ملخص
"يعود الرجل السبعيني بذاكرته للوراء قائلاً بنبرة تملأها الحسرة "مجلس النواب في عصور سابقة، على رغم ما كان يثار حوله أيضاً من جدل حول سيطرة المال السياسي والمجاملات في ترشيحات النواب وسيطرة أحزاب بعينها على المشهد، كان له في كثير من الأوقات سطوته وقوته وتأثيره، وكانت هناك أصوات معارضة لديها تأثير نسبي لدى الشارع تصطدم بالغالبية، وتستطيع أن توجه تساؤلاتها واستجواباتها للوزراء والمسؤولين وتحاسب الحكومة في حال ارتكابها أخطاء جسيمة، وكثيراً ما كانت سبباً في إطاحة مسؤولين من مناصبهم، لكن الوضع الآن تغير".
على مقهى شعبي في حي بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، جلس السبعيني شادي زهران (موظف متقاعد) يتفحص بعينيه لافتات الدعاية لمرشحي انتخابات النواب 2025 التي تملأ الشوارع والطرقات والميادين، عله يجد وجوهاً معارضة مؤثرة تمثله تحت قبة البرلمان وتكون نصيراً له في الدفاع عن قضاياه ومشكلاته وهمومه الحياتية. غير أن صدمة انتابته بعدما لاحظ أن غالب المرشحين الذين يستحوذون على لافتات الدعاية يخوضون الانتخابات إما كممثلين لما يسمى "أحزاب الموالاة" المؤيدة لتوجهات السلطة التنفيذية والحكومة، أو رجال أعمال مستقلين، فيما توارت عن المشهد وجوه تمتلك الجرأة على طرح قضايا المواطن ومشكلاته وأوجاعه وقادرة على الاشتباك مع المسؤولين لمصلحة قضاياه.
ثقة مفقودة
"أشعر بفقدان الثقة في مرشحي البرلمان بسبب إخفاق النواب السابقين على مدى الدورات البرلمانية السابقة في إحداث أي تغيير ملموس في أوضاعنا المعيشية، أصبحت هناك عزلة بيننا والبرلمان وكأنه في جزيرة منعزلة عنا وعن مشكلاتنا، ولا يخدم إلا فئة بعينها"، يقول زهران متسائلاً "ماذا قدم البرلمان المنقضي لحل مشكلة غلاء أسعار السلع، أو مجابهة جشع التجار، أو علاج أزمة نواقص الدواء وبخاصة لمرضى الأمراض المزمنة، أو الزيادات المتكررة في أسعار البنزين، أو ارتفاع كلفة نفقات المدارس الخاصة من مصروفات ورسوم وباصات وكتب مدرسية، وغيرها من القضايا التي تمس حياة المواطن؟".
بنبرة مريرة لا تخلو من التندر يقول زهران لـ"اندبندنت عربية"، "الجواب يبان (يظهر) من عنوانه، دائماً ما يستحوذ على المشهد أصحاب البدل والكرافتات وأبناء مشاهير العائلات الذين يملكون الإمكانات المادية التي تؤهلهم للفوز بالمعركة الانتخابية، عكس أبناء الطبقات البسيطة الذين لا يملكون أدوات المنافسة الحقيقية، لذلك أشعر أن البرلمان المقبل سيسير على درب سابقه في اختيار نواب يركزون على قشور القضايا والموضوعات السطحية والهامشية، لذلك أصبح كل ما يشغل بالي هو لقمة العيش والتأقلم مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة".
يعود الرجل السبعيني بذاكرته إلى الوراء قائلاً بنبرة تملأها الحسرة "مجلس النواب في عصور سابقة على رغم ما كان يثار حوله أيضاً من جدل حول سيطرة المال السياسي والمجاملات في ترشيحات النواب وسيطرة أحزاب بعينها على المشهد، كان له في كثير من الأوقات سطوته وقوته وتأثيره، وكانت هناك أصوات معارضة لديها تأثير نسبي لدى الشارع تصطدم بالغالبية وتستطيع أن توجه تساؤلاتها واستجواباتها للوزراء والمسؤولين، وتحاسب الحكومة في حال ارتكابها أخطاء جسيمة، وكثيراً ما كانت سبباً في إطاحة مسؤولين من مناصبهم، لكن الوضع الآن تغير وأصبحنا نسمع عبر منصات التواصل الاجتماعي عن توريث المقاعد لأبناء النواب، وسيطرة أحزاب الموالاة على القوائم والمقاعد الفردية، وهندسة العملية الانتخابية والتضييق على الأصوات المعارضة في الدوائر، وغياب تكافؤ الفرص في الدعاية، وإن صح ذلك سيفرز في النهاية نواباً يهللون ويصفقون لأي تشريع تتقدم به الحكومة، أو يصدرون تشريعات دعائية بهدف الفرقعة والشو الإعلامي وليس لخدمة المواطن".
على رغم ما يطرحه زهران في حديثه، فإنه لم يخف رغبته بأن يخيب البرلمان المقبل ظنه، وأن يكون نسخة مغايرة عن المنقضي، وأن يكون على قدر طموحات المواطن ويتدخل لعلاج القضايا الراهنة، وعلى رأسها تحسين الأوضاع المادية، وأن يكون رقيباً على الحكومة وقراراتها ويتفاعل مع الشكاوى كافة، وأن تُتاح الفرصة لمشاركة أكبر للفئات الشبابية القادرة على النزول للشارع والاحتكاك بالمواطنين وتلبية متطلباتهم على أرض الواقع.
آمال معقودة
بدأ المصريون المقيمون في الخارج الجمعة الماضي، الإدلاء بأصواتهم ضمن المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2025 (الغرفة الأولى للبرلمان المصري) داخل 139 لجنة فرعية بمقار السفارات والقنصليات المصرية لدى 117 دولة، وتُجرى المرحلة الأولى من الانتخابات للمصريين بالخارج يومي السابع والثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، على أن يصوت الناخبون في الداخل يومي الـ10 والـ11 من الشهر نفسه. ويتنافس خلالها 2598 مرشحاً على المقاعد الفردية إلى جانب "القائمة الوطنية من أجل مصر" التي تضم أحزاباً سياسية، على أن تعلن الهيئة الوطنية للانتخابات النتائج الرسمية للجولة الأولى خلال الـ18 من نوفمبر الجاري، فيما تجرى جولة الإعادة للمصريين في الخارج خلال الأول والثاني من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وللناخبين في الداخل يومي الثالث والرابع من الشهر نفسه، على أن تعلن النتائج النهائية خلال الـ11 من ديسمبر المقبل.
في مقابل الطرح السابق، يعقد الأربعيني إمام عثمان الذي يعمل محاسباً بإحدى الشركات العقارية ويقطن بحي المعادي (جنوب العاصمة المصرية القاهرة) آمالاً كبيرة على البرلمان المقبل في إصلاح كثير من الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وعلى رأسها تغيير الحكومة برمتها أو بعض الحقائب الوزارية التي أثبتت فشلاً في ملفاتها، بعدما بلغ إلى مسامعه عبر إحدى المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي ومن شخصيات مقربة من النظام أنه سيكون هناك تغييرات مرتقبة في الحكومة عقب الانتهاء من تشكيل البرلمان، لا سيما بعدما أخفقت في إنهاء أزمة جنون الأسعار وجعلته (وغيره) فريسة لجشع التجار الذين حققوا أرباحاً طائلة، وضاعفت فاتورة الأعباء الاقتصادية عليه، وسنت تشريعات تنحاز لفئات الملاك والمستثمرين، ووجهت طاقتها صوب قضايا فرعية مثل "البلوجرز" و"اليوتيوبرز" على سبيل المثال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في تقدير عثمان أن البرلمان السابق ترك انطباعاً سلبياً في النفوس ولم يتصد لكثير من الأزمات العاجلة، مستشهداً بـ"قانون الإيجار القديم" الذي انحاز لمصالح الملاك على حساب المستأجرين ولم ينه الأزمة من جذورها، علاوة على تقليص منظومة الدعم التي نجم عنها في المقابل ارتفاع أسعار غالب السلع، قائلاً "كان يمثل صوت المسؤول الرسمي وليس رقيباً عليه".
يبدى الرجل الأربعيني دهشته من مشاهد الدعاية الغريبة وغير التقليدية وحجم الإنفاق الهائل الذي يملأ منصات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية، بصورة تؤكد حجم الفروق الطبقية بين المرشح والناخب وقلة خبرات وكفاءة المرشحين.
يشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي شهدت جدلاً واسعاً في أكثر من واقعة دعائية، إذ لجأ مرشح بمحافظة سوهاج إلى الظهور بسيارة "تسلا" يبلغ ثمنها ملايين الجنيهات وسط تهليل الأطفال الصغار، فيما احتفى أنصار المرشحة رحاب الغول، ابنة النائب الراحل عبدالرحيم الغول، مرددين هتافات "سيبوها سيبوها (اتركوها). الكرسي بتاع أبوها". وفي دلتا مصر لجأ أنصار مرشح لحمله وكأنه يطير في الهواء وسط هتافات الحضور وضحكاتهم. ولجأ مرشح آخر للسجود أمام أنصاره في إشارة إلى حب الناس له حتى عرف بـ"المرشح الساجد". ولفت مرشح الأنظار بعد مخاطبته أهالي منطقته بعبارات عاطفية، مردداً "يا عشقي. يا عشقي. يا حبايب قلبي"، حتى أصبح يعرف بين الناس بـ"المرشح العاطفي".
يطمح عثمان أن يكون البرلمان المقبل أكثر فاعلية في تناول قضايا المواطن، وأن تكون هناك إتاحة لمناقشات حقيقية وجادة تحت القبة، وأن تتصدر قضايا المواطن أجندة الأولويات والاهتمامات الرئيسة للنواب، وأن نرى المسؤول يُراجع ويُحاسب إذا أخطأ في قضية ما.
تمثيل متنوع
على النقيض، يرى الأستاذ الأكاديمي يوسف عبدالرازق أن البرلمان الحالي يضم أطيافاً مختلفة من الأحزاب السياسية والموالاة والمعارضة، لا سيما بعدما شاهدنا انضمام عدد من الأحزاب المعارضة أو المحسوبة على المعارضة المصرية داخل "القائمة الوطنية من أجل مصر"، بينما لم يكن هذا التمثيل الحزبي موجوداً في برلمان 2020، إذ كانت القائمة الوطنية تتمثل في عدد من أحزاب الموالاة فقط في غياب كامل لأحزاب المعارضة باستثناء حزب الوفد، وهو ما يعطي انطباعاً إيجاباً بوجود أصوات معارضة داخل البرلمان، وإن كانت لا تضاهي الأحزاب المحسوبة على الدولة فإنها ستعطي زخماً أثناء النقاشات حول التشريعات والموضوعات التي تهم المواطنين في الداخل والخارج.
ويضيف لـ"اندبندنت عربية" أن الصندوق هو الفيصل في العملية الانتخابية ومن حق كل مواطن أن يختار من يمثله، رافضاً الأصوات السلبية التي تشكك في نزاهة الانتخابات، والتي يدعمها بقوة أولئك المقيمون خارج مصر ويخدمون أجندات تخريبية، واعتدنا منهم على تصدير الإشاعات وتعكير صفو كل ما هو إيجابي تجاه الدولة المصرية ومنجزاتها في القطاعات والاتجاهات كافة.
وأكد أن ما يحدونا من آمال عريضة حول البرلمان المقبل يتمثل في وجود عدد كبير من الوجوه الشبابية التي تخوض غمار العملية الانتخابية، ونراها مؤهلة لأداء الدور البرلماني، خلال توقيت نسعى إلى وجود مؤسسات قوية خلال تلك الفترة الحرجة التي تمر بها المنطقة، وهو ما يؤثر وتتأثر به مصر.
اعتادت السيدة كاميليا إسماعيل ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية خلال الدورات الماضية للتعبير عن رأيها، مشيرة إلى أنها ترى أن الدولة تواجه عدداً من الأخطار نتيجة التحديات الخارجية التي تحيط بها، والاضطرابات السياسية التي تشهدها بعض البلدان المجاورة، مما يجعل من الضروري أن يوجه كل فرد طاقته لبناء مؤسسات الدولة والمشاركة في الإدلاء بصوته ضمن هذا المشهد الانتخابي.
وفي تقدير كاميليا، فإن البرلمان السابق أنجز عدداً من النجاحات على مختلف المستويات والصعد، واستطاع سن تشريعات تحفظ حقوق المصريين في الداخل والخارج وتقلص من معاناتهم وأوجاعهم، موضحة أنه كان بمثابة ظهير مساند للدولة في قضية غزة.
أدوار متشابكة
اتساقاً مع الرؤى السابقة يرى أحمد سامى المقيم في دائرة الصف بمحافظة الجيزة، أن المواطن المصري اعتاد على قيام عضو مجلس النواب بأدوار ليست من صميم مهامه ولا سيما الأدوار الخدمية، سواء شخصية أو عامة، في ما يخص التواصل مع الجهات التنفيذية لحل مشكلات القرى من البنية التحتية ومياه الشرب والصرف الصحي إلى أمور أخرى، مؤكداً أن الدور الرقابي والتشريعي لا ينظر إليه المواطن على أنه المعيار الأهم، وإنما قدرة النائب على تكوين علاقات عامة نافذة تمكنه من تعيين الشباب داخل الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وحل المشكلات عبر مكالمة هاتفية، وهو ما كان يحدث في السابق.
يفند سامي دفاعه ويبرره بالقول إن الحكومة المصرية دفعت بعدد من المشروعات القومية الكبرى لحل مشكلات القرى في جميع محافظات مصر ولا سيما المشروع القومي "حياة كريمة"، إذ يعالج أزمات تلك القرى المتراكمة عبر عقود، ويوفر لها حاجاتها كافة، مما أدى لتحجيم الدور الذي كان يقوم به النائب في السابق، بالتالي انتهى دوره المعتاد تحت قبة البرلمان.
وفي جنوب مصر حيث محافظة سوهاج، يرى محمد العلي المقيم في دائرة المراغة، أن "الحديث الدائر عن هندسة الانتخابات وحسمها سلفاً لا أساس له من الصحة بالنظر إلى ما نراه من منافسة شرسة بين المرشحين، إذ يسعى كل منهم لكسب ثقة المواطنين، مؤكداً أنه على رغم ترشح أحد المحسوبين على الأحزاب الكبرى، فإن ما نراه هو مشهد انتخابي حقيقي، يسوده التنافس الشرعي والاحتكام لصناديق الاقتراع".
على رغم ذلك التأكيد، يرى العلي أن المشكلة الحقيقية التي لا تزال قائمة، ولا سيما في صعيد مصر، تتمثل في القبلية والعصبية بين العائلات التي تتحيز لمرشحين وفق حجم عائلاتهم وما يربط بينها من مصاهرة وأنساب وعلاقات تجارية متبادلة، وليس ما يمتلكه المرشح من أدوات أو مؤهلات علمية، لافتاً إلى أنه على رغم نسبة التعليم المنتشرة بين أبناء الصعيد فإن تلك المشكلة لا تزال قائمة، ومؤكداً أنه قبل كيل الاتهامات تجاه العملية الانتخابية كان يجب أن نناقش تلك المشكلات ونضع حلولاً لها في مبادرات توعوية للخلاص من تلك المعضلات".
كلمة السر
حال التباين في الرؤى في أحاديث مواطني مصر حول تقييم المشهد الانتخابي خيمت بظلالها أيضاً على تحليلات عدد من المتخصصين، خلال حديثهم لـ"اندبندنت عربية" وجاءت متباينة أيضاً.
يرى مستشار مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع، أن الأوضاع الاقتصادية انعكست بدورها على حال الزخم في شأن المشاركة الانتخابية، مردفاً "وجود 50 في المئة من المقاعد بنظام القائمة من دون منافسة يعني انخفاض الزخم بالنسبة نفسها".
في اعتقاد ربيع أن "إشكاليات الانتخابات البرلمانية بمصر لا تزال موجودة حتى اللحظة الراهنة، بدءاً من التوريث لأبناء العائلات، وبيع المقاعد، مما ينجم عنه في النهاية مشرعون ليسوا على قدر من الكفاءة والخبرة، وتشريعات تصب في صالح فئة بعينها"، لافتاً إلى أن معدل ثقة المواطن في البرلمان تراجع نسبياً كونه لم يعد ظهيراً للدفاع عن قضاياهم ومشكلاتهم، ومؤشر الثقة في الانتخابات لا يقاس فقط بنسبة المشاركة في الاقتراع والتصويت، ولكن بنسب الترشح والعزوف أيضاً.
ودلل على رؤيته بمقارنة بين أعداد المرشحين على المقاعد الفردية، قائلاً "أعداد المرشحين على المقاعد الفردية في الانتخابات الحالية يبلغ نحو 2598 مرشحاً على المرحلتين، وعدد المرشحين بلغ أدنى مستوى له في انتخابات عام 2000 بنحو 3957، وأقصاه في انتخابات 2011 إذ بلغ عدد مرشحي الفردي 6059 مرشحاً، مما يعني أن نسبة التنافس على المقاعد في الانتخابات الحالية أقل من الدورات السابقة".
في تقدير مستشار مركز "الأهرام"، أن ثمة شواهد تشير إلى وجود خروقات من بعض المرشحين في الدعاية الانتخابية، وعدم الالتزام بالسقف الدعائي الذي حددته الهيئة الوطنية للانتخابات، وهو ما يظهر في بعض الدوائر الانتخابية بصورة تخل من مبدأ تكافؤ الفرص.
يحدد قانون مباشرة الحقوق السياسية في المادة 25 الحد الأقصى للإنفاق الانتخابي للمرشح الفردي بـ500 ألف جنيه (10559 دولاراً)، و200 ألف جنيه (4223 دولاراً) في مرحلة الإعادة، في إطار تنظيم الحملات وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، ويحدد الحد الأقصى للقوائم الانتخابية، إذ يمكن للقائمة المخصص لها 15 مقعداً إنفاق 2.5 مليون جنيه، ويرتفع المبلغ إلى مليون جنيه في مرحلة الإعادة، ويزداد إلى ثلاثة أضعاف للقائمة المخصص لها 45 مقعداً، وتتيح المادة 26 للمرشح تلقي تبرعات نقدية أو عينية من الأشخاص الطبيعيين أو الأحزاب، بشرط ألا تتجاوز خمسة في المئة من الحد المصرح به للإنفاق.
يشار إلى أن الهيئة الوطنية للانتخابات كانت أعلنت قبل يومين أن لجان الرصد في الـ14 محافظة التي تشملها المرحلة الأولى "لم ترصد أية خروقات للدعاية الانتخابية حتى الآن"، مع بدء فترة الصمت الانتخابي في الداخل.
فرقعة إعلامية
المتخصص في علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يوضح أن "البرلمان أصبح أحد أفرع السلطة التنفيذية وليس كياناً مستقلاً، إذ اختفت الأصوات المعارضة وأصبحت السيطرة الكاملة لأحزاب الموالاة التي تؤيد قرارات الحكومة في كل محاورها، ولا تعترض على أية بنود قد تؤثر في الطبقات الفقيرة والكادحة، على عكس بلدان أخرى مثل أميركا يستطيع النواب أو المحاكم فيها الاعتراض على قرار أو قانون يصدره رأس السلطة التنفيذية ومنع تمريره".
يستشهد صادق بمثال، قائلاً "إحدى المرشحات في البرلمان حينما ذهبت إلى منطقة شعبية وسألها المواطنون عن رؤيتها لمواجهة غلاء الأسعار أكدت أنها وظيفة الحكومة، وهو أمر يؤكد أن بعض النواب لا يدركون حقيقة دورهم في مراقبة الحكومة وسؤالها ومواجهتها في القضايا المفصلية التي تصب في صالح المواطن".
وفي تقديره أن عدداً من نواب البرلمان السابق تفرغوا للاهتمام بالشو الإعلامي والفرقعة وإصدار تشريعات بهدف الشهرة، مثل المطالبة بـ"قطع الإنترنت" أو "إغلاق أكاديميات للرقص"، بينما لم يتطرقوا إلى عصب القضايا المحورية التي تهم المواطن.
ويقول المتخصص في علم الاجتماع السياسي إن عودة الثقة بين المواطن والبرلمان مجدداً تتطلب الانخراط في القضايا كافة التي تؤثر بصفة رئيسة في حياته، لا سيما الجوانب الاقتصادية، وكذلك إصدار التشريعات التي تحافظ على حقوق الفئات البسيطة وتحسن من حياتها المعيشية، ومراقبة الحكومة في جميع مهامها واستجوابها في حال ابتعادها من المسار السليم، والنأي عن القضايا السطحية والتركيز على مفاصل الأمور، مردفاً "البرلمان يجب أن يكون صوت المواطن ولسان حاله، ويجب إفساح المجال لجميع الأصوات لتعبر عن آرائها بكل حرية".
منافسة ساخنة
على خلاف الطروحات السابقة، يرى البرلماني المصري مصطفى بكري أن هناك زخماً شعبياً ضمن الانتخابات البرلمانية الحالية، موضحاً أنه على رغم حسم القائمة الانتخابية بالتزكية، فإن المقاعد الفردية ستشهد منافسة ساخنة في كثير من الدوائر الانتخابية، لا سيما في ظل وجود 2000 مرشح مستقل، إضافة إلى عدد من مرشحي الأحزاب السياسية، مما يعكس جدية المشهد الانتخابي والمضي قدماً نحو انتخابات حرة ونزيهة.
ويقول بكري لـ"اندبندنت عربية"، إن البرلمان المقبل سيمثل فيه عدد من أطياف المجتمع، وأعداد لا بأس بها من المستقلين والمعارضة، وهو ما سيحدث حراكاً سياسياً داخل البرلمان ويصب في صالح الوطن والمواطن في النهاية.
لا ينكر البرلماني المصري أن الأوضاع الاقتصادية الراهنة ستترك آثارها السلبية لدى بعض، وكذلك الحال في شأن قانون العلاقة الإيجارية الذي أقره البرلمان المنقضي، إلا أنها في تقديره لن تؤثر في حيوية المشهد الانتخابي وسيكون لكل مواطن الحق في الإدلاء بصوته واختيار من يمثله من المرشحين، مؤكداً أن القيادة السياسية حريصة على إجراء انتخابات حرة نزيهة، وأن تخرج بصورة مشرفة أمام الجميع.