ملخص
نيجيريا تغرق في دوامة عنف مزمن تقوده جماعات متطرفة مثل "بوكو حرام" و"داعش – غرب أفريقيا"، فيما تلتزم الحكومة صمتاً وتعجز عن حماية مواطنيها أو طلب دعم دولي فعّال، الأمر الذي فاقم الفقر والنزوح والانهيار الاقتصادي. الكاتب يدعو إلى تدخل منسّق مع الحلفاء، بقيادة الولايات المتحدة، لمعالجة الأزمة أمنياً وتنموياً، مؤكداً أن الحكومة الحالية تفتقر إلى القدرة والإرادة لإنقاذ البلاد.
على مر السنين، أدليت بشهادات في واشنطن حول الفظائع التي تتكشف في نيجيريا، بما في ذلك في ولايتي أوندو. وعلى المستوى الشخصي، شعرت بأن من واجبي أن أفتح بيتي لمساعدة المحتاجين، مقدماً لهم المأوى والحماية، بينما تلتزم حكومتهم الصمت ولا تحرك ساكناً.
لن أنسى ما حييت تلك اللحظة القاسية التي ودعت فيها هوا، الفتاة البالغة من العمر 14 سنة، وهي تغادر المكان الآمن داخل مجمعي، كانت تلك إحدى أصعب اللحظات في حياتي. "جريمتها" الوحيدة أنها حاولت أن تصلي بسلام في الكنيسة، إلا أنني ظللت أتساءل عما إذا كنت سأراها مجدداً، وما إذا كانت ستتمكن من العودة سالمة لمنزلها.
عندما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق من هذا الأسبوع، إلى وضع حد لهجمات المتطرفين التي تستهدف المواطنين المسيحيين في نيجيريا، أثار ذلك موجة من القلق في البلاد، ويعود ذلك جزئياً لحاجة الحكومة النيجيرية إلى الرد ومحاولة التستر على الوضع القائم.
كان ترمب محقاً في الإشارة إلى أن بلدي بحاجة عاجلة إلى تحرك حازم للقضاء على حالة انعدام الأمن، التي ابتلي بها شعبنا لعقود وما زالت تعوق تنميتنا.
ولا يزال ملايين يعانون بسبب إهمال الحكومة الفدرالية ورفضها طلب المساعدة العسكرية من الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، للقضاء على التهديد الذي يشكله المتطرفون الإسلاميون، وبصورة أساسية في منطقتنا الشمالية.
إن استهداف المصلين المسيحيين الأبرياء من الجماعات المتطرفة أمر غير مقبول، ويتطلب تدخلاً عسكرياً منسقاً وموجهاً لمعالجة المشكلة بفعالية. وينبغي دعم أي عمليات عسكرية من هذا النوع، إذا نفذت بالتعاون مع قوات الأمن النيجيرية.
وسيرحب ملايين النيجيريين بالتحرك الفعلي بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات، لكن وجود قوات على الأرض يجب ألا ينتهك سيادة نيجيريا أو يتحول إلى مقاربة تعتمد "إطلاق النار بكل اتجاه".
على رغم أن انعدام الأمن يضرب بصورة شبه عشوائية، فإن بعض المجتمعات - ومنها الكنائس في شمال البلاد - ما زالت تتعرض لهجمات من جماعة "بوكو حرام" بنية تحمل طابع إبادة جماعية، وقد شهدت ذلك بنفسي.
لأكثر من عقد، تحولت الكنائس والمنازل والأراضي الزراعية، ومعها مستقبل ملايين النيجيريين، إلى رماد. ونأمل أن يسهم تسليط الضوء على هذه القضية من واشنطن في تغيير المسار أخيراً، ودفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حقيقية.
كثيراً ما أحجمت الحكومات النيجيرية المتعاقبة، بما فيها الحكومة الراهنة، عن طلب أي دعم خارجي. ولعل هذا التردد يعود للشعور بالخجل من إخفاقاتها المتراكمة، أو بسبب حالات من التواطؤ العسكري. وقد جربت السلطات أساليب مختلفة، منها تعزيز قدرات القوى الأمنية المحلية وشن ضربات عسكرية، لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل.
وعلى رغم أن العالم تابع باهتمام شديد قبل أكثر من عقد حادثة الخطف المروعة التي نفذتها جماعة "بوكو حرام" في حق 276 تلميذة في بلدة شيبوك (ولا تزال نحو 100 منهن مفقودات)، فإن فظائع أخرى مرت إلى حد كبير من دون اهتمام.
وقد اختطف أكثر من 1600 تلميذ آخر منذ ذلك الحين، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 7.8 مليون شخص خلال السنوات الـ15 الماضية منذ بدء حملة "بوكو حرام" الإرهابية، ويشكل النساء والأطفال 80 في المئة منهم.
ونتيجة لذلك، انهارت الثقة الاستثمارية، وهو ما شكل عاملاً أساسياً في دخول الاقتصاد النيجيري حالة ركود. ويعيش أكثر من نصف سكان البلاد (129 مليون شخص) تحت خط الفقر، فيما يتجاوز معدل البطالة 30 في المئة. أما فرص العمل المتاحة لشبابنا، فهي شبه معدومة.
صحيح أن أي تدخل خارجي ينطوي على أخطار كبيرة، وقد يفاقم المشهد المتوتر أساساً، خصوصاً أن محاولات سابقة عجزت عن معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، إلا أن ملايين النيجيريين ما زالوا يكابدون المأساة ذاتها في حين تبقى نداءاتهم للمساعدة من دون استجابة.
لا يمكن للأسلحة والرصاص وحدهما حل كل مشكلات نيجيريا الأمنية، يجب على الحكومة اعتماد استراتيجية متعددة الجوانب، تشارك من خلالها معلومات استخبارية عسكرية حاسمة مع جيراننا وحلفائنا، بما في ذلك واشنطن، مع تعزيز التنسيق الداخلي أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويجب أن يكون تعزيز الاستثمار في الخدمات العامة الأساسية، بما في ذلك التعليم في أنحاء البلاد كافة، وتمكين الشباب وصرفهم عن الانخراط في الإرهاب، أولوية قصوى غير قابلة للتفاوض، وهو بالتأكيد مبدأ لا أقبل المساس به.
لا تزال نيجيريا لغزاً محيراً: فهي أمة شابة يبلغ متوسط أعمار سكانها 18 سنة فقط، وتمتلك طاقات ومواهب ريادية استثنائية. مع ذلك، يظل الشعب النيجيري أسيراً لتباطؤ التنمية، وذلك بسبب نهج سياسيين ما زالوا يغلبون مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة، فيما يكتفي بعضهم بالرضا عن بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، مما يسمح باستمرار حال انعدام الأمن واستشراء الفساد.
يظل أكثر من نصف النيجيريين محاصرين في دائرة الفقر، فيما لا يعرف ملايين منهم ما إذا كانت رحلتهم إلى المدرسة أو العمل ستكون آمنة. وبالنسبة إليهم، يصبح البقاء نفسه نوعاً من الترف.
أما الجماعات الإرهابية، فهي تسعى إلى استغلال السخط الشعبي وتقويض أسس الديمقراطية في البلاد. وقد أعلنت منظمة "بوكو حرام" - التي يعني اسمها حرفياً "التعليم الغربي ممنوع" - تضامنها مع تنظيم "القاعدة"، ووجهت تهديدات ليس إلى النيجيريين فحسب، بل إلى الولايات المتحدة أيضاً، وهي ليست المنظمة الوحيدة في هذا المجال.
فـ "تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا" Islamic State West Africa province يظل متجذراً وراسخاً في نيجيريا، وهو يتبع استراتيجية بسيطة لكنها فعالة، تقوم على استغلال الفقر المدقع للناس والتخلف التنموي للبلاد، بهدف جذب الشباب للانضمام إلى صفوفه، لقاء بضع دولارات، وقد استمرت عمليات الخطف والاغتصاب والتعذيب وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية لأكثر من عقد من الزمن من دون مواجهة تذكر.
الرئيس ترمب محق في لفت الانتباه إلى تدهور الوضع الأمني في البلاد، فلو قامت نيجيريا بالتنسيق مع حلفائها، كالولايات المتحدة، لكان بالإمكان أخيراً إزالة أحد أبرز العقبات أمام تنميتنا الاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك، يبقى على عاتق الحكومة النيجيرية مسؤولية ضمان البناء على مثل هذا النجاح، إلا أنني - كما كثير من النيجيريين - يؤسفني أنني لست مقتنعاً بأن الحكومة الحالية قادرة على أداء هذه المهمة.
الأمير أديوولي أديبايو هو محام وزعيم "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" في نيجيريا، ومرشح لرئاسة البلاد في الانتخابات التي ستجرى في عام 2027.
© The Independent