ملخص
مع الفشل المتوقع في التصديق على مشروع قانون إبستين، واستخدام ترمب وسائله المعهودة في التواصل المكثف مع قاعدته الشعبية، سيتمكن الرئيس من تجاوز الأزمة، قد لا يكون منتصراً، لكن إدارته الرئاسية لن تهتز، وحينما يحين موعد الانتخابات النصفية للكونغرس، سيكون الناس قد ضجروا من هذه القصة التي ظلت تقض مضجع الرئيس ترمب فترات طويلة.
على رغم أن وسائل الإعلام الأميركية منشغلة كثيراً بتغطية الكشف عن عدد من رسائل البريد الإلكتروني لجيفري إبستين المدان بالاعتداء الجنسي على عشرات الفتيات القاصرات واستغلالهن، وأن الرئيس دونالد ترمب كان يعلم ببعض تفاصيل أفعال إبستين، ويتوقع أن يصوت مجلس النواب خلال أيام على مشروع قانون يلزم وزارة العدل الكشف عن كل ملفات إبستين، الذي عارضه ترمب ومعظم الجمهوريين لأنهم لا يريدون أن يقعوا في موقف سياسي صعب، إلا أن هذا لن يشكل خطراً داهماً على الرئيس الأميركي لأنه سيتطلب موافقة 60 عضواً في مجلس الشيوخ وتوقيع ترمب نفسه وهو أمر من المستبعد أن يتم، ومع ذلك سيثير الأمر فقط ضجة سياسية يستغلها الديمقراطيون وقد تؤدي إلى انقسام داخل قاعدة ترمب الشعبية وبخاصة مجموعة "ماغا".
قضية لا تنحسر
لم تظهر قضية ملفات المستثمر المدان بالاتجار بالجنس مع قاصرات جيفري إبستين التي تصدرت عناوين الصحف الأميركية، ستة أعوام، وهددت ولاية ترمب الثانية هذا العام أي بوادر انحسار، ففي وقت كان فيه الجمهوريون في الكونغرس يحتفلون بانتصارهم وتحقيق هدفهم بإنهاء الإغلاق الحكومي الذي دام 43 يوماً من دون الرضوخ لمطالب الديمقراطيين، بدا أن الأمور تتحول في اتجاه آخر.
قبل ساعات فقط من انعقاد أولى جلسات مجلس النواب منذ بدء الإغلاق الحكومي في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشر الديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب ثلاث رسائل بريد إلكتروني حصلوا عليها من ورثة إبستين تذكر اسم ترمب، وتبعت ذلك آلاف من رسائل البريد الإلكتروني الأخرى، من اللجنة التي يقودها الحزب الجمهوري وبعضها يشير إلى الرئيس، إذ أكد فيها الممول المدان أن ترمب كان على علم بأنشطة إبستين مع فتيات قاصرات، وزعم في رسالة كتبها عام 2011 إلى شريكته المقربة غيلين ماكسويل التي دينت لاحقاً بالاتجار بالجنس، أن ترمب أمضى ساعات في منزله مع إحدى ضحايا إبستين (اتضح أنها فرجينيا جيفري التي انتحرت قبل أشهر عدة)، ووصف إبستين ترمب بأنه "كلب لم ينبح" في التحقيق الذي كان جارياً آنذاك، وأوضح عبر رسالة في أوائل عام 2019، كتبها إلى الكاتب مايكل وولف أن ترمب كان بالطبع على علم بالفتيات لأنه طلب من غيلين التوقف، في إشارة واضحة إلى تقارير تفيد بأن غيلين ماكسويل كانت تجند ضحايا من بين موظفي نادي ترمب "مارالاغو" في بالم بيتش بولاية فلوريدا.
إجراء اضطراري
وهكذا، ضمنت حزمة رسائل البريد الإلكتروني المنشورة أن يخضع المجلس، الذي يديره الجمهوريون، للضغط العام ويصوت لمصلحة نشر سجلات التحقيق التي حاول ترمب إخفاءها قبل أربعة أشهر، إذ تبين جلياً أن محاولات عرقلة الكشف عن ملفات إبستين لن تجدي نفعاً، نظراً إلى لجوء الديمقراطيين وأربعة نواب جمهوريين إلى قاعدة تعرف باسم "عريضة الإعفاء"، التي تسمح لهم بالالتفاف على قيادة مجلس النواب وعرض مشاريع القوانين على المجلس إذا وقع عليها معظم الأعضاء أي 218 عضواً في الأقل، ومن ثم سيجبر المجلس على التصويت على إجراء من شأنه أن يلزم وزارة العدل الإفصاح في غضون 30 يوماً عن تحقيقاتها في قضية إبستين وشريكته ماكسويل المحكوم عليها بالسجن لمدة 20 عاماً، وبعدما فشل مسؤولو البيت الأبيض خلال الساعات الأخيرة في الضغط على نائبتين جمهوريتين للتخلي عن دعمهما هذا التصويت، وكأنهم يحاولون التستر على الأمر، حتى مع إصرار مساعدي ترمب على عدم وجود ما يخفونه، أصبح من المؤكد اكتمال النصاب (218 عضواً) إذ يتوقع أن يتم التصويت الأسبوع المقبل.
دراما سياسية
كان الجمهوريون يأملون في تجنب التصويت على ملفات إبستين لأنهم لا يريدون أن يقعوا في موقف سياسي صعب، ففي وقت حث فيه الرئيس الأميركي مؤيديه على تجاوز تحقيق إبستين، ووصف الجمهوريين الذين لا يزالون يبدون قلقهم من هذا الموضوع بأنهم أغبياء وحمقى وسيئون للغاية، ظهر للجميع أنه في موقف دفاعي، وهيمنت الأخبار على النقاشات في "الكابيتول هيل" وقنوات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح السؤال الكامن في قلب دراما سياسية انبثقت من مأساة عشرات الشابات اللاتي تعرضن للاتجار بالجنس والإساءة على يد إبستين، هو لماذا يصر الرئيس ترمب على منع الأميركيين من الاطلاع على ملفات تتعلق بصديق سابق ندد به لاحقاً في ظل عدم وجود أي دليل على ارتكابه أي مخالفات جنائية؟
لكن المحتوى المثير للجدل الذي تضمن حديث إبستين وشريكته المسجونة حالياً غيلين ماكسويل عن ترمب، كان بمثابة وقود للثرثرة يمكن أن يفاقم المأزق السياسي للرئيس ضمن قصة ذات قدرة استثنائية على تشويه السمعة، التي، يبدو أنها لن تموت بسهولة على عكس بطلها الرئيس إبستين الذي انتحر في سجنه عام 2019.
وما يزيد من صدى الجدل أن الزلازل السياسية اهتزت الآن على جانبي المحيط الأطلسي، فبينما تقف واشنطن في حال تأهب قصوى للفضائح، أدت الهزات الارتدادية في المملكة المتحدة، إلى نزع كل الألقاب والأدوار الملكية من الأمير أندرو شقيق الملك تشارلز بما يشبه رميه من نافذة قصر وندسور، وإقالة اللورد بيتر ماندلسون من منصبه كسفير في واشنطن، وكلاهما كانا من أصدقاء إبستين السابقين.
الأمر الأكثر خطورة بالنسبة إلى الرئيس هو أن ما تم كشفه، أثار تساؤلات حول ما إذا كان شفافاً تماماً في شأن ما يعرفه عن إبستين، إذ أوحت رسائل البريد الإلكتروني أن ترمب كان يعرف أكثر مما كان مستعداً للإفصاح عنه في شأن رجل ثري مدان بالتحرش بالأطفال، كان يتنقل في أرقى دوائر المجتمع إلى جانب رجال نافذين في نيويورك ولندن.
هل من خطر على رئاسة ترمب؟
حتى الآن لم يبد أن هذا الكم الهائل من الرسائل الإلكترونية قد أثار أي مشكلات قانونية جديدة لترمب وهو ما أكدته السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض كارولين ليفيت، حين قالت إن كل ذلك لم يثبت شيئاً على الإطلاق، سوى أن الرئيس لم يرتكب أي خطأ، غير أن السؤال الآن هو: كيف يمكن لترمب الذي تتراجع شعبيته وسط موجة من القلق الاقتصادي التي تجتاح الولايات المتحدة أن ينهي كل هذا؟ فقد طغت عودة هذه القضية على إنجازات الرئيس، ويمكن أن تشكل مصدر إلهاء دائم للبيت الأبيض، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه القضية ستحسم نتائج انتخابات التجديد النصفي المقررة بعد عام واحد من الآن، إذ لم تمنع التساؤلات حول شخصية ترمب وماضيه من فوزه بالرئاسة مرتين، ولم تجد قاعدته الانتخابية المعروفة باسم "ماغا" "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" صعوبة في غض الطرف عن كثير من القضايا التي تتعلق بمدى التزامه القواعد والمعايير الأخلاقية، بما في ذلك لوائح الاتهام الموجهة لخصومه السابقين أو تجاوزاته في استخدام السلطة التنفيذية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شرخ مع "ماغا"
لكن طريقة تعامل إدارة ترمب مع المعلومات المتعلقة بالجرائم الجنسية التي ارتكبها إبستين، في حق فتيات بيضاوات لا تتجاوز أعمار بعضهن 14 عاماً، تختلف بالنسبة إلى مجموعة "ماغا" اختلافاً جذرياً، إذ تبدو وكأنها القضية الوحيدة التي تفرق ترمب عن قاعدته الشعبية، فقد وعد زعيم الحزب الجمهوري بالكشف عن "ملفات إبستين" الموجودة في وزارة العدل، لكن إدارته قاومت القيام بذلك ووصل الأمر إلى حد إنكار وجود الملفات أصلاً كما قالت المدعية العامة بام بوندي، مما أحدث شرخاً عميقاً في قاعدة الرئيس، لدرجة أن بعض من يتبنون شعار "ماغا" أبدوا استعداداً للتعاون مع الديمقراطيين، ينبع هذا الشرخ من شعور أعضاء حركة "ماغا" بأن الحكومة فاسدة، ولا ترعى مصالح الأميركيين العاديين، وكان أحد أسباب دعمهم لترمب، هو قوله "سأكشف كل شيء، سأهدم كل شيء، سألاحق هذه النخبة الفاسدة التي خدعتكم والتي قضت على الحلم الأميركي".
من هذا المنطلق كان نشر ملفات إبستين هو جوهر وعد ترمب، ولم تكن تلك مسألة عرضية أو ثانوية، بل كان موضوعه المحوري أن النخبة الأميركية الفاسدة خانت الأميركيين المنسيين، وهم يعتقدون أن ملفات إبستين تشمل كثيراً من أسماء القادة الديمقراطيين الذين كانت لهم علاقة بالممول المدان إبستين، ولا ينسون كلمات ترمب حينما سئل عن الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون، فقال "أعتقد أن لديه كثيراً من المشكلات القادمة مع جيفري إبستين"، ولهذا السبب تثير هذه القضية جدلاً نادراً أثار ردود فعل عنيفة لدى قاعدته الانتخابية، على رغم عدم وجود أي مؤشر حتى الآن على أنها ستنهي علاقته شبه الأسطورية بأشد مؤيديه ولاءً، وهو ما يفسر لماذا يبذل ترمب جهوداً مضاعفة على وسائل التواصل الاجتماعي لتصوير نشر رسائل البريد الإلكتروني على أنها جزء من مؤامرة ديمقراطية.
لا سبيل لتنفيذ مشروع قانون إبستين
قد يكون أي تمرد جمهوري واسع النطاق ضد الرئيس في تصويت مجلس النواب المتوقع الأسبوع المقبل، هو أحدث مؤشر إلى أن دعمه المنيع من الحزب الجمهوري في "الكابيتول هيل" بدأ يتداعى، كما أن تصويتاً قوياً من الجمهوريين على نشر الملفات في مجلس النواب الذي يردد بعضهم أنه يمكن أن يشمل عشرات النواب الجمهوريين، ربما لن يكون مفاجئاً، ومع ذلك، لكي يجد مشروع قانون إبستين طريقه إلى التنفيذ ويتم بمقتضاه الكشف عن كل ملفاته، فإن هذا يتطلب تمرير المشروع في مجلس الشيوخ وتوقيعه من الرئيس ترمب.
في مجلس النواب من المتوقع أن يحصل مشروع القانون على موافقات تتجاوز الأصوات الـ218 التي وافقت على عريضة الإعفاء، إذ يتوقع القادة الجمهوريون أن بعض أعضائهم الذين لم يوقعوا على عريضة الإعفاء سيصوتون لمصلحة القرار، وإذا تم تمرير مشروع القانون في مجلس النواب فسيحال إلى مجلس الشيوخ، حيث سيواجه صعوبات جمة، إذ يتطلب طرح مشروع القانون في ذلك المجلس 60 صوتاً، ولأن الديمقراطيين يشغلون 47 مقعداً، لذا لو أيدوا جميعاً الإجراء سيظلون في حاجة إلى 13 جمهورياً ينضمون إليهم ويتحدون الرئيس ترمب لإقرار المشروع، وحتى إذا أقر مجلس الشيوخ مشروع القانون فسيرسل إلى مكتب الرئيس، وسيكون من شبه المؤكد أنه سيستخدم حق النقض ضده، وحتى لو لم يفعل فإن الطريقة الوحيدة لإجباره على التعاون مع مثل هذا الإجراء هي أن يفرضه مجلس النواب من خلال توجيه اتهام للرئيس من المدعي العام بازدراء الكونغرس لعدم امتثاله، وهو سيناريو مستبعد للغاية.
لهذا من المتوقع أن يواصل الرئيس ترمب حملته القوية في الأيام المقبلة لردع حلفائه الجمهوريين في المجلسين لتقليل الزخم وراء إقرار مشروع قانون إبستين والحيلولة دون موافقة أعضاء مجلس الشيوخ على وجه الخصوص، وفي الوقت نفسه سيواصل الهجوم على الديمقراطيين ووصفه الأمر بأنه مؤامرة ديمقراطية وخدعة تستهدف إلهاء الأميركيين عن استئناف عمل الحكومة وللتعمية عن فشلهم الذريع في لي ذراع إدارة ترمب والجمهوريين عبر إجبارهم على تقديم تنازلات.
كيف سيتجاوز ترمب الأزمة؟
قبل كل شيء سيكرر ترمب أنه لم يظهر أي شيء في الرسائل الإلكترونية يثبت أنه خالف القانون أو ارتكب فعلاً جنائياً، وسيستشهد بما صرحت به غيلين ماكسويل لنائب المدعي العام تود بلانش في مقابلة هذا العام بأنها "لم تر الرئيس قط في أي موقف غير لائق بأي شكل من الأشكال"، وأنها لا تتذكر رؤية ترمب في منزل إبستين، كذلك قالت إنها شهدت الرجلين معاً فقط في مناسبات اجتماعية، وأن ترمب كان رجلاً نبيلاً من كل النواحي.
كما يعتقد أنه سيستعين بمذكرات كتبتها قبل انتحارها هذا العام فرجينيا جيفري، الفتاة المراهقة التي كانت تعمل في "مارالاغو" وجندتها غيلين ماكسويل عام 2000، والتي قالت فيها إنها التقت ترمب مرة واحدة وكان ودوداً للغاية.
إضافة إلى ذلك سيشير الرئيس الأميركي إلى أنه حظر إبستين من زيارة ممتلكاته عام 2007 رداً على لائحة الاتهام الموجهة إليه، وفقاً لما صرح به محامي شركة ترمب عام 2019 وهو ما كررته السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، إذ قالت "طرده الرئيس ترمب لأن جيفري إبستين كان متحرشاً بالأطفال، وشخصاً بغيضاً".
ومع الفشل المتوقع في التصديق على مشروع قانون إبستين، واستخدام ترمب وسائله المعهودة في التواصل المكثف مع قاعدته الشعبية، سيتمكن الرئيس من تجاوز الأزمة، قد لا يكون منتصراً، لكن إدارته الرئاسية لن تهتز، وحينما يحين موعد الانتخابات النصفية للكونغرس، سيكون الناس قد ضجروا من هذه القصة التي ظلت تقض مضجع الرئيس ترمب فترات طويلة.