Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيل "إنستغرام" و"تيليغرام" في إيران: المنطقة الرمادية

السماح بفتح المنصات لم يكن مجرد تعديل تقني بل لحظة رمزية لاختبار محسوب: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يفتح نوافذه من دون أن تهب عليه رياح التغيير؟

الجيل الإيراني الجديد يتعلم التفاوض مع السلطة لا التمرد عليها (أ ف ب)

ملخص

رفع الحظر الجزئي عن "يوتيوب" داخل الجامعات وعودة "تيليغرام" للاستخدام بعد أكثر من ثمانية أعوام من المنع، ليسا حدثين معزولين بل يندرجان في إطار إشارات محسوبة ضمن استراتيجية أوسع لتجريب "الانفتاح تحت السيطرة"، وهي مرحلة يمكن وصفها بـ"المرونة المحسوبة" التي تتيح للنظام أن يختبر نبض الشارع من دون أن يفقد قبضته.

في صباح بارد من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري داخل قاعة دراسية بجامعة طهران، جلس طلاب أمام شاشاتهم يتصفحون "يوتيوب" للمرة الأولى، إذ نشر موقع "إيران واير" أن جامعة طهران وفرت لطلابها للمرة الأولى منذ زمن، وصولاً مباشراً إلى منصة "يوتيوب" عبر الشبكة الداخلية للجامعة من دون الحاجة لاستخدام شبكات  VPNومن دون كسر حظره. كان المشهد عادياً في معظم جامعات العالم، لكنه في إيران بدا كأنه حدث سياسي صامت. السماح بفتح المنصة لم يكن مجرد تعديل تقني بل لحظة رمزية لاختبار محسوب، إلى أي مدى يمكن للنظام أن يفتح نوافذه من دون أن تهب عليه رياح التغيير؟

في المشهد الإيراني الراهن يبدو أن طهران تختبر شيئاً أكبر من مجرد سياسات جديدة، إنها تختبر حدود ذاتها. فالدولة التي بنيت على معادلة الضبط والهيمنة تسعى اليوم إلى اختبار توازن دقيق بين السيطرة والانفتاح وبين الرمزية الثورية ومتطلبات البقاء في عالم متحول. ورفع الحظر الجزئي عن "يوتيوب" داخل الجامعات وعودة "تيليغرام" للاستخدام بعد أكثر من ثمانية أعوام من المنع، ليسا حدثين معزولين، بل يندرجان في إطار إشارات محسوبة ضمن استراتيجية أوسع لتجريب "الانفتاح تحت السيطرة"، وهي مرحلة يمكن وصفها بـ"المرونة المحسوبة" التي تتيح للنظام أن يختبر نبض الشارع من دون أن يفقد قبضته.

لكن ما يبدو انفتاحاً من الخارج يدار من الداخل كعملية مراقبة اجتماعية واسعة. وعاش الإيرانيون خلال الأعوام الماضية معزولين رقمياً، لكنهم وجدوا طرقهم الخاصة للعبور عبر الحواجز، إذ إن أكثر من 70 في المئة من الشباب يستخدمون الشبكات المحظورة عبر أدوات تجاوز الحجب، ومع التكيف الصامت الذي يمارسونه، رفع الحظر لا يقدم لهم جديداً بقدر ما يمنح النظام فرصة لمراقبة ما كان يحدث في الخفاء.

على مدى أعوام، مثلت الجامعات في إيران مختبراً مصغراً للتفاعلات الاجتماعية والسياسية، فالطلاب ليسوا فقط جمهوراً نخبوياً، بل أيضاً صدى مبكراً لأي تحول داخلي. من هنا يبدو أن رفع الحظر عن بعض المنصات في الوسط الجامعي يهدف إلى منح الشباب شعوراً بالحرية الرمزية من دون أن يتحول ذلك إلى حرية حقيقية. إنها مساحة مباحة بعناية مثل نافذة مفتوحة جزئياً لتجديد الهواء من دون السماح للعاصفة بالدخول.

هنا يبرز مشهد آخر أكثر دلالة، فالشابات اللواتي بنين مشاريعهن عبر "إنستغرام" قبل أن يحظر عام 2022 خسرن مصدر دخلهن الوحيد بين ليلة وضحاها. واليوم مع الحديث عن عودة جزئية للتطبيق في قطاعات محدودة كالأعمال الصغيرة والفنون الرقمية، يستعيد بعضهن الأمل وإن كان محدوداً. فالمنصة كانت تمثل لهن اقتصاداً موازياً ومساحة للتعبير الاجتماعي والثقافي. وإعادة التفكير في السماح به، ولو ضمن تراخيص مقننة، تعني أن السلطة لم تعد تخاف من الفضاء الرقمي بقدر ما تسعى إلى تطويعه لمصلحتها.

وبينما أثار رفع الحظر عن "تيليغرام" ضجة داخلية نظراً إلى أنه أكثر المنصات استخداماً بين الإيرانيين، تزامن النقاش مع تلميحات حول السماح بعودة جزئية لتطبيق "إنستغرام" في قطاعات محدودة، خصوصاً في مجالات الأعمال الصغيرة والفنون الرقمية. فالتطبيق كان يشكل قبل حظره عام 2022 شرياناً اقتصادياً وثقافياً مهماً، ولا سيما للنساء وصغار التجار. وإعادة التفكير في السماح به، ولو في نطاق محدود أو عبر تراخيص خاصة، يُقرأ كاختبار إضافي للسيطرة الثقافية الناعمة، السماح بالتعبير الاقتصادي والاجتماعي تحت رقابة رقمية مشددة. إنها معادلة "التنفيس المنضبط" التي تتيح للنظام الاستفادة من ديناميكية السوق المحلية من دون أن يفرط في أدوات الضبط.

 إن الجيل الذي تربى على الالتفاف حول المنع بدأ يرى في هذه الخطوات مؤشرات على مرحلة جديدة من إدارة الحياة العامة. ليست حرية بالمعنى الليبرالي، لكنها استراحة تكتيكية في علاقة متوترة بين الدولة والمجتمع. فالإيرانيون، خصوصاً الشباب يعيشون اليوم ازدواجية واضحة، إذ يشاركون في الاقتصاد العالمي رقمياً بينما يعيشون داخل نظام سياسي لا يزال يحدد خياراتهم.

ومن الناحية السياسية، تكشف هذه الخطوات عن تحول بطيء في فلسفة إيران من "التحكم الثقافي" إلى "الإدارة الثقافية". فالسلطة التي اعتادت لعقود على إغلاق الفضاءات الافتراضية خوفاً من الاختراق الخارجي تدرك الآن أن الجيل الجديد لا يعيش داخل الجدران الأيديولوجية نفسها. فالإنترنت لم يعد مجرد منصة ترفيه بل اقتصاداً وسوقاً ورأياً عاماً موازياً. لذا فإن إغلاقه الكامل أصبح مكلفاً ليس سياسياً وحسب، بل اقتصادياً أيضاً، وفتح نافذة صغيرة في هذا السياق ليس تنازلاً بل تكتيكاً. وإيران تعيد إنتاج شرعيتها عبر إشراك رمزي للطبقات المتعلمة من دون أن تسمح بتحول المشاركة إلى مساءلة.

تقول سنام فاقيل وهي باحثة دولية تعمل حالياً مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة الأبحاث البريطانية "تشاتام هاوس"، ولديها خبرة واسعة في شؤون إيران السياسة والإقليمية والأمن الدولي، خلال مقابلة مع "الجزيرة" إن "إيران تكافح من أجل التحدث بلغة جيل نشأ عبر الإنترنت وخارج إطاره الأيديولوجي"، مما يعني أن إيران بنيت على مشروع أيديولوجي ثوري منذ عام 1979 صيغت لغتها السياسية في زمن كانت فيه مفردات مثل "الاستكبار العالمي" و"الثورة المستضعفة" و"الهوية الإسلامية" قادرة على تعبئة الجماهير. لكن هذا الخطاب لم يعد يعمل مع جيل ولد بعد الثورة بعقود، جيل يعيش في فضاء الإنترنت منفتح على ثقافات متعددة ويدرك ذاته بصفته فرداً لا تابعاً لهوية جمعية مفروضة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعندما تشير فاقيل إلى أن إيران تكافح لتتحدث بلغة هذا الجيل، فهي لا تقصد اللغة بمعناها اللفظي فقط، بل الرموز والمفاهيم والمرجعيات. فالمؤسسات الإيرانية تتحدث بلغة تعبئة ثورية بينما الجيل الجديد يتحدث بلغة الحياة اليومية والحريات والتكنولوجيا والاتصال العالمي. والنتيجة هي انقطاع التواصل الرمزي بين إيران والمجتمع.

والمشهد الإعلامي الداخلي بدوره أيضاً يعكس هذا الاتجاه، فبعض الصحف الرسمية بدأت بتبنّي لغة أكثر هدوءاً في القضايا الاجتماعية، وبعض وسائل الإعلام الحكومية خففت من نبرتها العقائدية لمصلحة خطاب واقعي يركز على "الإصلاح الذاتي للنظام"، وهذا التبدل في الخطاب لا يعني تحولاً في الجوهر بقدر ما يشير إلى وعي مؤسساتي بضرورة تجديد أدوات البقاء.

ووراء هذه التحركات أيضاً حسابات اقتصادية لا يمكن تجاهلها، فالانفتاح الجزئي على المنصات العالمية يعني تدفقاً محتملاً للعملات الأجنبية وإعادة تنشيط قطاعات العمل الحر والرقمي التي جمدها الحظر، فالحكومة التي تواجه تضخماً مرتفعاً وبطالة بين خريجي الجامعات تدرك أن المنصات لم تعد ترفاً، بل أداة حياة، ولذلك يتخذ الانفتاح هنا شكل "مبادرة اقتصادية مغلفة بإطار أمني".

تاريخياً تعود النظام الإيراني على إدارة التوتر الداخلي عبر ثلاث أدوات، التحكم ثم الإلهاء فالتكيف. ويبدو أن المرحلة الراهنة تنتمي إلى النوع الثالث "التكيف الموجه"، بمعنى أن السلطة لا تتخلى عن أدواتها القمعية لكنها تحاول دمجها مع مساحات حرية محددة بدقة، تماماً كما يفعل مهندس إلكتروني يضبط مستوى التيار على نحو لا يحرق الدائرة.

ورفع الحظر الجزئي عن المنصات الرقمية ليس إذناً بالحوار، بل هو إذن بالمراقبة من زاوية جديدة في فضاء أوسع لكنه أكثر شفافية بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية. لكن على رغم كل ذلك، لا تزال مساحة الانفتاح في إيران أقرب إلى مختبر تجريبي منها إلى تحول حقيقي. فما يرفع اليوم يمكن أن يعاد حظره غداً وفقاً لحركة الشارع أو توازنات الحرس الثوري. لذلك فالقضية ليست في "المنصات" بل في "المنهج"، منهج إدارة الحرية بجرعات محسوبة. وهنا نرى في البعد الاجتماعي الأعمق أن الجيل الإيراني الجديد يتعلم التفاوض مع السلطة لا التمرد عليها. فهم لا يسعون إلى إسقاط النظام، بل إلى إعادة تعريف العلاقة معه من داخل قواعده. وهذه الموجة الهادئة من الوعي المدني هي التي تجعل كل نافذة تفتح حدثاً سياسياً وكل خطوة نحو الانفتاح اختباراً متبادلاً، النظام يختبر الشعب والشعب يختبر صدقية النظام.

وما يجري اليوم داخل إيران لا يمكن وصفه بأنه "انفتاح"، بل هو اختبار للانفتاح، اختبار لمدى قدرة النظام على تحديث أدواته من دون المساس بجوهر سلطته، واختبار لمدى استعداد المجتمع لقبول هامش حرية مشروط مقابل استقرار نسبي. في النهاية يبدو أن طهران لا تفتح الباب بقدر ما تتركه موارباً. وتتيح للرأي العام أن يتنفس لكنها تحتفظ بمفتاح الهواء. وهكذا تبقى التجربة الإيرانية درساً في السياسة الرمادية، كيف يمكن لجمهورية أن تمارس الانفتاح وهي متمسكة بالإغلاق؟ وكيف يمكن لجيل أن يعيش على الحافة بين الممنوع والمسموح من دون أن يفقد قدرته على الأمل؟

في هذه المنطقة الملتبسة من العالم حيث تقاس الحرية بالميغابايت، تظل إيران تكتب تجربتها الخاصة في التوازن بين الخوف والرغبة. الباب لا يزال موارباً لكن ما خلفه بدأ يتنفس ببطء.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء