Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

14 قصة من "أدب الخرف" لكُتاب من بريطانيا وإيرلندا

"خطى متعثرة نحو النور" عنوان مستوحى من مسرحية لصموئيل بيكيت

رسمة تستوحي الزهايمر (أ ف ب)

ملخص

يضم كتاب "خطى متعثرة نحو النور" 14 قصة قصيرة لكتاب من إيرلندا والمملكة المتحدة، تقدم منظوراً مختلفاً للخرف، بعيداً من النظرة النمطية التي تصوره مرضاً مخيفاً يفقد صاحبه هويته وإنسانيته، فبدلاً من ذلك تسلط الضوء على تجارب أشخاص يعيشون مع الخرف من خلفيات إثنية واجتماعية متنوعة.

ظهرت في الأعوام الأخيرة أعمال أدبية عن ألزهايمر، أو الخرف، تعكس اهتماماً ملحوظاً بهذا المرض إبداعياً، منها على سبيل المثال رواية "أنت لست أمي" للإيطالي دومينيكو دارا، ورواية "ملك منفى العمر" للنمسوي أرنو غايغر، ورواية "حين تترنح ذاكرة أمي" للطاهر بن جلون، ورواية "الشعلة الخفية للملكة لوانا" للإيطالي أمبرتو إيكو. والرواية الأخيرة تحكي عن شخص مهدد بالعيش بقية عمره وسط ضباب كثيف على أثر فقدانه الذاكرة جزئياً بعدما بلغ الـ60 من عمره.

هي في معنى التذكر وآلياته وارتباطه بالزمن والوجود الفردي والجمعي، وفرز الزائف من الحقيقي في المرويات التاريخية، أما رواية "شرطة الذاكرة" لليابانية يوكو أوغاوا فهي عن عالم قوامه المحو في جزيرة تختفي منها الأشياء والمخلوقات، وتتلاشى فيها العواطف، فتقدم لنا نساءً ورجالاً يتخلون عن ذكرياتهم نتيجة قمع تمارسه تنظيمات تتعقب الذكريات وتحرص على اختفائها، أما رواية "فنانو الذاكرة" للكندي جيفري مور فهي مستوحاة من أحداث حقيقية ملخصها أن أربعة أصدقاء اجتمعوا على هدف واحد، هو مساعدة والدة أحدهم على مقاومة مرض ألزهايمر، وعربياً هناك رواية "ألزهايمر" لغازي القصيبي، و"تلال الأكاسيا" لهشام الخشن، ورواية "غيبة مي" لنجوى بركات.

على خطى بيكيت

كتاب "خطى متعثرة نحو النور: قصص حول الذاكرة والخرف"، من تحرير جان كارسون وجين لوجيا، عنوانه الأصلي هو A Little Unsteadily into light، وصدر عام 2022، وتولى ترجمته إلى العربية شاكر نوري لحساب سلسلة "إبداعات عالمية" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ويركز الكتاب على الخرف (Dementia) وهو مصطلح شامل يصف مجموعة من الأعراض التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، ولا ينفي ذلك اشتماله على ألزهايمر (Alzheimer's Disease) الذي هو مرض دماغي يعتبر أكثر أنواع الخرف شيوعاً.

واختارت جان كارسون عنوانه اقتباساً من مسرحية "شريط كراب الأخير" لصمويل بيكيت، وتقول كارسون في هذا الصدد: "تمكن بيكيت من التقاط الفكاهة والشعور بالشفقة وعمق الفهم والارتباك الناتج من محاولة التمسك بفهم الذات مع تآكل الذاكرة وتفكك اللغة"، وتضيف: "تتضمن تعليمات المسرح في عمل بيكيت هذا خطوات مرتعشة نحو النور، فوجدتها ملخصاً مفيداً ودقيقاً لمحاولاتنا لتحقيق هذا التوازن الهش عند الكتابة بصورة أصيلة عن الخرف", وتستطرد: "أعتقد أن هذه الكلمات تقول أيضاً شيئاً قوياً عن العيش بأفضل طريقة ممكنة مع الخرف، بل ربما تتحدث إلينا جميعاً، أليس معظم البشر يبذلون قصارى جهدهم للتحرك، ولو بشكل غير ثابت نحو النور؟" (ص 27)، ولجان كارسون قصة ضمن محتويات الكتاب عنوانها "سيداتنا العزيزات".

وبين المشاركين في الكتاب نعومي كروغر التي كانت روايتها الأولى "ماي" 2018 تروي جزئياً عن شخصية مصابة بالخرف وتستكشف كلاً من صعوبات الذاكرة وإمكانات الاتصال، وكروغر هي محاضرة أكاديمية في الكتابة الإبداعية في جامعة سنترال لانكشاير، وبين كتاب القصص التي يضمها الكتاب كاتبة من أصل سوري هي سعاد الدرة التي تحمل الجنسية الإيرلندية وتقيم في دبلن، وأصدرت في صيف عام 2022 مذكرات تحت عنوان "لا أريد أن أتحدث عن وطني"، وقصة الدرة الواردة في هذا الكتاب عنوانها "الغرباء الثلاثة".

حضور القراء

 ويعتبر كتاب "خطى متعثرة نحو النور" حصاد مشروع بحثي بمنحة من مجلس أبحاث الفنون والعلوم الإنسانية في المملكة المتحدة، عنوانه "الخرف في عقول الشخصيات والقراء"، ركز المشروع الذي انطلق عام 2020 على استكشاف نوع معين من الرواية المعاصرة يصور عقول الشخصيات المصابة بالخرف، من خلال تحليل 400 ألف كلمة من هذه الأعمال الأدبية، بحث المحاضر في اللغة الإنجليزية في جامعة كوينز بلفاست جين لوجيا، عن أنماط في كيفية تمثيل الخرف وأبعاده وأعراضه في الكتابة الإبداعية، افترض أن رؤية العالم من منظور شخصيات مصابة بالخرف يمكن أن تعزز فهم هذه الحالة لدى القراء.

ولاختبار هذه الفرضية تعاون لوجيا مع فريق من الباحثين في جامعة كوينز بلفاست لديهم خبرات في دراسة المجتمعات المسنة، وأسهمت الروائية والقاصة الإيرلندية جان كارسون في المشروع نفسه بخبرتها الأدبية ومواهبها في مجال التعامل مع المجتمع، بما أنها تعمل منسقة فنون مجتمعية، تشكلت مجموعات قراءة اشتمل كل منها على مشاركين من خلفيات متنوعة في ما يتعلق بالخرف، كطلاب الخدمة الاجتماعية، وأفراد يعتنون بأحباء مصابين بالخرف، وعامة الناس، إضافة إلى أشخاص يعيشون مع الحالة، أسفرت استجاباتهم المتباينة عن رؤى قيمة حول كيفية تفاعل الخيال مع واقع الأفراد، وكيف يمكن للقصص أن تؤكد أو تنفي أو تتحدى المفاهيم السائدة.

ويقول لوجيا إن أهم درس مستفاد مما سبق هو أن الكتابة الإبداعية تقدم طرقاً لفهم الخرف تتجاوز ما تقدمه الحقائق الطبية أو التصورات الإعلامية أو حتى المحادثات اليومية، تمتلك الكتابة الإبداعية القدرة على تصوير تجربة العيش مع الخرف بطريقة تمكن القراء من محاكاتها، ومن ثم فهمها بصورة أعمق، وربما حتى الاستجابة لها بصورة أفضل في تفاعلاتنا اليومية. وانطلقت جان كارسون من أن الخرف هو مصطلح شامل لمئات الحالات التي تنطوي على تدهور جسدي في جزء من الدماغ، وعلى رغم طبيعته الجسدية الواضحة، فإننا كمجتمع نميل إلى التركيز على التغيرات العقلية والسلوكية التي تطرأ على الأشخاص المصابين بالخرف، ربما يعود ذلك إلى أننا نصدق ما نراه، أو ربما لأن هذه التغيرات تثير فينا عدم الارتياح.

الوعي المجتمعي

تعتبر القصص التي يكتبها الأشخاص المصابون بالخرف – شهاداتهم الشخصية عن تجربتهم – خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لا شك أن هذه القصص هي أفضل طريقة لفهم الشخص الذي يقف وراء الخرف، ومع ذلك، يقول لوجيا، فإن أحد القيود المفروضة على قصص الخرف التي يكتبها المرضى أنفسهم هو استحالة التقاط المراحل اللاحقة من المرض، حين يفقد المصاب القدرة على سرد قصته، في الأعوام الأخيرة ازداد اهتمام كتاب القصص الخيالية بموضوع الخرف، لسببين رئيسين، أولاً، يعد ازدياد نسبة التمثيلات الأدبية للتعبير عن الخرف استجابة لزيادة الوعي المجتمعي بالمرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمع ارتفاع أعداد السكان المسنين وزيادة التشخيصات أصبح الخرف أكثر انتشاراً، مما يعني أن مزيداً منا يتأثر به، يمثل سرد الخرف تحديات فريدة ومثيرة للاهتمام بالنسبة إلى الكتاب، الكتاب ليسوا ملزمين قول الحقيقة، إنهم أحرار في استخدام خيالهم، واللعب بالكلمات المتاحة لهم، ومع ذلك من المهم أن تكون التمثيلات الروائية المتخيلة للتجربة الحية (بخاصة تلك التي يصعب على كثيرين فهمها) مدروسة جيداً وصادقة وتقدم نوعاً من "الحقيقة"، وذلك لأن التمثيلات الروائية للخرف لها علاقة معقدة بالواقع والتجارب الحية للناس، فإنها تعمل بصورة أفضل عندما تتحدث عن جوانب مختلفة من المرض وتمثلها وتستجوبها، تقدم القصص المنشورة في هذا الكتاب مجموعة متنوعة من الجوانب التي تتعلق بمرض الخرف، وكما هي الحال في الحياة الواقعية لا توجد تجربتان متطابقتان تماماً مع حال الخرف.

وبين المشاركين في الكتاب: كيلب أزوما نيلسون، وهو كاتب ومصور بريطاني – غاني يعيش في لندن، له رواية عنوانها "المياه المفتوحة"، وإلين فيني وهي شاعرة وروائية إيرلندية وتعمل محاضرة في الجامعة الوطنية الإيرلندية في غالواي، وأوونا فراولي، وهي كاتبة أميركية – إيرلندية.

أدب الخرف

المترجم شاكر نوري، هو روائي وصحافي عراقي يقيم في دبي، وسبق له الفوز عام 2013 بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات عن كتابه "بطاقة إقامة في برج بابل: يوميات باريس"، وفاز عام 2017 بجائزة كتارا عن روايته "خاتون بغداد"، وفاز عام 2018 بجائزة الصحافة العربية في دبي (حقل الحوار الصحافي)، ويقول نوري في مقدمة الترجمة إن هذا الكتاب يسهم في نشر الوعي حول الخرف، ودحض الوصمات والأفكار الخاطئة المرتبطة به، من خلال سرد حكايات إنسانية، في قالب القصة القصيرة باشتراطاته الفنية.

وفي مقدمة الكتاب لاحظت جان كارسون أن الخرف بات اليوم موضوعاً حاضراً بقوة، لا سيما في الفنون، فقد تناولته مسلسلات تلفزيونية، وأفلام مثل Still Alice و The Fatherوفي الوقت نفسه انتشرت الكتب الواقعية والمذكرات التي تستكشف الخرف، مثل أعمال آني إرنو وأرنو جيجر وإروين مورتييه، وشهد العقدان الأخيران ازدهار "أدب الخرف" فتضمنت قوائم الجوائز الأدبية الكبرى روايات مثل "السكر المحروق" لآفني دوشي، و"إليزابيث مفقودة" لإيما هيلي، وأعربت كارسون عن أملها في أن تتواصل أبحاث الأكاديميين حول كيفية تصوير الخرف في الكتابة المعاصرة، ليسهموا في تعزيز النقد الأدبي حول هذا الموضوع المهم، وعن القصص التي تضمنها الكتاب تقول كارسون: "إنها توازن بين تمثيل صادق لمرض يمكن أن يكون قاسياً ومدمراً، وبين تجربة الحياة اليومية للأشخاص الذين نعرفهم، والذين يعيشون بأمل وإصرار، ويواجهون الخرف بأفضل ما يمكن".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة