البرنامج والحديث عن رشدي وعلاقتهما، وإنكار فريق من مريدي الداعية الزواج، وانتقاد فريق منتقدي الداعية ما سمّوه صولاته وجولاته النسائية، كتبت الخطيب تدوينة أخرى، تعتذر فيها لرشدي، تقول: "ليقيني أن قلمي أمانة تلزمني بصونها في كل ما أسطره، فقد سارعت إلى حذف المنشور بعد ساعات معدودات من نشره، وبكل شجاعة أعتذر عما تضمنه من عبارات قاسية (لرشدي). وآمل أن تكتمل الصورة بجلاء في حلقة الليلة التي نتشرف خلالها باستضافة الشيخ عبد الله رشدي".
بعدها بساعات، انتشرت صورة للخطيب وهي تضع طرحة قرمزية على الربع الأخير من رأسها، ليتلقف الإعلام الصورة، وتنتشر عناوين: "ترقبوا رد عبدالله رشدي على زوجته البلوغر مع ياسمين الخطيب التي ارتدت الحجاب بناءً على رغبة الضيف".
تفاصيل كثيرة جمعت المذيعة والبلوغر والداعية، وتفجّرت في هيئة "ترند جبار" جذب اهتمام الشارع والأثير، والغني والفقير، والمتعلم ونصف المتعلم، والعامل والموظف والعاطل.
الخلطة سحرية، قوامها الدين، أو ما يبدو أنه الدين في مجتمع اكتسب لقب "متدين بالفطرة"، وعلاقات غير المعلنة، وقصص عن الطرحة والحجاب والخمار والنقاب، وهي أبرز علامات ودرجات الإيمان في العقود الخمسة الماضية، وحكايات الزوجة الأولى الراحلة والثانية المطلقة والثالثة البلوغر، والمذيعة الحسناء، والداعية صاحب السجل الحافل بالآراء "الشرعية" والموقف "الفقهية" والتصريحات النارية عن التحرش والنساء والدياثة ونكاح السبايا وزواج الطفلة شرط أن تطيق الوطء وغيرها الكثير.
الداعية والبلوغر "زوجة" الداعية والمذيعة الفنانة والكاتبة والهالة الضخمة والمتصاعدة من اهتمام الملايين بالقصة، سواء ثبت إنها حقيقية أو ملفقة أو كغيرها من ملايين قصص الخلافات الأسرية ومشاحنات حكايات المشاهير وأسرارها، مجرد مثال للأوكسجين الذي يمنحه، وربما يستمده مثقفون وإعلاميون لتيارات دينية يعدها البعض "صحوة إسلامية"، ويراها آخرون متخصصة في اللعب بنار الدين أملاً في جنة الدنيا، المتمثلة في الحكم.
أوكسجين العنف الفكري
على مدار ما لا يقل عن عقد قبل اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، دأبت وسائل إعلام ومثقفون وكتاب وفنانون وشخصيات عامة مؤثرة في إمداد رموز التيارات الدينية المتطرفة والمتشددة والخالطة الدين بالسياسة بـ"أوكسجين" الإعلام والانتشار.
وبين ندوة فنية تشارك فيها شخصية "إسلامية" معروف عنها تشددها تجاه الفن والفنانين، ولقاء تلفزيوني يستضيف رمزاً من جماعة محظورة سياسياً ذائعة الصيت اجتماعياً للحديث عن السياسة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي، وتقرير صحافي مثير عن أبرز شباب الجماعات وعلاقتهم بالقيادات وكيف أنهم وقود الحاضر وأمل المستقبل، ومناظرة حوارية تبدو وكأنها دحض حجة مزج السياسة بالدين بأخرى تدعم فصلهما، والمحصلة النهائية في كل ما سبق مد جماعات وتيارات وأيديولوجيات دينية، صنفت غالبيتها فيما بعد تحت بند "المتطرفة" أو "المتشددة" أو "المشوهة للدين"، بأوكسجين الحياة والانتشار.
وفي أعقاب الـ18 يوماً من أحداث التظاهرات عام 2011 التي انتهت بتنحي الرئيس السابق الراحل محمد حسني مبارك تسابق صحافيون وإعلاميون ومثقفون وكتاب على مد أوصال الصلة العلنية وتعميق جذور اللقاءات الجماهيرية مع رموز التيارات الدينية "رفاق الميدان" و"أقران المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية".
ووصل الأمر إلى درجة أن برامج "توك شو" كانت الأشهر والأوسع مشاهدة والأكثر تأثيراً في الرأي العام والتوجهات وصناعة الوعي المصري في تلك الحقبة، سارعت لاستضافة رموز التيارات والجماعات الدينية واستقبالهم استقبال الفاتحين.
وبعيداً من ضرورة استضافة الجميع وعرض كل وجهات النظر والانفتاح على كل التيارات، وبعيداً أيضاً من التكهن بنيات المثقفين والمشاهير والإعلاميين من فتح أبواب التواصل والانتشار وتوسيع القاعدة الشعبية لهذه الرموز، خضع هذا الانفتاح بين النقيضين لكثير من المراجعات والمحاسبات بعد سنوات من الأحداث.
بين نقيض شخصيات عامة ومثقفين وإعلاميين وكتاب يمثلون ما يمكن تسميته تيار التنوير والبناء على أسس مدنية حديثة لا تخلط الدين بالسياسة، ولا تزج بالشيخ في الطب والسياسة والهندسة والفن، أو تقحم علوم الدنيا وآدابها وفنونها في عمل الشيخ من جهة، وبين تيارات دينية أول ما تفكر فيه وقت صعودها نحو السلطة هو إسكات هذه الأصوات وإقصاء هذه الشخصيات من جهة أخرى تتصاعد جهود مثقفين هذه الأيام لدق باب التيارات الدينية، وعلى رأسها من يطلق عليهم "السلفيين" وفي قول آخر "الملتزمين"، وذلك على سبيل التحبب والإعجاب.
"فضل" الإعلام على الإرهاب
في عام 2015 أجريت دراسة عن عنف الجماعات وعلاقته بالتغطيات الإعلامية، وذلك بالتعاون بين جامعة كولومبية و"معهد اقتصادات العمل" في بون (ألمانيا).
وجدت الدراسة، بناءً على رصد 60 ألف اعتداء إرهابي بين عامي 1970 و2012 أن التغطيات الإعلامية التي دقت على أوتار المشاعر "ساعدت على زيادة هذه العمليات والحوادث".
وأشارت إلى أن تسليط الضوء بصورة بالغة الحياد وينأى بنفسه عن وصف هذه العمليات بالعنف أو الكراهية أو غيرها، ربما أعطى أصحاب النفوس أو الأفكار المريضة أو المتطرفة القيام بعمليات مشابهة.
كما نوهت الدراسة إلى الأفكار والأيديولوجيات التي تقبع وراء هذه الجرائم أحياناً يمثل بروباغندا مجانية لها، وقد تغرس مزيداً من الخوف من مرتكبي تلك الجرائم، لا سيما الذين يتبعون جماعات ذات أيديولوجيات راديكالية، مما يقوي شوكتهم بصورة أكبر. موصية بتوخي الحذر الشديد أثناء التعامل الإعلامي، لا سيما المرئي، مع مثل هذه الأحداث والأشخاص المقترفين لها، مشيرة إلى أن "العنف يولد العنف".
وحيث إن العنف لا يقتصر على الضرب والطعن والقتل، لكنه يشمل كذلك الترويع بالأفكار، والتغييب بالعلم الفاسد، والتخويف بالسب والشتم والتهكم والاحتقار، والإقصاء بالتكفير والاستعلاء الديني وادعاء ملكية الحقيقة الواحدة، بدأ البعض من المصريين يعبرون عن القلق من مساحات "الأوكسجين" الثقافي والإعلامي والحواري التي يقوم مثقفون وإعلاميون وكتاب بمد أصحاب الأفكار الدينية المتشددة (المنعوتة بالملتزمة لدى محبيها) بها.
المساحات تأتي بألوان وصور وهيئات مختلفة: فقرات تلفزيونية يجري تخصيصها لمناقشة أغرب الفتاوى وأعجبها واعتبار القضية موضوع الفتوى، ومعظمها يتعلق بالنساء وقواعد النكاح ومبادئ الجمع بين أكثر من زوجة وملابسها وعطرها وحذائها وتفاصيل حياتها، قضية رأي عام أو أمن أخلاقي أو أولوية حياتية، حيث حلقات نقاش، وفريق يدعم، وآخر يهاجم.
أيضاً لقاءات فريدة يعدها أصحابها سبقاً مثل عبدالله رشدي و"زوجته" البلوغر مع ارتداء المذيعة للطرحة "احتراماً لرشدي، وقبلها مذيعات استضفن "مشايخ" ورموز تيارات دينية ذائعي الصيت من خارج المؤسسات الدينية الرسمية، منهم من يكفر المسيحيين من "شركاء الوطن" أو يعتبر النساء مواطنين درجة ثانية.
وكذلك تقارير صحافية ومقالات رأي عن "مشيخ" خارج إطار الأزهر الشريف منهم من يحرم رياضات ويحل أخرى، أو ينعت غير المسلمين السنة بنعوت يعاقب عليها القانون، أو يكتفي بنشر أعجب الأفكار وأغرب السلوكيات، باعتبارها من صميم الدين. ويضاف إلى قائمة تعميق أواصل الصلة بين تيارات دينية شديدة التطرف والمجتمع بصورة عامة.
وأخيراً ندوات وصالونات "فكرية" تبدو وكأنها أنشطة ثقافية، لكنها في حقيقة الأمر تعمل على نشرها وتعريف الناس بها. ولا تكتمل الصورة دون "موضة" الأطباء الذين يشرحون الأعراض المرضية والأسباب والعلاجات في ضوء آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وفي القلب منها توليفة من العلاجات الروحانية، وجميعها يدغدغ العقول ويهيمن على القلوب، وأحياناً يقتص من الجانب العلمي من الأمراض.
ممانعة مكتومة
الملاحظ أن الأصوات والأقلام المعروف عنها المجاهرة بالمطالبة بإنقاذ الدولة من تطفل التيارات الدينية، والمحذرة من خلط الدين بالسياسة، والمنتقدة الممانعة المكتومة التي تلقاها مطالبات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المتكررة بتجديد وتنقيح وتطهير الخطاب الديني عادة تلقى مقاومة مجتمعية منبعها الجموع الغفيرة المتعاطفة مع النسخ المتشددة من التفسيرات الدينية.
هذه المقاومة لا تخلو من سخرية وكراهية تجاه هذه الأصوات والأقلام، باعتبارهم أعداء الدين وكارهي المتدينين. ويصل الأمر أحياناً إلى رفع قضايا ازدراء أديان أو خطاب كراهية على أصحابها، كنوع من الترويع لهم وإسكاتهم أو في الأقل خفض أصواتهم.
هذه المرة، رفع لافتة التحذير من عمليات تسلل هذه التيارات، وبعضها مدعوم من المثقفين والمتنورين وحملة رايات الحريات، الكاتب الصحافي حمدي رزق. شبه في مقال عنوانه "ازدهار الطحالب السلفية الضارة" (نوفمبر 2025) الجماعات السلفية بالطحالب ليس لها جذور أو سيقان أو أزهار أو أوراق حقيقية، مجموعة من الخلايا تقوم الواحدة منها إلى جانب الأخرى، حيث "الطحالب السلفية، ليس لها تنظيم مركزي كالإخوان، أو مكاتب إدارية، جماعات لا تنظمها هيراركية تسلسل هرمي، هيكل أو نظام يصنف الأفراد أو الكيانات في مستويات مركبة من الأعلى إلى الأسفل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول رزق إن التيارات السلفية في مصر "محض جماعات مطلوقة في أرجاء المحروسة تعاضد بعضها بعضاً، تمتص الأفكار المجتمعية، وتختزنها، وتحولها لأفكار تدميرية هائلة... تعمل على سلفنة العقل الجمعي، وتشغل بذكاء مساحة من الفضاء المصري، وتثبت حضوراً مستداماً، ويمدها المثقفون بمدد لا ينضب بمماحكات فكرية، لا تسمن ولا تغني، منزوعة الدسم الفكري، والسلفيون جادون وفق مخطط جهنمي في صياغة العقل الجمعي سلفياً".
وحذر رزق من أن البيئة الحاضنة مواتية "لنمو الفيروسات الفكرية السلفية، وتكاثرها على نحو يسرطن المجتمع الذى تعتريه موجات سلفية مفاجئة تعبر عن نفسها في مواقف بعينها، لإثبات حضور لافت، كما حدث في غزوة المتحف الكبير"، ومنبهاً إلى قدرة السلفيين على فتن "الطيبين" (البسطاء)، وأن المثقفين يمدونهم (السلفيين) بما يشتهون من دعاية لأفكارهم المؤسسة للظاهرة السلفية، مكرراً التحذير من قدرة "الطحالب" على امتصاص نور أفكار التنوير، ونفث روح سلفية في المجتمع تتسلل إلى المخادع في غفلة من الزمن، وبمساعدة مثقفين.
مثقفون من جهة، وشبكة عنكبوتية من جهة أخرى ومنظومة تعليم مفرغة من ملكات ومهارات التفكير النقدي، وصمت رسمي، وفئات في المجتمعي تواقة إلى نقاط تميز ومعنى تتعلق بتلابيبها، ومجتمع يحمل تركيبة روحانية نجحت تيارات الإسلام السياسي في تجريد بعضها من عناصر السمو والسماحة، وملء الفجوات بعنف فكري وغلظة سلوكية مغلفين بجلباب ديني "ملتزم" أجواء مهيمنة تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.